الفنّان الجزائري إدير .. إبداع مغسول بنكهة الأرض وصوت الهدير

الفنّان الجزائري إدير .. إبداع مغسول بنكهة الأرض وصوت الهدير

بأغنيّة ووتر، كان الفنّان يغوص عميقاً في ماضٍ غابر ويمتطي حلماً ستفيض به خُطاه وتنبسط ظلاله أبعد وأبعد.. كان اللّيل يخلع عتمته وكانت قامته تستقبل الشّمس وهدير البحر وتأتي بالنّشيد لحناً مغسولا بنكهة الأرض..

في تفاصيل صغيرة وكبيرة، كان الفنان الجزائري القبائلي (حميد شرّيط)، إدير التي تعني بالأمازيغية (يحيا)، يعبر رياح الصّيف المُنعشة، قادماً من الجبال الصّامتة / الصّلبة، وفي داخله ترتفع ابتسامة صافية وأحاسيس صادقة، بعد أن سجّل أغنيته الشّهيرة "أفافا ينوفا"، التي وصلت البراري والمدن وأثارت في الكلّ مشاعر متدفّقة؛ ومضى متطوّعاً نحو الخدمة العسكريّة..طار كالعصفور الذي وقف طويلا في الظلّ قبل أن يجسّ نبضه بالسّفر.

بهواجس فريدة وبسيطة، وبما احتشد في وجدانه من مشاعر وانفعالات، كان أقسى طموحاته الاقتراب من النّاس؛ وفي الطّريق المُقمر كان ينظر إلى بياض الفراشة داخله، فتصعد المواويل بالأبجديّات ودفء الذّكريات، لتبدأ الحكاية مثل سرب من الشّموع مُشعّ بالأصوات.

في حوار ذكيّ مع الإيقاع والإبداع، كانت قيثارة المغنّي والمؤلّف الموسيقي إدير بتدفّقها الهامس والسّلس تصطاد الأعماق، تلامس فينا بسحرها وأطيافها المجاز الحيّ .. وتمنحنا مفتاحاً سريّاً بتنويعاتها، وكان صاحبها ذا عاطفة جيّاشة حاضنة لهويّة الشّعوب، أدرك وجهه ووجهته على نحو إنسانيّ وكونيّ، فجَسّدَ السّلام والمحبّة ومساندة القضايا العادلة.

كانت آلات: النّاي والأورغ والدّربوكة في التحامها بالأوتار تشكّل شبكة مترابطة، يخلق عبرها الفنّان مسيرته وصوته وإكليلا شفيفاً من مختلف الزّهور..وبنية إيقاعيّة تمتلك شحنة هادئة وهائلة من القطع الغنائية: القرية الصغيرة، هنا وفي مكان آخر، هويات، ضفّتان، حلم واحد ..إذ أثارت في دواخلنا شيئاً من السّكينة وأقامت بامتداداتها تقابلا مع حروف الفنّان ومع بوحه وانصهار خلاياه؛ فرأى المواسم في الأمكنة ورأى الرّفاق والأمّهات والأصفياء وصبايا الغجر والأبراج، يلوّحون بشال المسافات في الشّارع العريض.

لم يبحث سفير الأغنية القبائلية في العالم عن أمجاد زائلة أو باقية، ولم يقل كلّ ما في قلبه من إيحاءات فنيّة، تزيد من صياغة العالم والإنسان وما يعتريهما من تقلّبات وانتظارات؛ لكنّه كان على الضّفاف القريبة يلبس نظّارته في صمتٍ عنيد، ويخطو في ثنايا العشب المرتعش بين الأشجار الظليلة، يسأل عن وجوهنا بحبّ، ويزرع بيننا ضحكته الخفيفة - الأبديّة، وفي أنفاسه تشرق قيثارة من ضوء.