ارتفاع توزيعات حقوق المؤلفين .. خطة ناجعة أم تسويق موهِم؟

ارتفاع توزيعات حقوق المؤلفين .. خطة ناجعة أم تسويق موهِم؟

سجّل المكتب المغربي "ارتفاعا ملموسا في عدد المصنفات الفنية والأدبية المصرّح بها في الفترة الممتدة ما بين يناير ومستهل غشت 2019"، حيث بلغ عددها 38.230 مصنفا، بزيادة قدرها 4.54 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2018، وِفق بلاغ عمّمته وزارة الثقافة والاتصال.

وذكر البلاغ نفسه أنّ توزيعات حقوق المؤلفين بمختلف أصنافها، الموسيقية والدرامية والأدبية، التي شملت 4479 مستفيدا، عرفت ارتفاعا هامّا في الفترة نفسها، وبلغت 25.886.746 درهما، بنسبة قدرها 192 بالمائة، مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2018، وهو ما نتج عن "الاستراتيجية الجديدة التي تم اعتمادها في تدبير ملفات المنخرطين، والتصريح بمصنّفاتهم، من حيث سرعة ودقّة معالجتها"، وِفق المصدر ذاته.

عبد الحكيم قرمان، رئيس الائتلاف المغربي للملكية الفكرية، قال إنّ الحديث عن ارتفاع المداخيل بنسبة تقارب 200 في المائة هو "تحصيلُ حاصل، ليس للمكتب أو غيره أي مجهود فيه".

واسترسل موضّحا، في تصريح لهسبريس، أن "ارتفاع الموارد المستخلصة لفائدة المكتب المغربي لحقوق المؤلفين من طرف إدارة الجمارك مرتبط بتحصِيلات ناتجة بالأساس عن عملية استخلاص مستحقّاتِ المكافأة عن النسخة الخاصة، التي هي موارد مالية ناتجة عن إتاوات مفروضة بموجب مرسوم على الملزمين من منتجي وموردي ومستهلكي مختلف أنواع "الحوامل والدّعامات الإلكترونية"، القابلة لنَقل واستنساخ مضامين ومصنّفات وبيانات ومعطيات أو مصنفات أدبية أو فنية".

وسجّل قرمان أن ارتفاع المداخيل سنة بعد أخرى مرتبط بتطور وتنامي سوق إنتاجِ واستيراد وتوزيع وترويج المصنفات المستنسخة على دعامات إلكترونية مختلفة. وأضاف أن هذه المداخيل المذكورة في بيانات المكتب، والجهات الرسمية أو الوصية عليه، ليست مداخيلَ "من الناحية القانونية، ولا يمكن اعتبارها حقوقا مادية أصيلة من حقوق المؤلفين بكل تصنيفاتهم، بل هي مداخيل تشكل، رغم أهميّتها، استثناء وليست حقوقا أصيلة وثابتة، فهي تدابير استثنائية لجأت إليها بعض الدول كإجراء تعويضي أو تكميلي أو من باب إيجاد صيغ مثلى للمساعدة في جبر الضرر الذي قد يلحق الإبداع والمبدعين، جرّاء تنامي وانتشار التقليد والقرصنة".

كما تحدّث الخبير المتخصّص في الملكية الفكرية عن عدم استخلاص الجهات المكلفة والوصية إلا "نسبة هزيلة جدا من الحقوق المادية الأصلية والمستحقة لذويها، تتراوح بين 10 و12 في المائة"، جراء استغلال وترويج واستثمار مصنفاتهم الأدبية والفنية من لدن المستهلكين. ووصف الاحتفاء بارتفاع مداخيل مكتب حقوق المؤلّفين بـ"العملية التسويقية والإعلامية التي تغطّي، بجاذبيةِ أرقام "الاستثناء"، عجزا فظيعا في تحصيل ما يقرب من 90 في المائة من الحقوق المادية الأصلية للمؤلفين كحقوق ثابتة ومستحقة".

وأكّد قرمان أن المهنيين والخبراء والمبدعين يثمّنون "الأداء المتميز لإدارة الضرائب والجمارك في عملها المثابر لتحصيلِ مداخيلِ إتاوات المكافأة عن النسخة الخاصة"، مضيفا أن هذا "يُعزّز ويساعد على خلق ظروف جيدة ومناسبة، كمدخل لإرساء الإصلاح المؤسّساتي والقانوني والتّدبيري المنشود، والذي لا يزال في علم الغيب لأسباب لا يعرفها إلا المستفيدون من وضعية الضبابية واللّبس والاختلالات البنيوية للقطاع".

وتساءل رئيس الائتلاف المغربي للملكية الفكرية عن كيفية توزيع المحاصيل التي تتطور كل سنة، وعمّن سيستفيد منها، وعن إمكانية مباشرَة المكتب توزيعَ المداخيل الناجمة عن إتاوات بما يشبه الضّرائب على أشخاص ذاتيّين، "في غياب أي نص قانوني ينظّم ويحدّد ويوضّح الكيفيات، والمساطر والفئات الاستهداف".

وزاد قائلا: "هنا ندخل من باب التساؤلات المنهجية حول المسؤوليات القانونية والتدبيرية، ومستلزمات ربط المسؤولية بالمحاسبة بشأن ما تم تدبيره، أو تبذيره، من موارد مادية وبشرية في القطاع"، مشيرا إلى أن "المكتب يعيش أزمة بنيوية عميقة، ومتعددة الأبعاد المؤسسيَّةِ والتنظيمية والتشريعية والتواصلية".

ويرى قرمان أن ميدان حقوق المؤلّف عرف تطوّرا في بعض أوجهه، كما شهد تقهقرا في عمقه الأساسي المتجلّي في "غياب منظومة قانونية وتدبيريّة متكاملة وناجعة، وفق نموذج مغربيّ متميّز، وقائم بذاته، ومنتج للقيمة المضافة في دائرة الإنتاج، وضمن سلسلة الصناعات الثقافية الابداعية، فضلا عمّا يُهدَر جرّاء غياب الحكامة والشفافية والمصداقية في تدبير الموارد البشرية الكُفأة، وغياب أي رؤية أو استراتيجية حقيقية للإصلاح الذي يحتاجه الوطن، ويتطلع إليه عموم المبدعين المغاربة من مختلف المجالات والتعابير والمكونات الثقافية والفنية والهوية الوطنية".

وأكّد المتحدّث ذاته أن هناك عوائق لا تزال تحول دون نقل القطاع إلى مستوى المهنية والخبرة التدبيرية والحكامة الجيّدة، بما يحقّق سبل الاستثمار في الرأسمال اللامادي بالشكل الأمثل، وهو ما يمكن التغلّب عليه وإنهاؤه بشكل تام، بـ"مجرد إقرار أسس إصلاح شمولي للمكتب المغربي لحقوق المؤلفين، وجعله أداة للتدبير الجماعي، من أجل حماية وصيانة وتدبير الحقوق المادية والمعنوية لأصحابها، وفق نموذج مغربي متميِّزِ البناءِ والأداءِ، ويكفل تحقيق العدالة والإنصاف مهنيا، وإبداعيا، ومجاليا". وهو ما يتطلّب، وفق رئيس الائتلاف المغربي للملكية الفكرية، "توفّر الإرادة الحقيقية للإصلاح، وعدم تمديد الأزمة عبر مواصلة مراكمة الأخطاء، باعتماد علاجات ظرفية لا تحلّ المشكل، بل تعمّق تداعياته"، حَسَبَ تعبيره.