مثقفون يتبرّعون لصندوق وباء "كورونا" ويتطلّعون لـ"مغرب جديد"

مثقفون يتبرّعون لصندوق وباء "كورونا" ويتطلّعون لـ"مغرب جديد"

مغرب آخر يمكن أن ينبثق من الأيام العصيبة التي يعيشها البلد اليوم في خضمّ حالة الطّوارئ الجماعية التي تفرضها مواجهة فيروس "كورونا" المستجَدّ، يستشرفه كتاب وأكاديميون وأدباء وفنانون مغاربة، بادروا إلى التبرّع للصّندوق المخصّص لتدبير الجائحة، مستحضرين مكنونات "الروح الوطنية"، ومتذكّرين مختلف فئات الشعب المغربي.

روح وطنية للخروج من النّفق

ثمّنت أسماء ثقافية وإبداعية مغربية بارزة، في نداء لها، "الإجراءات التي قامت بها السلطات العمومية المغربية لمواجهة انتشار الوباء والحد من اجتياحه"، داعية "كل أفراد الشعب المغربي إلى الالتزام بكل الاحترازات المقررة في هذا الشأن، وخاصة البقاء بالبيت، لكونها الوسيلة الوحيدة التي في متناولنا اليوم لتجنيب بلادنا كارثة صحية خطيرة".

وجمع هذا النّداء أسماء أكاديمية وإبداعية وحقوقية، من بينها: سعيد بن سعيد العلوي، عبد الإله بلقزيز، عائشة بلعربي، علي أومليل، رحمة بورقية، عبد الحميد عقار، مبارك ربيع، سعيد الشرايبي، أسماء المرابط، محمد بنيس، محمد برادة، محمد المصطفى القباج، صلاح الوديع، محمد المعزوز، محمد مفتكر، محمد المليحي، نور الدين أفاية، نور الدين الصايل، عبد الكريم برشيد، وعبد الرحيم الجامعي.

كما وردت في النّداء أسماء أكاديمية وسياسية، وإبداعية من قبيل: اسماعيل العلوي، حسان بورقية، أحمد جاريد، أمينة المريني، ثريا ماجدولين، حسن نجمي، رقية المصدق، عبد الرفيع جواهري، عبد السلام طويل، عبد الغني أبو العزم، عبد الكريم جويطي، عبد الله ساعف، فتح الله ولعلو، فتيحة مرشيد، فريدة بليزيد، فؤاد بلامين، كمال عبد اللطيف، محمد الأشعري، محمد الصديقي، محمد مالكي، طالع السعود الأطلسي، محمد الناصري، نزهة الشقروني، وفاء العمراني، ويوسف فاضل.

ووجّه الموقّعون "تحية تقدير وتضامن إلى الأطر الطبية ونساء ورجال الصحة العامة، وإلى القوات المسلحة الملكية والأمن الوطني والإدارة الترابية، وكلّ الساهرين على تنفيذ القرارات المتخذة لمقاومة الوباء"، وأعلنوا مساهمتهم في "التبرعات الموجهة إلى الصندوق المخصص لتدبير وباء كورونا"، مناشدين "كل الكتاب والمفكرين والمبدعين المغاربة المساهمة في هذا المجهود الوطني من خلال التبرع للصندوق المحدَث لهذه الغاية".

وذكر الأكاديميون والفنانون والأدباء المغاربة الموقّعون أنّ "خطورة هذه المحنة التي نجتازها تدعونا إلى استحضار الروح الوطنية التي تحلَّينا بها دائماً، سواء في معركة التحرير أو في الدفاع عن الوحدة الترابية، أو في الكفاح من أجل الديمقراطية والحرية والعدالة"، مضيفين أنّ "استحضار هذه الروح الوطنية يقتضي منا جميعا أن نحرص على وحدتنا وتضامنِنَا، واعتبار مقاومة الوباء مسؤولية جماعية وفردية، وأولوية الأمة بأجمعها للحفاظ على حياة أفرادها وعلى سلامتهم الصحية".

وللحفاظ على حياة الأفراد وسلامتهم الصحية فإنّ الجميع مطالبون، حَسَبَ نصّ النّداء، بتوجيه التّضامن والمساندة إلى "كل فئات الشعب المغربي؛ وبالخصوص إلى تلك التي توجد بفعل الفقر والهشاشة والبطالة والسكن غير اللائق ضمن الفئات الأكثر عرضة لمخاطر الإصابة بالفيروس".

كما تحدّث النّداء عن إيمان موقّعيه بـ"وجوب تضامن دولي فعال في مواجهة وباء يخترق كل الحدود ويعبر كل القارات"، وإيمانهم بـ"قدرة العلم على تمكين البشرية من الحلول الصحية والاقتصادية والاجتماعية للخروج من نفق هذه الهزة العنيفة"، وعبّروا عن أملهم في "انبثاق رؤية جديدة إلى العالم بعد اجتياز الأزمة تقوم أساساً على احترام الحياة في الكوكب الذي نعيش فيه، وإنصاف الإنسان، وتمكينه من شروط العيش الكريم".

نحو مجتمع مغربي جديد

قال عبد الإله بلقزيز، أكاديمي من بين الموقّعين على النّداء، إنّ هذه المبادرة "ليست مستغرَبة من النّخب الفكرية والأدبية والإبداعية في المغرب، لأنها جزء أصيل من النسيج الاجتماعي الوطني، ويعنيها ما يعني كلّ فئات الشّعب المغربي".

ووضّح بلقزيز أنّ فكرة النّداء بدأت بين فئة صغيرة، وانتهت إلى توقيع خمس وأربعين شخصية عليه، بهدف واضح هو: "أوّلا اتخاذ قرار جماعي بالتبرّع المادّي لفائدة الصندوق الوطني الخاصّ بمكافحة وباء كورونا، على أن يقترن هذا التبرّع بإصدار نداء يناشد سائر المثقّفين والأدباء والمبدعين في المغرب تقديم مساهمتهم المادية وتبرّعاتهم لصالح صندوق مكافحة الوباء".

كما كان من أهداف النداء، وفق ما صرّح به عبد الإله بلقزيز لجريدة هسبريس الإلكترونية: "تسجيل ما ينبغي أن نسجّله من مكتسبات في إدارة المعركة مع هذا الوباء"، وأضاف: "من ذلك مثلا مطالبتنا العموم بالالتزام بالتّعليمات الصّادرة عن السّلطات الصحّية والسلطات الأمنية والإدارية بوجوب التزام البقاء في البيوت، وعدم مبارحتها تحت أيّ ظرف؛ لأن ذلك السّبيل الوحيد نحو الحدّ من انتشار هذا الفيروس القاتل".

وأبدى النداء أيضا، وفق المتحدّث، امتنان الموقّعين لـ"لإجراءات التي اتُّخِذَت في هذا المضمار، من قبيل إنزال القوّات المسلّحة الملكية، وقوات الأمن، وكلّ القوى التي تستطيع في إطار الإدارة الترابية أن تنفّذ التعليمات العليا للدّولة"، وتنويههم بـ"الجَهد الجبّار الذي تقوم به الأطقم الطبية في هذا المضمار، والتضحيات الكثيرة التي تقدّمها من أجل كسب هذه المعركة ضدّ الوباء".

واعتبر الموقّعون، حَسَب بلقزيز، هذه الوقفة التضامنية الجماعية التي يقفها الشّعب المغربي بفئاته الاجتماعية كافّة "لحظة تستأنف لحظات سابقة أبدت فيه الروح الوطنية والتّضامن الجمعي فاعلية في كسب المعارك الكبرى؛ منذ معركة نيل الاستقلال والتحرّر الوطني من نير الاحتلال الأجنبي، إلى معركة بناء الدولة الوطنية والبناء الديمقراطي".

كما استرسل عبد الإله بلقزيز قائلا إنّ المجموعة الموقِّعَة على النّداء تحسَب أنّ "تمتين أواصر هذه اللحمة الوطنية، وهذا التّضامن الجمعي في مواجهة هذه المحنة التي ألمّت بالبلاد" سوف تكون "مقدّمة نحو بناء مجتمع مغربي جديد ومفتوح قائم على الثّقة المتبادلة بين الدّولة والمجتمع بكلّ فئاته".

"لحظات عسر مملوءة بالأمل"

وفي قلب الأزمة التي أقعدت المغاربة في بيوتهم يذكّر سعيد بنسعيد العلوي، أكاديمي من بين الموقّعين على النّداء، بأنّ "الأزمات التي تعرفها كل دولة في العالم تكون مرحلة تنبيه للوعي بالذات"، وذكر أنّ ما دفعه للتّوقيع على هذه العريضة هو أنّ المغرب "أبان في الأزمة التي نعيشها عن شعور بالذات كذات"، وهو ما يذكّره بـ"طفولته وما عاشه من حماس بعد الاستقلال"، موردا: "شعرنا بأننا في بلد اسمه المغرب"، وما عاشه بشكل آخر مع المسيرة الخضراء سنة 1975، ثم ما يعيشه الآن.. "بصراحة، بكيفية أقوى وأعظم وأروع".

وذكر الأكاديمي بنبرة حماس: "اكتشف كل المغاربة، والمتحدّث من بينهم، شيئا عظيما وهو أن الدولة قويّة وحاضرة.. وكما يقول الفيلسوف هيغل 'تُمَثِّل حضور العقل في المجتمع'"؛ وقدّم مثالا على ذلك بوجود "قيادةِ حكيمة أزاحت كلّ الحسابات الاقتصادية جانبا، وطرحت سؤال الصّحّة أوّلا والإنسان أوّلا".

ومن أسباب التّوقيع كذلك، ما انتبه إليه المتحدّث من موقعه كـ"ملاحِظ لصدى المواطن من خلال انفعالاته في "فيسبوك" وغيره..."، من أنّ الدّين في المغرب، كما في العالم الإسلامي والعربي خاصّة، الذي "يخضع لمجموعة من الجهات التي تشوش عليه"، يلاحظ الآن في انطباعات المواطنين "رجوع إليه في نبعه الصافي".. و"لم يبق الأمر لتجّار الدين والمغامرين الذين يشكّكون في كلّ شيء ويصطادون في الماء العكر"، وهي خرافة انتهت و"غِشَاوة أولى تنقشع".

ثم يزيد بنسعيد العلوي: "والغشاوة الثانية التي تنقشع هي الخرافات التي تجعل الدين ضد العلم والدين ضد العقل. ولم أعد أجد في الإنترنت مثلا من يقول (سبّح ثلاثا وثلاثين وصلّ -من أجل...-) بأوراد الطرق التي تزرع الفتنة"، وهو ما قرأ فيه "رجوعا إلى الدين في صفائه، ورجوعا إلى الله".

كما لاحظ المتحدّث أنّ من بين ما يسم هذه المرحلة "ثقة في الدولة القويّة والحاضرة، وثقة في العقل والعلم، وشعور للمواطن بنفسه كمواطن، وروح مغربية مرحة (...) تمزج السخرية والنكتة وتستمدّ منهما الشجاعة، ولا تكتفي بالتجّهم"، ثم استرسل قائلا: "أحمد الله أني أعيش هذه اللحظات التي أرى فيها المغربي بهذا الحماس والاندماج كلّه، والدولة القوية والقيادة الحكيمة للملك محمّد السّادس، الذي نكتشف وجها آخر من أوجهه"، وزاد: "ربما لا نقدّر جميعنا أن يكون الملك قويّا وحازما وعاقلا، يحسّ بالمواطن، ويقول اتركوا الحسابات كلّها من أزمة اقتصادية وعملة…ويغلق الحدود، ويجعل كل شيء ثانويا أمام صحّة المواطن".

ويشدّد سعيد بنسعيد على أنّ ما نعيشه في بداية هذه الأزمة "لحظات عسر مملوءة بالأمل"، وهو أمل "نريده أن يقوّى، ونخرج من الأزمة بخير وعلى خير، أقوياء، فتتقوّى روح المواطنَة وتتقوّى الروح المدنية"؛ ثم عبّر عن أمله في أن تكون هذه المحطّة "بداية لانطلاق جديد، وروح للمواطنة"، يكون عندنا فيها "همٌّ ضيّعناه كثيرا اسمه الشأن العام، والمصالحة مع السياسة، والمصالحة مع الذّات، والمصالحة مع العقل، والمصالحة مع الدين، ومصالحة الإنسان مع نفسه".

"مغرب آخر سينبثق"

بدوره يرى مبارك ربيع، أكاديمي وروائي من موقّعي العريضة، أنّ "ما يجري في المغرب حاليا وما يقوم به المغاربة على جميع المستويات من أداء للواجب التضامني معروف في ثقافة المغاربة"، وزاد: "منذ الاستقلال إلى اليوم مرّت بنا عدد من المحطّات التي أظهر فيها الشعب المغربي تضامنه، بدءا بزلزال أكادير إلى أن نصل إلى اليوم".

ويرى المتحدّث أنّ الوقوف على هذه الجائحة يجب أن يكون على عدّة صور، وبالتالي فإنّ قيام مثقفين وأكاديميين وغيرهم بإشارة رمزية ليس محصورا في مجموعة، ولا هو آخر ما سيقع منها ومن غيرها، بل هو "واجب وطني له أسبقية على كلّ شيء".

وتذكّر مبارك ربيع في تصريحه لجريدة هسبريس الإلكترونية محطّات عديدة عبّر فيها المغاربة عن تضامنهم، "منها ما يتطلّب التّضحية بالمال، وما يتطلّب التضحية بالجهد والعمل والروح وكلّ شيء"، ثم استدرك قائلا: "إن للوضع الحالي استثناء خاصّا؛ لأن هذه الجائحة بقدر ما تصيب المغرب، لم يكن متوقّعا ولا حتى متخيلا أن تكون بهذا المستوى من الضرب في كل بقاع العالَم مرّة واحدة".

ويرى مبارك ربيع أنّ عالم ما بعد "كورونا" لن يبقى هو العالم كما كان قبلها؛ لأننا "أمام عدوّ للإنسانية جمعاء"، ستعرف معه "عدوّها الحقيقي" و"إلى أين يجب أن تتّجه الجهود"، و"ربما تستطيع أن تجد مشروعا أو رؤية لتجاوز التصورات التي حصلت في العالم منذ الحرب العالمية الثانية إلى الآن، وربما تنبثق الأمور عن تصوّرات أخرى وتنظيمات عالمية أخرى تكون ذات رؤية أوضح، وجوانب إنسانية واضحة تعمل على ما يجمعها كلَّها..."، رغم وجود بوادر تمنّى "ألا تصل إلى نتائجها"، من صراع يُرى اليوم "بين الأجنحة العالمية وتسابق وغيره...".

وأبرز الأكاديمي مدى أهمية التبرّعات التّضامنية في المغرب حاليا؛ لأن في هذه المحطّة توجد حاجة لأموال كثيرة جدا حتى تلملم الأزمة ويكون من الممكن تجاوز آثارها السيئة.

ويرى مبارك ربيع أنّ "المغرب الذي سينبثق عن الأزمة الحالية سيكون "مغربا آخر على جميع المستويات، وبخاصّة في التخطيطات الإستراتيجية ذات الأسبقية التي هي التعليم والصّحّة والتشغيل"، التي هي أمور "يجب أن تكون واضحة في إستراتيجية المغرب المقبل".