فيلم "سقوط الرئيس الملاك" .. هوليوود تدق طبول "الحرب الباردة"

فيلم "سقوط الرئيس الملاك" .. هوليوود تدق طبول "الحرب الباردة"

روسيا تستبيح أمريكا في فيلم "سقوط الرئيس الملاك" Angel Has Fallen (غشت 2019 للمخرج ريك رومان ووغ). فيلم دعائي يُسخن مشاعر الوطنية الأمريكية بتهديدات عودة الحرب الباردة من خلال أب وطني شارك في الحرب الكورية وابن يحارب المافيا الروسية.

يهاجم الفيلم اللحظة التاريخية ويستثمر معارف المتفرج التي تلقاها من وسائل الإعلام ويبني عليها. وهذا يحرر المخرج من ضرر المقدمات، ومن ثقل شرح السياق (أسباب النزول). منذ ثلاث سنوات والجدل يجري حول تدخل روسيا في شؤون الولايات المتحدة الأمريكية.

هذا فيلم قشرته سياسية وجوهره تشويقي. لنرى كيف طبق المخرج الخطاطة السردية في فيلمه؟

في الوضعية البدئية زرع المخرج ديكورا وحدد سياقا. رئيس أمريكي (أداء مورغان فريمان) يحب الحياة خارج العاصمة ويحترم مساعديه. رئيس مسالم ملاك (عنوان الفيلم بالإنجليزية Angel Has Fallen). كل شيء بخير.

في المحطة الثانية، مرحلة الانزياح عن العادي وبناء اللغز وقعت إساءة وصار البطل (جيرار باتلر) فجأة في ورطة، وقد نجح في تحقيق الهدف الأسمى مرحليا، لكن الخسارة فادحة، وصار متهما.

في المحطة الثالثة والأهم، تعقدت الأحداث لأن الرئيس المسالم خلق مشكلة غير مقصودة لجهة مجهولة. مشكلة ترتب عنها نزاع مع خصم غير شريف. كان ذلك سبب خرق الحياة العادية المسالمة وإعلان الحرب على البطل، وهو مساعد الرئيس. من سيكسب الحرب؟

كانت ذروة الفيلم هي انكشاف الأوراق والدخول في مواجهة مباشرة لإبادة الخصم مهما كان الثمن.

انطلقت مطاردة وتشويق على خلفية سياسية لأن أقرب رجل للرئيس صار عميلا وتورط في خطة جهنمية. مطاردات كثيرة يتخفى خلالها البطل في أمكنة ذات طبوغرافية تسهل عليه تضليل مطارديه. مع تقدم الفيلم تتشابك خيوط الحبكة وصار البطل مطاردا من طرف جهتين: جهة كان يعمل لها، وجهة تريده عميلا لها.

صارت المطاردة مزدوجة لأن الجائزة كبيرة. ثم ظهر سر، تم اكتشاف متورط لم يكن في الحسبان. لقد جند العدو الروسي عميلا وحليفا له في قلب السلطة الأمريكية. عميل حضّر خطة جهنمية أظهرت حجم الخراب الذي سببه عملاء روسيا لأمريكا. لأن الوطن مهدد يهيمن اللون الرمادي الكئيب على اللقطات.

انكشف الشرير، لكن الرئيس في وضع صعب، لذلك يبقى اللغز مغلقا. الرئيس هو الشخصية التي تحمل المصباح لتضيء طريق الحكاية. في انتظار إضاءة ذلك المصباح تستمر المطاردات. ولتضليل المطاردين نقل البطل المطاردة إلى أمكنة يتعطل فيها مفعول تكنولوجيا التجسس. وهنا تنبثق حبكة صغرى فرعية لأنف في مكان المطاردة التقى البطل بأبيه المنقطع عن حياة العولمة، أب هرم حارب في كوريا وفيتنام، يحمل في روحه كل نقط صدام الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. هكذا فالفيلم تمديد لأجواء الحرب الباردة التي كانت بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي قبل سقوط جدار برلين سنة 1989. هكذا أوجز المخرج سوابق تاريخية لفضيحة تدخل روسيا في انتخاب دونالد ترامب في نهاية 2016.

يعتبر السياق الجيوسياسي مهما لفهم الفيلم. تقول الباحثة ليليا شيفوتسوفا في كتابها "روسيا بوتين" إن الرئيس الروسي، وبهدف توجيه الأنظار عن الأزمة الداخلية، يركز على السياسة الخارجية الاستفزازية لأنه يدرك أن روسيا لا تكون مهمة بالنسبة لأمريكا إلا حين تكون خطرة. وهكذا شرع بوتين في التقرب من الصين والضغط على جورجيا وأوكرانيا والتعاون نوويا مع إيران. وبذلك اعترف لبوتين بأنه لاعب دولي. وبدا كأن الحرب الباردة بدأت من جديد. والنتيجة جيدة: زاد اهتمام الرئيس الأمريكي بفلادمير بوتين وصارا صديقين ضد الإرهاب. صداقة العدو لتهدئته.

في الفيلم صار الأمر أخطر ووصل إلى محاولة الإطاحة برئيس أمريكا خدمة لأجندة مافيات روسية تكسب من دوام الحرب الباردة لأن كل حرب هي جائزة لبائع السلاح. انكشف المتصارعان في الفيلم، في هذا الوضع ينتهي كل اختبار بقاتل أو مقتول. نتيجة الاختبارات هي كشف الحقيقة. وبينما الصراع على أشده تحسنت صحة الرئيس. وكانت هذه هي المحطة الرابعة التي ستضيء طريق الحبكة. هنا سينبعث البطل.

يقدم المخرج معلومات قليلة عن صراع روسيا وأمريكا لتجنب الملل، بينما يقصف المتفرجَ بلقطات قصيرة طيلة ساعتين، لقطات فيها صور أشبه بلوحات تترافق مع صوت تحضير الأسلحة قبل إطلاق الرصاص... لقطات أشبه بلوحات مشتعلة.

لا يصدق الإنسان إلا ما تراه عينه، لذلك تتفوق السينما على باقي الفنون. ففي شاشة من اثني عشر مربعا تحصل العين على إشباع هائل بفضل كادرات كبيرة تقرب المتفرج من التفاصيل. في فيلم بميزانية ضخمة لا جدوى من الحديث عن جودة الصورة. أداء فريمان وباتلر مؤثر، أما أداء المحققة (جادة بانكيث سميث) فغير مقنع.

المحطة الخامسة في الحبكة هي أن البطل المتهم، الذي تعرض لمخاطر استثنائية، أثبت في النهاية براءته ونجح في زرع الأمل في الوطن، في أمريكا أرض الأحلام.

يريد المتفرج أن يكون بطله سعيدا في النهاية كما كان سعيدا في البداية. وقد حقق له المخرج ذلك وقدم له نتيجة الاختبار: الضابط الأمريكي قوي فعال لا يهزم وولاؤه للوطن مطلق وراسخ. حتى ولاؤه للعائلة راسخ، وهو يستعيد أسرته ووالده المصاب في عينه كأنه يعقوب حين استعاد يوسف.

لقد تمكن البطل من إصلاح ما يسميه منظر السرديات الروسي فلادمير بروب "الإساءة البدئية". صار الشر الروسي تحت السيطرة، واتضح أن رجال الرئيس أقوياء وطنيون أقحاح. وفي هذا دعاية هوليودية هائلة تقصف القلوب قبل العقول بصور الفن السابع.