حضور الناقد تصوير أفلام السينما .. العمل الميداني أبلغ من النية

حضور الناقد تصوير أفلام السينما .. العمل الميداني أبلغ من النية

يتعرف الناقد على ممارسات وتعقيدات الميدان ويستأنس بها، يربط الفكر بالممارسة. "إن الفعل (l’action) متفوق على الإدراك العقلي والفكر الإدراكي النظري"؛ موسوعة لالاند. ص 479. يعيش الناقد جدلية النظرية والممارسة، الممارسة تخلق الفكر، الفكر عصارة الممارسة. لقد تجاوز ماركس الفلاسفة لأنه كان يمارس فلسفته (البراكسيس) في منظمة الأممية الأولى في لندن عام 1864.

يقف الناقد على حيثيات صناعة الصّلصة السينمائية قبل أن يعلق عليها عند تناولها أثناء العرض. الانخراط في الممارسة يشفي من التنظير المتعالي ومن إطلاق الأحكام العمومية. سيتخلص الناقد من يقين التأثيرات السارترية والماركسية... في قراءة الأفلام. سيتخلص من أثر الأسلوب الأدبي وما يعشش فيه من استطراد وبلاغة واستعارة وسجع وجناس.

يعلم ماركيز كاتب السيناريو كيف يهيئ ضربة مؤثرة؟ حضور التصوير سيسمح للناقد أن يرى كيف يطبخ المخرج ضربته هو أيضا.

يكتشف الناقد علاقة الصدفة والارتجال بالإبداع. فأثناء التصوير تقع صدف كثيرة، تظهر تفاصيل قد تقوي الفيلم وقد تضعفه. عندما يكون المخرج ضعيف الثقافة تجره بعض الصدف بعيدا عن فيلمه. عندما يكون مثقفا حاضر البديهة مُلمّا بموضوعه متعمقا فيه تفتح له الصّدف آفاقا جديدة.

حضور البديهة وانتهاز الصدف في الفن هو ما يجنيه المخرج بعد أن يكون بالطبع قد بذل مائة بالمائة من الجهد.

يحرر الناقد ما تلتقطه العين، يرصف الكلمات بينما المخرج يكتب بحبر الضوء الذي تلتقطه الكاميرا. ما يجري في الجماجم لا تلتقطه الكاميرا. هكذا على الناقد أن يعي ويتعلم عبور الهوة بين اللغوي والمرئي. أن يستوعب الفارق بين التفكير بالصورة والتفكير باللغة. اللغة عائق يبلبل ويهدم. الصورة جسر لا يبلبل. كيف ذلك؟

لغة النحل حركات لا أصوات، السينما كذلك.

فحسب بحث في الأنظمة السيميائية وتفكيك العلامة المرئية من إنجاز مجموعة مو في مركز الدراسات الشعرية التابع لجامعة لييج في بلجيكا، فإن "الأنظمة السيميائية ورغم كثافة معلوماتها تبقى أقل تشفيرا من اللغة". ونتيجة لقلة التشفير يزيد كمّ المعلومات التي يتلقاها المتفرج من الوسيط المرئي الذي يقدم للعين سبعة أضعاف المعلومات التي تقدمها اللغة للأذن (مجموعة مو "بحث في العلامة المرئية من أجل بلاغة الصورة" ترجمة سمر محمد سعد، المنظمة العربية للترجمة، بيروت 2012. ص 81).

نتيجة لهذا الاكتشاف المزلزل يجب أن يكون نص السيناريو أكثر سمكا وكثافة من النص الموجه للقراءة (سبع مرات) لكي لا يهيمن الخواء على اللقطة، وهكذا يدرك الناقد الذي حضر التصوير تعقيدات اللغة السينماتوغرافية. هناك فرق هائل بين التواصل اللساني والمرئي. وقد يندهش الناقد من أن الكثير من مصوري الأفلام لا يدركون هذا الفارق.

سيتعلم الناقد الفني الكثير إذا حضر ورشات الرسم حيث يحل الرمز مكان اللغة، سيكتشف الناقد مثلا أنه لا يعرف الدائرة اللونية ودلالاتها. يقول غوستاف فلوبير: "على الكاتب أن يفتح عينيه مثل الرسام". يجب على الناقد أن يفتح عينه مثل المخرج. سيتعلم أن يحلل كسينمائي.

يقتنع الناقد بأنه بدل أن يشتغل منزويا في مكتب مستمتعا بعزلته، يصبح مجبرا على الوقوف أكثر من عشر ساعات وسط أشخاص قد لا يرتاح إلى بعضهم لكنه ملزم بالتعاون معهم.

ما الذي ينتجه لنا النقد والتفلسف؟ ينتجان التجريد والتعميم والمفهمة. ما الذي ينتجه لنا الفن؟ ينتج التجربة. إنه يعانق المعيش الحسي المضمر لا التحليل التقريري المبرهن عليه.

هناك فرق بين الناقد الذي يحضر التصوير ويختلط بالسباحين والناقد المتمترس في مكتبه أو الواقف على الشاطئ وينصح السباحين دون أن يتبلل في البراكسيس.

لقد سبق لهنري كيسنجر أن قارن بين المحلل والسياسي. الفيلسوف يحلل، بينما السياسي يبني، الأول ينتقي المشكلة التي سيحللها ويقرر متى سينهض لدراستها، أما المخرج فهو كالسياسي يبني تحت ضغط الزمن، يواجه المشكلة هنا والآن في ظروف لا ترحم. المخرج منشغل بتدبير ضرورات اللحظة، تحت وطأة أجندة وميزانية لا ترحم. في هذه الظروف يكتشف الناقد أن المخرج العصبي الذي يفتقد الكاريزما يفشل في إدارة الضغوط، ولن يستخرج شيئا من فريق التصوير والتمثيل.

على الناقد أن يحضر التصوير كناقد لا كملحق إعلامي لشركة الإنتاج، لذا لا بد من التمييز بين الناقد السينمائي والملحق الإعلامي. حين يُعين الناقد السينمائي ملحقا إعلاميا لشركة إنتاج بصدد فيلم ما يجب عليه أخلاقيا أن يذكر ذلك. أما أن يكتب عن الفيلم كأنه لم يغمس في صحن المنتج فهذا نصب.

قبل توجيه نقد شديد شامل لأفلام بلده، يجدر بالناقد أن يتبين الفرق بين التصوير منذ ثلاثين سنة والتصوير بتكنولوجيا حديثة، بين المونتاج على المافيولا (آلة المونتاج القرن الماضي) وبين المونتاج الرقمي.

يجعل الميدانُ الناقد يكتشف ما إذا كان الكاستينغ ملائما للدور أم إنه كاستينغ عائلي كومبرادوري يتصرف فيه المخرج كزوج أو كعاشق أو كتاجر. يمكن لعلاقة عاطفية أن تكون مفيدة للفيلم في نصفه الأول، لكن حين يخترق التوتر تلك العلاقة تتضرر أجواء التصوير.

يكتشف الناقد خطر أن يكون المخرج منتجا أيضا. يناقش التقطيع ثم يأتي من يسأله عن شراء الطعام. المخرج الذي يتصرف كمنتج، الذي تتنازعه وساوس الربح يفكر كيف يقلل التكاليف أكثر مما يهمه نقاء صوره وغناها. في هذه الظروف سيكتشف الناقد الفرق بين نوايا المخرج المعلنة وبين ما يحصل عليه من التصوير.

في السينما العمل الميداني أبلغ من النية.