لحسن الداودي

لحسن الداودي

لقد تشابه علينا البقر وحليبها، والحرائق ووقودها، والمياه وعيونها، وكنا نظن أن في حكومة العثماني رجل رشيد إلى درب الحكمة سينيرنا.. فإذا به بكثير من الجفاء والخرس يمدنا ويزيدنا..

إنه لحسن الداودي، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالشؤون العامة والحكامة، الذي فجأة جفت الحروف في حلقه، وعاد لسانه إلى جوفه، في عز حملة مقاطعة منتوجات مغربية دويها وصل خارج المغرب، وهو الذي كان يزبد ويرغد في كل مناسبة لها علاقة بالغلاء والأثمنة والفقراء.

الكل يتذكر عندما صاح الوزير تحت قبة البرلمان، حاملا كيس سكر، متوعدا بالتدخل، ومتهما الأغنياء بأن استفادتهم منها منكر. الكل يتذكر كم كان يزمجر وكلامه سهام نار في وجه المستفيدين من صندوق المقاصة دون وجه حق، وكم كان صوته قويا ثوريا ينذر بيوم حساب أغبر.

ها هو اليوم، وهو في المنصب نفسه مكلفا بالحكامة والشؤون العامة، من أولى مهامه أو التي أعطاها لنفسه حتى أضحت التزاما صادرا عنه، مراقبة السوق وشؤون العامة في التبضع من منتوجات البلاد دون إرهاق لجيوب المواطنين، ها هو اليوم ناسيا منسيا في معركة وقودها الناس والبضائع، في موقع المتفرج المنتشي بغريزة ميكيافيلية في التشفي الصامت في الشعب وفي أصحاب البضائع.

هذا ليس ملتمسا من أجل تدخله، لأن التدخل هنا واجب تفرضه الأمانة السياسية والأخلاقية، التي طالما تغنى بها هذا الوزير داخل حزبه وخارجه، هذه مسؤولية تقتضي فض الاشتباك داخل المجتمع بما يقتضيه القانون والعرف.

وإذا كان أصحاب البضاعة هم المذنبون المقصرون المبالغون الخارقون للقانون في تحديد الأسعار وجودة السلع، وجب الدفاع عن الحق العام والتدخل لتقريعهم وضبط الإيقاع الاستهلاكي من جديد. وإذا كان الناس المقاطعون هم المتجاوزون، فعليه أن يتواصل معهم وينير أفكارهم ويشرح مكامن سوء الفهم أو الغلط.

غيابه عن المشهد، نأيه عن الموضوع من منطلق "اذهب أنت وربك فقاتلا إننا ها هنا قاعدون"، يجسد جنوحا ميكيافيليا لا يليق بدعاة دين أخلاق وتسامح، ويرسخ فكرة الانتقام النفسي المرضي المقيت الذي يهدم الدولة والمجتمع، لذلك يضخ الوقود في محركات عربات النازلين لتحمل لحسن الداودي إلى مثواه بينهم ليكون صاحبهم بالجنب.