جِـدَارية ضخمة بفاس تُعِـيدُ "حَـرّْبَـا" إلى زمن الألوان

جِـدَارية ضخمة بفاس تُعِـيدُ "حَـرّْبَـا" إلى زمن الألوان

جدارية كبيرة مُنتصبَة في شارع "الوَفاء" بفاس على عُـلوّ عِمارَة من أربعة طوابق تحيي "حَـرّْبَا" في ذاكرة عُـشاقه ومُحبّيه، هذا الفتى الشديد السُّمرَة والقادم من تخوم الصحراء اشتهر كفنان كوميدي أصيل عرفته مدينة فاس وظل قريبا من جمهوره، يقاسم الناس قضاياهم وهمومهم اليومية.

اللوحة الجميلة رسمت في إطار "الملتقى الثاني لفنون الجدار"، الذي نظمته مقاطعة سايس. وقد تركت انطباعا حسنا لدى كل من شاهدها من ساكنة المدينة، فكرتها اقترحها الأستاذ امحمد بنكيران، كما صرّح هو نفسه، بصفته مديرا لهذا الملتقى، بالاتفاق مع مجموعة من الفنانين قاموا بإنجازها طيلة شهر كامل من العمل.

ومن حسنات هذه اللوحة، كذلك، أنها تخلد لاسم فكاهي جاء سهوًا من منطقة تافيلالت، هي المعروفة بجدّية سكانها وصبرهم وصلابتهم، قادته الصُّدفة وظروف العيش إلى أن يتربع على عرش الكوميديا الساخرة ويصبح واحدًا من أشهر من أضحكوا ساكنة العاصمة العلمية لسنوات، بل أجيالا بكاملها على مدى عقود عديدة بدءًا من خمسينيات القرن الماضي.

يقول الرّاوي أن "حَـرّْبَـا" قَـدِم إلى فاس صُحْبَة أحد أفراد بلدته بحثا عن عمل، لكن طال بهما المقام في أحد فنادق "أبي الجنود" المتواضعة دون جدوى. وفي أحد الصباحات، سيكتشف أن صاحبه قد اختفى وبمعيّته ما تبقى من نقود، وعليه أن يتدبَّـر ثمن تذكرة الحافلة التي ستعيده إلى "قَصْـر السّوق". وبما أنه متأكد من امتلاكه مَوْهبة إضحاك الناس، فكر في جمع مبلغ من المال قصد الرجوع إلى بلدته الصحراوية التي لا يُعرف عنها شيئا، وكأن الناس بجميع أطيافهم، من مثقفين وغيرهم، لم يكن يهمُّهم من "حَـرّْبَـا" غير ضحِكِـه، وبالتالي كل ما دُوِّنَ عن شخصية "حَرّْبَا" فيه كثير من التضاربات والتناقضات ولا يخلو أيضا من غُموض؛ لكن حصل في المُقابل إجماع حول كونه شخصية كوميدية استثنائية في تاريخ فاس، وسيكتب التاريخ له مَسارًا مُختلفا.

ومن المفارقات وغَـرائب الصُّـدف أن "حَـرّْبَا"، الذي طال به المَقام بعاصمة المولى إدريس الثاني فُـكاهيا ومَسرحيا كوميديا شهيرا، سيموت فيها فقيرا مُنعزلا ونكرة نسيًا منسيًّا.

هذا الكوميدي الساخر بالفِطرة لم يكن يعرف شيئا اسمه المسرح أو الرّكح ولا الكوميديا السَّوداء، وربما يكون قد سبق المخرج الأمريكي ستانلي كوبريك في ذلك؛ لكن دون أن يعترف به أحد من النقاد محليا أو عالميا غير جمهوره المخلص لـ"حَـلقته"، كل ما كان يعرفه أمكنة مُغبرّة بذاتها في فاس العتيقة، هو القادم من "قصر السّوق" التي تحول اسمها فيما بعد إلى الرّاشيدية، مثل: "باب الماكينة" أو "ساحة أبي الجنود" الشهيرتين واللتين كانت تتمركز فيهما جلُّ أنشطته ويقدم فيهما أفكاره ومواضيعه حول الحياة وتقلباتها والعلاقات بين الناس والصراع الطبقي والاجتماعي، الظاهر منه والخفي، بصورة كوميدية ساخرة تطيح بالناس ضحكا. وقد كان من المُمكن أن تكون هاتان السّاحتان في توهُّـج ساحة "جامع الفنا" بمراكش مثلا أو "ساحة الهْـديم" بمكناس بشكل أقل؛ لكن أهل الحال أرادوا لهما مسارا مختلفا، مثل حال المدينة نفسها التي تحتضنهما.

"حَـرّْبَـا" قيلت حوله أساطير وحكايات كثيرة؛ لكن ما دُوِّنَ عنه كان مع الأسف أقلّ، هناك من يقول مثلا إنه جمع ثروة طائلة من وراء فنه، وإن لم يكن يظهر ذلك في واقع الأمر على حاله بسبب بُخله الشديد وشحّ يديه، وأنهم وجدوا "الخْناشي دْيَال الفْـلوسْ" في داره حين قصده الموت، بعد أن خانته الصحة وغلبه المرض؛ لكن واقع الحال أثبت أن "حَـرّْبَـا" مثله في ذلك مثل كثير من الفنانين والأدباء والرياضيّين جاء إلى فاس فقيرا يبحث عن فرصة عمل أو ربما كان طموحه أن يصبح مقاولا في البناء مثل أبناء جلدته ويحلم هو الآخر بثروة؛ لكنه عاش شُهرة بين الناس سرعان ما انزوى بعدها إلى الظل والهامش مثل أغلب من يجنح إلى الفن والأدب ويثق بلمَعانه، و"غادرها أفقر ممّا جاء إليها بعد انقضاء أجله، بعد أن عاش آخر أيامه منعزلا في أحد البيوت بحي "بن دْبابّ" الشعبي"، كما يقول الأستاذ الصحافي محمد بوهلال، أحد الأوائل الذين اهتموا بسيرة هذا الكوميدي الاستثنائي، مثله في ذلك مثل من أخطأوا التقدير وخانهم حظهم وزمانهم.

وسواء كان اسمه "حَـرّْبَة" أو "حَـرّْبَا"، يبقى رحمه الله شخصية كوميدية لن تتكرر مرتين في تاريخ الكوميديا الشعبية وأحد روّاد "مسرح السّوق" كما يحلو للبعض أن يُسمّيه؛ لكن من يا ترى، الآن، من الجيل الحالي يعرف هذا الكوميدي المسرحي الاستثنائي الذي أتقن المسرح الفردي نكتة وغناء، وأسعد الناس وسلاهم بخفة دمه وحركاته وصوته ونقرات تعريجة لم تكن تفارق يديه...!!.