"الحملات الفيسبوكية" تتحول إلى لاعب حاسم في الساحة المغربية

"الحملات الفيسبوكية" تتحول إلى لاعب حاسم في الساحة المغربية

منذ وُصول الإسلاميين إلى رئاسة الحكومة سنة 2011 عَقب ثورات اجتاحت دول عربية، بات الرأي العام المغربي يطل عبر موقع "الفايسبوك" بصفته لاعبا حاسما في الساحة المغربية، بل بات مُؤثراً في مجريات السياسة وقرارات السلطات العليا.

ولم يكن هذا الرأي العام الرقمي ذا تأثير قبل قرابة عقد حين كانت حكومة عباس الفاسي تقضي آخر أيامها، وكانت آنذاك تؤرقها فقط الاحتجاجات التي تقودها جحافل المعطلين في شوارع العاصمة الرباط، لكن هؤلاء لم يعد لهم أثر اليوم، إذ ظهر في الوقت الراهن «حزب الفايسبوك المغربي» بأكبر قاعدة شعبية في تاريخ المملكة.

فمع تطور ولوج المغاربة إلى الأنترنيت ودخول الهواتف الذكية عصر الأثمنة الزهيدة، أصبح شباب المملكة يتوفرون على صفحات رقمية يطلون من خلالها على المستجدات الوطنية، وبات لهم صوت ورأي يحشدونه إلى جانب آخرين يبلغ عددهم 16 مليون حساب مغربي على "الفايسبوك".

وقد لعبت هذه القاعدة الشعبية الكبيرة دوراً كبيراً خلال موجة احتجاجات حركة العشرين من فبراير، فقد كانت التعبئة تتم عبر صفحات "فايسبوكية" خاصة بكل مدينة، وصل عددها إلى مئات الصفحات، التي تنشر التغطيات المباشرة والبيانات وبلاغات الاحتجاجات وأماكنها.

وعَكَسَ هذا الوعي الشعبي تطوراً في بنية المجتمع المغربي، خصوصاً الشباب منه، حتى صار ذا صوت مسموع حتى لدى أعلى سلطة في البلاد، لكن بقدر ما كان هذا الرأي العام الرقمي دافعاً لمزيد من الإصلاحات السياسية في المغرب، بقدر كان مؤرقاً لحزب العدالة والتنمية الإسلامي.

فقد نال هذا الحزب، الذي وصل إلى رئاسة الحكومة لأول مرة، ضربات كثيرة، وتسببت حملات "الفايسبوك" في إسقاط عدد من وزراء حكومة عبد الإله بنكيران، فالكل يتذكر «الكوبل الحكومي»، سمية بنخلدون والحبيب الشوباني، وكيف انتقل خبر صغير أوردته صحيفة ورقية إلى موجة غضب "فايسبوكية" عجلت بطردهما من الحكومة.

أما الوزير الآخر، الذي طرده "الفايسبوك" المغربي شر طردة، فهو عبد العظيم الكروج، الذي كان مكلفاً بالتكوين المهني بألوان حزب الحركة الشعبية. ولن ينسى المغاربة أيضاً محمد أوزين، الذي تقلد منصب وزير الشباب والرياضة، والذي لقب بـ"وزير الكراطة" بسبب فضيحة مركب مولاي عبد الله بالرباط.

ورغم أن حزب العدالة والتنمية، قائد الائتلاف الحكومي، يولي اهتماماً بالغاً بالتواصل عبر مواقع "الفايسبوك" و"اليوتيوب"، فإن ذلك لم يمنع حملات "الفايسبوك" من النيل منه والتأثير على قراراته، ولنا في حملة المقاطعة الأخيرة خير دليل، فقد كانت حكومة سعد الدين العثماني في الأول تستهين بها، لكنها في الأخير بدأت تواجه تلك الحملة الافتراضية التي ضربت بقوة على أرض الواقع.

إذ بالإضافة إلى ما تحقق على أرض الواقع من هذه الحملة الافتراضية، التي أثرت على معاملات ثلاث شركات، فقد كان لها بالغ الأثر على عمل فريق العثماني، الذي خصص وقتا كبيرا لمواجهتها، سواء عبر البيانات أو الاجتماعات البرلمانية أو المناشدات، إلا أن ذلك لم ينجح.

وقد أدت الحملة إلى سقوط مدوّ للحسن الداودي، وزير الشؤون العامة والحكامة. ورغم أن الاستقالة التي قدمها الداودي لم يحسم فيها بعد، فقد أعطت وهجاً لافتاً لحملة المقاطعة، إذ بمجرد ما ظهر في فيديو في تظاهرة مع عمال "سنطرال" أمام البرلمان حتى انتشرت موجة انتقاد واسعة دفعته إلى طلب الإعفاء.

وتبقى حملة المقاطعة التي عاشها المغرب في الأسابيع الماضية جديرةً بالاهتمام، فلأول مرة يقود المغاربة حملة تنجح بأقل الخسائر، فلا اعتقالات تمت ولا جروح ولا ضربات سجلت من طرف قوات الأمن، بل مجرد حملة مستمرة، لا يعرف من يقودها ولا منتهاها ولا برنامجها المستقبلي.

وهي تعتبر محطة مهمة في تاريخ المغرب جديرة بالدراسة والتمحيص، فهي تعني ميلاد علاقة جديدة بين المجتمع والسلطة، بعدما انفرط عقد مؤسسات الوساطة، التي باتت لا تفي بالغرض منذ سنة 2011 حين نزل الشعب إلى الشارع لبسط مطالبه المباشرة للدولة.

ويعتبر عبد الرحمن رشيق، الباحث في علم الاجتماع بالمركز المغربي للعلوم الاجتماعية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن "المقاطعة ليست شكلاً جديداً للاحتجاج، ولكن الجديد هو المقاطعة على الشبكة العنكبوتية بقيادة فاعلين مجهولي الهوية، والتي تلقت تعاطفاً كبيراً من قبل الشباب "الفايسبوكي"، وبعد ذلك الرأي العام الوطني".

ويشير رشيق، في حديث لهسبريس، إلى أن المتعاطفين مع الحملة منهم حتى من لا يستعمل الشبكات الاجتماعية. وقال إن المقاطعة نجحت "بفضل استعمال الفيديوهات واللهجة الدارجة لتصبح الحركة الاحتجاجية كثيفة، خصوصاً بعد ردود أفعال بعض السياسيين ضد المقاطعين، والتي اعتُبرت من طرف الرأي العام إهانة مباشرة له".

وحسب رشيق، فإن أسلوب المقاطعة من خلال الشبكات الاجتماعية ليس سابقة في المغرب، لكنه يؤكد أن "الحملة التي نعيشها عبأت "الفايسبوكيين" أكثر، وكان وقعها على النشاط الاقتصادي للمنتوجات المستهدفة كارثياً".

ويضيف رشيق أن حملة افتراضية سابقة عرفها المغرب كانت ضد عزيز أخنوش، وزير الفلاحة ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، قادتها «كتائب الجيش الالكتروني» المحسوبة على حزب "البيجيدي"، إبان ما عُرف بـ"البلوكاج" أثناء محاولة رئيس الحكومة بنكيران تشكيل الحكومة الجديدة. لكن هذه الحملة، حسب رشيق، لم تعبئ "الفايسبوكيين" ولم تستمر طويلاً وباءت بالفشل.

وفي تفكيكه لبنية حملة المقاطعة، يقول رشيق: "يجب أن نعرف أن هناك ثلاث فئات أو أصناف من المحتجين: هناك من نُسميهم محترفي الاحتجاجات، أي الذين يتوفرون على تقنيات أو استراتيجيات أو أهداف أو برامج أو مطالب أو أفكار أيديولوجية أو توجهات سياسية. فعشرات المحترفين يُمكنهم أن يعبئوا الفئات الأخرى التي تتشكل من المتعاطفين مع هؤلاء المحترفين، إضافة إلى الأشخاص العاديين أو التابعين الذين يشكلون الأغلبية العددية في إنجاح الاحتجاجات".

ويرى رشيق أن "اختيار الموضوع والظرفية والخطاب يلعب دوراً كبيراً في إقناع الفئتين الأخيرتين، خصوصاً الشباب الساخط على الوضع الاجتماعي، والذي يعرف أن انخراطه في حركة المقاطعة لا تكلفه أي عناء أو جهد، وأن مساهمته لا تتطلب مالا ولا وقتا ولا مواجهة مع رجال الشرطة، إذ يبقى خفياً وراء حاسوبه في بيته".

في المقابل، يطرح رشيق مشروعية خطاب الدفاع عن القدرة الشرائية للمواطنين المغاربة الفقراء، حيث يتساءل في هذا الصدد: "هل الطبقات الفقيرة والهشة تشرب الماء المعدني "سيدي علي"؟ وهل يشكل الماء المعدني مادة حيوية بالنسبة إلى الفئات الفقيرة؟ ولِمَ لا يتحدث المقاطعون عن غلاء العدس والسردين مثلاً، الذي يهم الفئات الاجتماعية الضعيفة؟".

ويعتبر رشيق أن مقاطعة المواد الحيوية والأساسية، والمطالبة بعدم الزيادة فيها لأنها لا تحترم القدرة الشرائية للمواطنين ذوي الدخل المحدود، حق مشروع، قبل أن يُوضح قائلاً: "أن نساند بصفة عفوية، بالنسبة إلى أغلبية المواطنين، وبصفة استراتيجية، بالنسبة إلى البعض الآخر، حملةً ضد شركة وطنية تخفي أغراضا سياسية أو غطاء أيديولوجيا تحت ذريعة الدفاع عن الطبقات الفقيرة واستغلال السخط الاجتماعي لشباب "الفايسبوك" لتوجيهه ضد أشخاص معينين، فهذا غير مقبول".

ويخلص الباحث رشيق إلى أن "عدم اقتصار حملة المقاطعة على وصم (stigmatisation) المنتجات، بل تجاوز ذلك إلى وصم مالكي هذه الأنشطة التجارية، ومقاطعة فقط المنتوج الوطني والسماح للمُنتج الأجنبي ببيع المنتوج نفسه وبالثمن نفسه، يدل على أن هناك مشكلاً شخصياً مع مالكي المقاولات وليس دفاعاً عن القدرة الشرائية للمواطنين".