"سكاكين مشحوذة" تفرغ الأحقاد من أمعاء عائلة برجوازية متحضرة

"سكاكين مشحوذة" تفرغ الأحقاد من أمعاء عائلة برجوازية متحضرة

ليلة عيد ميلاده الخامس والثمانين يموت كاتب روايات بوليسية شهير. تم ربط لحظة الموت بلحظة الميلاد. روائي عظيم يموت أو يقتل. ما معيار العظمة؟ ترجم لثلاثين لغة وباع 81 مليون نسخة عبر العالم.. كان يكتب عن الجرائم والتحقيق فيها فصارت جثته موضوعا للتحقيق.. انقلبت عليه مهنته.

هكذا تتضح خصائص النوع الفيلمي؛ فيلم بوليسي هو فيلم حبكة أساسا. الحدث هو المهم، ويبدأ بمرحلة بناء اللغز. هذا ليس حرقا لقصة الفيلم بل ترتيبا للإشارات الواردة في الوصلة الدعائية لفيلم À COUTEAUX TIRÉS لراين جونسون، والذي تم عرضه في افتتاح الدورة الثامنة عشرة من المهرجان الدولي للفيلم بمراكش. وجونسون هو مخرج الطبعة الثامنة من السلسلة السينمائية ستار وارز 2017 STAR WARS - LES DERNIERS JEDI وقد رسخ اسمه في هوليود (حقق الفيلم أكثر 1300 مليون دولار).

وصار بإمكان جونسون أن يحاول شيئا جديدا، أن يحاول الانتقال من تصوير أفلام الملاهي الباهظة حسب تعبير مارتن سكورسيزي إلى تصوير أفلام فيها بشر يحاولون نقل تجارب عاطفية ونفسية إلى أناس آخرين.

لعرض هذه التجارب اعتمد المخرج راين جونسون كاستينغ على وجوه جد مختلفة الملامح، يحمي تعددها من الملل. لكل واحد من أبناء الروائي وجه جد مختلف عن الآخر، وكأنهم ليسوا إخوة.

جرى تصوير الأبناء في كادر ثابت مقرب جالسين على كرسي عال أثناء التحقيق معهم كما في محكمة. يبدو الفيلم كفصول تتناول كل ابن على حدة، ثم يشْبك المخرج الشخصيات في ما بينها. النتيجة أن النصف الثاني من الفيلم أكثر تشويقا لأن موضوع النزاع صار واضحا تماما، وصار المهددون بالخسارة كثيرين، وقد كشروا عن ألسنتهم وسكاكينهم..

بينما يصرخون للحصول على نصيبهم في الإرث يبحث المحقق عن المجرم، يجري حوارات طويلة ويجمع معطيات لصياغة فرضية واتهام، حوارات تخرج منها خيوط تتشابك وتكشف ما جرى. لذلك يضرب المحقق أفراد العائلة بعضهم ببعض ويجني وشايات متبادلة، وذلك في حوارات دقيقة تكشف ما في أمعاء العائلة من أحقاد أثناء معركة على ثروة مشكوك في مصيرها.

الفيلم حواري أكثر منه سينما للعين.. فيلم يغلب فيه الحوار على الصورة السينمائية. فرغم التصوير في فضاء مزدحم بالأيقونات والتماثيل في معمار قروسطي بنوافذ مستطيلة عالية فإن جودة الديكور لا تغني عن ضرورة الحركة في الحكي.

نكتشف منزل الكاتب مع تقدم الأحداث. يخبر ديكور البيت عن الثقافة البصرية للكاتب البوليسي. معمار عريق، قروسطي فيه مسارب وسلالم ودهاليز؛ وبذلك تعمق طبوغرافية المكان غموض الأحداث. للمكان أكثر من مَخرج، وهذا يعقد عمل الكاميرات والمراقبة بالعين المجردة. هنيئا للمجرم.

لذلك يعلن المحقق أنه أمام كومة من العقد، وهو بذلك يحلل مهنته سرديا.. محقق صبور في حبكة بوليسية مشبعة بالأسرار. حين يبحث المحقق عن حل للعقدة يتضح له أن في الحبكة ثقب في الوسط كما في الكعكة. مهمة المحقق أن يجد حلا للغز ليملأ الوسط فتصير الكعكة مملوءة كخبزة.

ليست هذه أول مرة يفكر فيلم في سرده بلغة وصفات الطبخ. يفهم الجمهور الحوارات جيدا حين تستعين بمعجم الأكل.

يتزامن حل الحبكات الفرعية مع التنقل في القصر القديم لاقتفاء آثار المجرم. مع كل نقلة يظهر معمار عريق تضيئه نوافذ مستطيلة عالية تمكن المخرج من استخدام الضوء الخارجي ليضيء عتمة شخصياته؛ وهذا ما أعطى للمعمار قيمة كبيرة. أحيانا يأتي الضوء من الخارج شديدا فيعمي الكاميرا التي توجد في الداخل والنتيجة أن وجوه الشخصيات تبقى مبهمة مثل وساوسها وأطماعها.

يتطلب فيلم التحقيق البوليسي الكثير من الألغاز والغموض المهيكل الذي ينبغي كشفه على مراحل. غموض مهيكل أي قابل لحل مفهوم تدريجيا وفق معيار التلقي، وبذلك يمكن المتفرج من الفهم بغرض استدراجه هو أيضا للبحث عن المجرم؛ فقطعة الخشب التي كسرت في بداية الفيلم وألقيت في الهامش صارت وسيلة لتفسير حدث مهم.

يساعد الفلاش باك على ربط السابق باللاحق. ويعتبر الفلاش باك شرطا للتحقيق البوليسي الذي يجري بعد الجريمة ويستعيد ما قبلها. فلاش باك لتغطية ما ينقص ومفاجأة المتفرج بما لم ينتبه له، وهذا يبرر يكسر خطية السرد.

يغلب التصوير الداخلي على الفيلم، ما أضعف حركة الكاميرا وعمق المشاهد. لذلك ولملء الفراغات في الفرجة اشتغل المخرج طويلا على الحوارات الساخرة وعلى وتنوع وجوه الشخصيات وأمزجتها لخلق الفرجة. مثلا لدى صاحبة القلب الطيب رد فعل بيولوجي على الأكاذيب التي تبلعها مرغمة.

الفيلم درس في كتابة الحوار للأفلام السينمائية..فيلم يكشف مدى قدرة الطماع على الكذب على الأب وعلى الذات. كيف هي علاقة البشر بالنقود؟ النقود تذل البشر.

حين اكتشف الأب حجم ذل أبنائه قام بنقد ذاتي مرير واعترف بأنه دلل أولاده ليبقوا تحت سيطرته وقرر تصحيح الوضع. ومن هنا جاءت الكارثة.

في الفيلم يهزمُ القلب الطيبُ البريءُ الإخوة الورثة الحقودين المجرمين الجشعين...يحمل صراع الإخوة صدى من "الأخوة كرامازوف" لدوستويفسكي.

في الفيلم موت ولغز وسكاكين مزيفة كما في الأفلام.. فيه صورة مريعة لعائلة برجوازية متحضرة.. فيلم يجمع المعمار والنحت والرسم والرواية والتحقيق البوليسي. هكذا هضمت وقطعت السينما في قرن كل الطريق الذي قطعه السرد وباقي الفنون في أربعة آلاف عام. والنتيجة حسب إريك هوبزباوم "صار الفيلم السينمائي والفنون البصرية المشتقة منه هو الفن المركزي في القرن العشرين"، فن مركزي يكشف لتجارب العاطفية والنفسية للبشر، في القرن الماضي وفي كل القرون القادمة.