مؤلّف جماعي يتذكّر "الصقلي" مبدع النشيد الوطني

مؤلّف جماعي يتذكّر "الصقلي" مبدع النشيد الوطني

عرفانا لذكرى كاتب النشيد الوطني المغربي، الشاعر الراحل علي الصقلي، تصدر أسرة الفقيد بشراكة مع "نادي الأربعاء"، و"النادي الجرّاري"، و"جمعية رباط الفتح للتّنمية المستديمة، كتابا جماعيا جديدا أشرف عليه الأكاديمي مصطفى الجوهري تناول مسار الراحل.

الكتاب الذي حمل عنوان "في تأبين الشاعر الكبير مولاي علي الصقلي رحمه الله.. أبحاث وشهادات"، يتضمّن مجموعة من الشهادات التي قدّمت بمناسبة أربعينية الراحل التي احتضنتها المكتبة الوطنية للمملكة المغربية، إضافة إلى مقدّمة خطّها السفير السابق توفيق القباج، ومحطّات مختصرة من سيرة وإبداع الفقيد أعدّها الأكاديمي مصطفى الجوهري، ورسالة التعزية الملكية التي وجّهها الملك محمد السادس إلى أسرة الفقيد.

وأجمعت الشهادات المكتوبة على الحاجة إلى جمع أعمال الشاعر الراحل علي الصقلي حفظا لها من الضّياع، بما أنّ اسمه "أُس في تاريخ الشعر العربي في المرحلة المعاصرة من تاريخ المغرب"، وإرثه الشعري إرث للوطن، كما كتب الأكاديمي محمد احميدة، و"ترديد النشيد الوطني الذي كتب كلماته عنوان تفوّق يستحقّه الشاعر وإمارة شعريّة هو بها جديرٌ وحقيق"، كما كتبت الأكاديمية نجاة المريني.

وتذكّرت الشهادات ما جادت به قريحة الشاعر الراحل الذي خطّت أنامله "منبت الأحرار.. مشرق الأنوار.. منتدى السّؤدَدِ وحِماه..."، و"أمتي ماذا دهاها؟.. نبئوني ما عراها.. غيرها للعزّ يخطو.. وهْي للذّل خطاها.. العدى عاثوا فسادا.. وهمو شر عداها.. إن من خان بلدي.. خان يا قوم الإلها"، و"ليتني إذ أموتُ أبعَث حيّا.. بجميل التّذكار لا منسيّا".

ويبدأ الكتاب برسالة التعزية التي وجّهها الملك محمّد السادس إلى أسرة الفقيد معبّرا فيها عن "أحر التعازي وصادق المواساة في فقدان رائد من روّاد الأدب المغربي الحديث، مبدع النّشيد الوطني المغربي الذي أثرى المكتبة الوطنية بإبداعات شعرية وروائية متميّزة حظي بعضها بجوائز تقديرية عالية وطنيا وعربيا".

وقدّم هذا المؤلّف الجديد السفير توفيق القباج، الذي تحدّث عمّا تركه الفقيد من "إنتاج فكري وعاطفي، وجميل القصائد الزاخرة بالمقاصد الفكرية، والعاطفة الساحرة، ومسرحياته المتميّزة بالدّقّة، وبالتمكّن من سبك الأحداث التاريخية، والوطنية وغيرها في سرد مشوّق وهادف، ومساجلات مشعبة بفكر ثاقب، وعلم دافق، وعاطفة صادقة جياشة".

وقال القباج إنّ علي الصقلي "ترك لنا ولوطنه الذي ضحّى من أجله في أحلك الأوقات بالنفس والنفيس ملحمة النّشيد الوطني الذي أضفى عليه، في أبيات شعرية هادفة ومؤثّرة، حلّة جديدة تذكي في النفوس الحماس، والإيمان والغيرة على الوطن".

وأضاف أنّ "الكتاب عمل حرص أساتذة وأدباء وشعراء على إصداره بمساعدة ثمينة ومشكورة من جمعية رباط الفتح العتيدة، فظهر للوجود ليضمّ بين ثناياه ما لهجت به ألسنة محبّيه في ذكر أخلاقه العالية، وسيرته المثالية، وتميّزه بالحبّ الصّادق، والوفاء الخالص لأصدقائه وأحبّائه، والبرور بأسرته، وتربية ابنه وبناته تربية صالحة، وحرصه على أن يأخذ فلذات كبده قسطا وافرا من العلم والثّقافة".

وتذكّر السفير ما شكّله الموعد الثقافي "نادي الأربعاء" الذي بادر الرّاحل بتأسيسِه من ملتقى رحب ومرتع سام تتهادى فيه نفحات من الشعر الرصين، ومن الأدب الحصيف.

كما ذكر أنّ علي الصقلي "ولج مضمار الشعر المسرحي وحاول التألق فيه، فأبدع العديد من المسرحيات التاريخية والعاطفية والأدبية"، موردا أنّ عمله يحتاج "مزيدا من البحث والتّحليل والتطرّق لكافّة إنتاجاته المطبوعة وغير المطبوعة"، معتبرا أن علي الصقلي يكفيه فخرا أنّ "ذكره يصدح في كلّ يوم وفي كلّ مكان، خاصّة حينما ترتفع أصوات الجماهير مرتلة، بحماس وإخلاص، نشيدنا الوطني".

وكتب عميد الأدب المغربي عباس الجراري أنّ الفقيد "علم بارز من أعلام التربية والتعليم ومن أقطاب الفكر والأدب، ورجل لم ينقطع عمله الذي قدّمه على امتداد عقود وأجيال، ولن ينقطع بإذن الله بعد وفاته، طالما أنّه عمل أسّسه على القيم الوطنية والمقوّمات الثقافية وسائر مكوّنات هويتنا المغربية العربية والإسلامية، بدءا من اللغة والدين والمعرفة".

كما ذكر الجراري أنّ علي الصقلي "تميز بالقول في جميع الأغراض التي كانت متداولة وما تزال من رثاء ومدح ووصف ووطنيات وسجالات وإخوانيات"، وتميّز فيها جميعها بـ"لغته الحلوة وبإيقاعاته المطربة وصوره الجميلة وبكل الأدوات التي كان يمتلك التحكم فيها بروعة ومهارة ورصانة"، وأضاف أنّه "كان يتطلع إلى تجاوز هذا بالسعي إلى تطوير إبداعه وتجديده من خلال الشعر المسرحي، والأناشيد الوطنية، وشعر الأطفال"، وبتخمِيس وتشطير قصائد مشرقية.

بدوره، قال السفير أحمد الإدريسي إنّ مما يكفي الصقلي فخرا واعتزازا أنّه كان سنة 1944 وعمره دون الخامسة عشر، من بين المشاركين داخل جامع القرويّين في مظاهرات الوطنيّين المناضلين من أجل استقلال المغرب، بل وكان من بين الخطباء الذين تعاقبوا على منبر الخطابة لإلقاء كلمات وقصائد حماسية، وكان أصغر أساتذة القرويّين بعدما درس بها، ثمّ عينه الملك محمد الخامس عضوا في الديوان الملكي في سنة 1956 بصفته رئيسا لقسم التّحرير، قبل أن يبدع في سنة 1969 كلمات النشيد الذي صار منذ ذلك الحين نشيدا وطنيا رسميا للمملكة المغربية.

من جانبه، كتب عبد الكريم بناني، رئيس جمعية رباط الفتح، أنّ المغرب فقد برحيل علي الصقلي أحد أعمدته المعاصرين في ميدان الأدب والفكر وأحد ألمع علمائه وشعرائه، وقال: "رحل راضيا مرضيا بعدما بصم الساحة الأدبية المغربية والعربية بطابعه المتفرّد في نظم الشعر وكتابة الرواية والقصة والمسرحية، بأسلوب يفيض عذوبة وجمالا وبلغة بليغة مؤثّرة وببراعة فكرية أنيقة يستلهمها من الجمال والحبّ والحياة وهموم النّاس، وسجلّ حافل جامع من الإبداع الفيّاض وفنّ السّرد السّحري الأخّاذ وملكة تطويع اللغة لتبلِيغ المعنى".

وكتب الأكاديمي مصطفى الجوهري عن إخلاص الشاعر علي الصقلي للقصيدة العمودية، وقال: "هو من شعراء المغرب الكبار، ممن ينتمون إلى الجيل الثاني من الشعراء وإن عايش الجيل الأوّل، خاصّة من خريجي جامعة القرويين".

كما كتب عن الجوانب التي لمع فيها الفقيد في القصائد الوطنية، والمسرح الذي يستقرئ التاريخ الحضاري ويطوّعه إلى شعر رفيع، وعن إبداعه للملاحم الغنائية.

وتحدّث الجوهري عن تطعيم الصقلي ثقافته بالتحصيل والتكوين الذّاتي مواكبة للنّهضة الحديثة، وقال: "الحقّ أن الجميع يشهد للشاعر عبقريّته وتفوّقه المتميّز وذكاءه الحادّ وصوته المرتفع في طرح رسالة الوطن والوطنية بتفاعل وانفعال ونباهة صادقة، وهو ما تعكسه أعماله الإبداعية الرفيعة معنى ومبنى ولغة وفكرا".

ورأت الأكاديمية نجاة المريني أنّه بوفاة الشاعر علي الصقلي، "فقد الوطن هرما شامخا وصوتا نديّا وقلما أنيقا في سوق الثقافة والفكر والأدب والشعر في لحظة قاسية لم يعد يجدي معها غير الذّكر الطيب الحسن، وغير الترحّم عليه والدّعوات له بالمغفرة والإحسان".

وزادت المريني أنّ رصيد الصقلي من العطاء المتميّز شعرا ونثرا كبيرٌ، مذكّرة بنيل دواوينه الشعرية الطّفولية جائزة الملك فيصل العالمية، وكتابته الأشعار الوطنية منذ شبابه المبكّر وعنايته بتاريخ المغرب في مسرحيات شعرية، وقالت: "لعلّ أهمّ مسرحيّة شعرية كتبها للأطفال: الكعبة تتحدّث عن نفسها، ولعلّ وزارة التربية الوطنية تهتدي لطبع هذا المنجز الشّعريّ المتميّز ليكون غذاء روحيا للأطفال في المرحلة الابتدائية والإعدادية".

وذكّرت الأكاديمية المغربية بأنّ أكثر دواوين الفقيد مرقونة لم تر النّور بعد وما تزال محفوظة في ملفّات خاصّة، بعدما "عزف عن طبع دواوينه التي بلغت الأربعين ديوانا"، لأن "سوق الشّعر المغربي هزيلة، وما يُطبَع مما يسمّيه أصحابه شعرا، ويحتفى بذلك، لا يغريه بطبع دواوينه، فهو يرضي ذائقته الشّعريّة بما ينسج من قصائد وما يبدعه من تحف شعرية كلّما اندلق على لسانه ما يطاوع قلمه على تسجيله".

في حين وصف الأكاديمي محمد احميدة الراحل علي الصقلي بكونه شاعرا مغربيا كبيرا توّجَه عميد الأدب المغربي عباس الجراري أميرا للشّعراء، "وهو كذلك بحقّ وجدارة".

كما وصفه بـ"الشاعر صاحب الرسالة" التي هي "الدعوة إلى نصرة الحقّ"، وأنّه "عدوّ الظّلم بجميع أنواعه وأشكاله". وعدّد ثلاثة أوجه تدلّ على ذلك، هي: دفاعه عن القضية الفلسطينية، ودفاعه عن اللغة العربية التي رآها مهمّشة، ودفاعه عن الشّعر الأصيل وتصدّيه لكلّ يد تمتدّ لإفساده.