العيساوي: قانون محاربة العنف ضد النساء يفتقر إلى "الأمن القانوني"

العيساوي: قانون محاربة العنف ضد النساء يفتقر إلى "الأمن القانوني"

فيما دخل القانون رقم 103.13، المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، حيّز التنفيذ شهر شتنبر الماضي، يسود نوع من خيْبة الأمَل من المقتضيات التي تمخّض عنها وسط نساء ورجال القضاء المكلفين بتطبيقه.

وديع العيساوي، نائب وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالقنيطرة، قال في ندوة نظمتها الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، إن القضاة كانوا ينتظرون من قانون محاربة العنف ضد النساء أن يكون متكاملا، سواء من الناحية الإجرائية أو من الناحية الموضوعية، يؤسس لحماية فعالة للنساء ضحايا العنف، "لكن بعد صدوره تبيّن أنه يفتقر إلى مفهوم الأمن القانوني الذي أصبح المغرب يأخذ به"، حسب تعبيره.

وأوضح وكيل الملك أنّ الأمن القانوني له مداخلُ أساسية عدّة، أهمّها الوضوح والدقة، والولوجية، والتوقُّعيّة، أي ألا يكون القانون منغمسا فقط في الواقع المعاش، بل أن يكون متوقعا للمستجدات، مبرزا أن هذه المبادئ رسمها فقهاء القانون والمتخصصون في صناعة التشريع، وكان يجب أن تتوفر في قانون محاربة العنف ضد النساء، الذي عمّر طويلا في مرحلة التداول والنقاش.

وتوقف العيساوي، الذي يشغل أيضا مهمة المنسق المحلي لخلية التكفل بالنساء ضحايا العنف، عند ضعف الالتقائية على المستوى القانوني، رغم صدور القانون المتعلق بدراسة الآثار L’étude d’impacts عن البرلمان، والذي يهدف إلى دراسة توقّع نجاح القانون وعلاقته بباقي القوانين الأخرى، بما يُفضي إلى وحدة قانونية مندمجة ومتكاملة ومنسجمة مع مقتضيات القانون الجنائي ومقتضيات المسطرة الجنائية وباقي القوانين المشكّلة للمنظومة القانونية المغربية.

وأوضح المتحدث ذاته أنّ الإشكال الذي يطرحه القانون رقم 103.13 هو أنه جاء في سياق النقاش الدائر حول تعديل القانون الجنائي برمته، وزاد: "نأتي بمُوجب قوانينَ لاحقة بتعديلات جزئية هنا وهناك..إذا كنا سنعدّل القانون الجنائي أو قانون محاربة العنف ضد النساء فيجب الحديث في إطار شمولي، وهو القانون الجنائي ككل".

وتطرق نائب وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية إلى اللجنة التي شكّلها الملك قبل نحو ثلاث سنوات للنظر في الأحكام المتعلقة بالإجهاض، والتي أنهتْ تقريرها، الذي سيتم على ضوئه تعديل مقتضيات القانون الجنائي بهذا الخصوص، في وقت استبق قانون محاربة العنف ضد النساء هذا التعديل، إذ عدّل إحدى المواد المتعلقة بالإجهاض. وتساءل العيساوي: "هل هذا التعديل منسجم مع ما ورد في تقرير اللجنة التي شكلها جلالة الملك أم غير منسجم معها؟".

وأكّد المتحدث ذاته أنه كان على واضعي القانون المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء أن يبنوا فصوله وفق معطيات وإحصائيات دقيقة، مشيرا في هذا الإطار إلى أن القانون رقم 103.13 كان بحاجة إلى الاستئناس بأرقام وإحصائيات المرصد الوطني للإجرام، الذي أمر الملك بإحداثه في خطاب 20 غشت 2009، والذي تضع عليه وزرة العدل اللمسات الأخيرة، ويُرتقب أن يرى النور قريبا، حيث سيُعنى بتقديم الإحصائيات والدراسات والنتائج واقتراح الحلول لمواجهة الإجرام.

ويبدو أن الإشكالات التي سيصطدم بها قانون محاربة العنف ضد النساء، على المستوى العملي، كثيرة، ومازال تطبيقه يفرز المزيد منها. وأشار القاضي العيساوي في هذا الصدد إلى المذكرة الصادرة عن النيابة العامة، والمتعلقة بحماية الحياة الخاصة للأشخاص، والتي ستطرح إشكالا على مستوى صناعة الدليل الجنائي في القضايا المتعلقة بمحاربة العنف ضد النساء، وقال: "صناعة الدليل الجنائي ستواجه إشكال سؤال المشروعية، ذلك أنّ القانون أصبح يعاقب على التصوير والبت والتسجيل وغيرها من الأمور التي كانت تتم الاستعانة بها كدليل لإثبات التعرض للعنف؛ فكيف يمكن أن يتعامل القضاء مع إشكالية تجريم بعض آليات إثبات الجرائم بعد تجريم الممارسات المتعلقة بالتقاط الصور والتقاط المكالمات والبت..والحال أنها تقدَّم كدليل أمام القاضي الجنائي؟".

وأشار المتحدث إلى أن هذا النقاش مطروح أيضا حتى في أوروبا، إذ سبق للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن اعتمدت مشروعية الدليل الجنائي كوسيلة من وسائل الإثبات، وهو القرار الذي استأنست به المحاكم الأوروبية في صناعة الدليل، إذ استثنت بعض مواد القوانين الأوروبية بنصوص صريحة تجريم التقاط المكالمات أو التصوير أو التسجيل إذا كانت الغاية منه صناعة الدليل الجنائي لإثبات التهمة أمام المحكمة، مشيرا إلى أن وسائل إثبات العنف التقليدية أبانت عن محدوديتها، ويؤكد ذلك ارتفاع حالات حفظ ملفات الزوجات المعنفات، وارتفاع الأحكام القاضية بتبرئة المتهمين أمام المحكمة.

ورغم أن قانون محاربة العنف ضد النساء يحفل بكثير من النواقص، كما جاء على لسان نائب وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالقنيطرة، إلا أنه، يضيف المتحدث، لا يمكن الحديث عن تعديله في الوقت الراهن، على اعتبار أنه لم يمض سوى وقت قصير على دخوله حيز التنفيذ، مشيرا إلى عمل خلايا التكفل بالنساء ضحايا العنف، "إذا كان عملا جديا سيشكل قفزة نوعية نحو تكفل أفضل بالنساء ضحايا العنف".

غير أن عمَل خلايا التكفل بالنساء ضحايا العنف تواجهه بنفسه معيقات تحدّ من فعاليته، بسبب ضبابية القانون رقم 103.13. وقال العيساوي في هذا الإطار: "القانون الجديد ينص على إعداد خطط عمل محلية، فهل سنقتصر في كل اجتماع على إعداد خطة عمل معينة؟. هناك نوع من الضبابية في هذا النص. كان على القانون أن يحدد عمل الخلية بشكل دقيق، لأن هناك رغبة في تطوير عمل الخلايا من طرف مختلف المتدخلين، ولكن على مستوى القانون ليست هناك نصوص واضحة تنظم عملها".