عشرة أفلام سينمائية مغاربية قصيرة .. العشوائية تتلاءم مع الواقع

عشرة أفلام سينمائية مغاربية قصيرة .. العشوائية تتلاءم مع الواقع

هذا فيلم من ليبيا. كيف الوضع هناك؟

الجواب بإيجاز وسخرية وعمق في فيلم "العشوائي" للمخرج الشاب أسامة رزق. يمر مواطن ليبي يقود سيارته، يتنفس ملء رئتيه سعادة بجمهورية ليبيا الحرة بعد أن خنقها القذافي أربعين سنة. توقفه مليشيات وتسأله عن اسمه. يرد: معتصم السنوسي. لم ينتبه لإحالة الإسمين فصار اسمه شبهة.

لذا يُتهم بأنه ابن السنوسي مدير مخابرات القذافي. يقسم ألا. يُتهم إذن بأنه معتصم ابن القذافي. يقسم أن لا. لكن لا فائدة. يعاقب لأنه من أنصار النظام البائد.

يقرر تغيير مظهره واسمه إلى "جبريل" فيتهم بأنه عميل للغرب من طرف السلفيين. الحل؟ يصير سلفيا فيتهم بأنه فجر السفارة الأمريكية في ليبيا.. يقرر البحث في غوغل عن أقوى تنظيم في ليبيا فيلبس مثله... تضبطه ميليشيا مضادة وتسمعه كل الشتائم:

أيها السلفي الزنديق الإخواني المركزي الفدرالي اللبرالي العلماني القومي... كل الشتائم لأن في البلد فصائل من كل الأطياف، لذلك قرر أن يستخدم في وجهه ولباسه علامة من كل فصيل ومليشيا. فوجدوا له تهمة: أيها العشوائي.

الحل: كن عشوائيا لتتلاءم مع واقعك. والعشوائية حالة فوضى طبيعية في الغابة بعيدا عن الثقافة المكتسبة.

المشترك الوحيد بين الميليشيات هو العشوائية وليس الثقافة والقانون. الميليشيات لا هي شعوب ولا هي قبائل ولا تتعارف بل تتقاتل وتعاقب الفرد على هويته البصرية وعلى اسمه الذي علق به بالصدفة. لا أحد يختار اسمه.

في "العشوائي" لم يهتم المخرج كثيرا باللغة السينمائية، كان مضغوطا بالموضوع واللحظة وقد تمكن من توثيق اللحظة الخام بأسلوب كوميدي... وهو أسلوب دال ومؤثر بعكس الفيلم المغربي "يوميات قاتل" لوليد أيوب وهو فيلم ثرثار يؤكد مدى استسهال المتخرجين من معاهد السينما لتصوير أول فيلم بسرعة الوجبات السريعة. فيلم لمخرج ساخط على وضعه لكن السخط لا يكفي للإبداع.

الاسم شبهة

يؤسفني كشف حبكة "العشوائي" الذي حصل على تنويه لجنة التحكيم لكنه فيلم دال بشكل فادح عن المرحلة حيث تشكلت – بالتزامن مع المهرجان بين رابع وتاسع أبريل 2017 - حكومة مغربية عشوائية فيها الشيوعيين والاشتراكيين والليبراليين والمتصوفين والقبليين و... حكومة عشوائية يصعب تسميتها سياسيا.

ليس الاسم شبهة في ليبيا فقط. ففي شمال المتوسط نجد حالة شبيه لهذا لدى المخرجة المغربية الفرنسية مليكة الزاييري في فيلمها "محمد الاسم الشخصي" وهو اسم يتكاثر بسرعة في فرنسا التي تتضايق بشدة من كثافة الولادات لدى المهاجرين... لذلك يتعرض الطفل الذي سماه والداه محمد للسخرية...

وقد قدمت المخرجة موقف الفرنسيين بسخرية مريرة مليئة بالتحدي... لم يعد أولاد المهاجرين المجنّسون يخجلون من وضعهم كما كان حال آبائهم. صاروا يفتخرون بعروبتهم بل ويعتبرون هجرتهم فرصة لنصرة الإسلام في فرنسا... وكلما تعرضوا للسخرية زاد تشبثهم بهويتهم الإسلامية وقد تنقلب تعصبا...

لم يصل المهاجرون الأوائل قط لهذه الثقة بالنفس، لذا فقد شاخوا في الغربة وصاروا يحنون لبلدانهم، وهذا ما نجده في الفيلمين الجزائريين " أعاهدك" لمحمد يركي و"سفر كلثوم" لأنيس جعاد.

فيلمان عن الهجرة لمخرجين مهاجرين. كثير من الأفلام لفرنسيين من أصل مغربي وجزائري، كما هو حال "قلب مقدس" للمغربي هشام حراك نكتشف خطر البرودة في العلاقات الإنسانية. يوحي وجود رجال ونساء في أماكن عامة بأن التواصل فعلي... لكن يتضح أن الصلاة مقطوعة والمسافات طويلة بين الأفراد... فكل واحد يحدق في هاتفه أكثر مما يحدق في وجه من حوله... لذلك نادرا ما يرى من يسلمه جريدة أو كأس قهوة... وقد صور المخرج عدة لقطات في إيسلندا لتشمل البرودة البشر والطبيعة.

السخط لا يكفي للإبداع

لقد تمكن الليبي أسامة رزق والمغربية مليكة الزاييري من تفريغ سخطهما بطريقة فنية. بينما في فيلم "يوميات قاتل" صحفي ساخط ينجز تحقيقا عن قاتل الكلاب، وكالعادة كان الممثل الكبير حسن باديدا مؤثرا في لعن العالم...

فيلم آخر من الجزائر يوحي أن المخرج ساخط لكنه لم يعط لسخطه شكلا فنيا وهو فيلم "دهنيز" لعبد الله محمد. بينما تمكنت الموريتانية مي مصطفى إخو في فيلمها "الصندوق الأول" من تكثيف سخطها...

فيلم يظهر أنه ممنوع على النساء الإمساك بالريموت كونترول في نواكشوط. وحدهم الرجال يتشبثون به فيختارون الموجة والرنة. لكن يبدو أن النساء هناك يخرقن الوضع بالتدريج، يتمردن على القبيلة وتحاول أيديهن الاقتراب من الريمونت كونترول... لأنه حسب أغنية شعبية بوجدة "الخوف صار في التليس" أي أن الخوف دفن في كيس من الصوف الخشن... صور فيلم "الصندوق الأول" بأسلوب تجريبي خارج النمط... الكاميرا قريبة من الوجوه وبطلة الفيلم تشعر بالاختناق من كثرة أيدي وأرجل الرجال القريبة منها... تنجح في التحرر من الرقابة...

في فيلم "تذكرة السينما" للمغربي أيوب اليوسفي ينجح الطفل في التحرر من رقابة أمه ليذهب لمشاهدة آخر فيلم تعرضه قاعة السينما في مدينته قبل أن تغلق، السينما لا المدينة.

في فيلم "أعاهدك" يعود المهاجر المنهك إلى قريته الجزائرية الجبلية، يكفيه أن يرى الأشياء كما تركها ليفرح وكأن الزمن توقف. في الفيلم لمسة تراثية فولكلورية عن القبايل. إنها عودة للهويات المحلية الميكروسكوبية في عهد العولمة... عودة لمسقط الرأس لاكتشافه بحب وسعادة ورضى... وقد تمكنت الكاميرا من التقاط تعرجات المكان وعمرانه وقدم وجه الممثل دفق الحنين الشديد... ودفق اعتراف للمرأة التي أنقذته ذات يوم من البؤس...

موسم الهجرة للجنوب

في الفيلم الثاني تريد كلثوم المريضة العودة، تظن المهاجرة العجوز أنها ستشفى بمجرد شم هواء الجزائر، يتكشف وضعها في جملة واحدة "لا تملك ثمن تذكرة العودة"، لذلك تضحي شقيقتها وتواجه سخرية أولادها وتأتي بها بالسيارة...

يرى الأولاد أن الحنين لا معنى له وهم غارقون في مشاكلهم الاقتصادية الآن وهنا في فرنسا... لا وقت للعواطف... في المهجر الشيوخ يحنون إلى ماضيهم والشبان ساخطون على وضعهم. قبل عشر سنوات كانت جل الأفلام القصيرة المغاربية تصور شبانا يريدون عبور المتوسط نحو الشمال، والآن انقلب الوضع وصار هناك شيوخ يريدون العودة لبلدانهم الأصلية... يعتبرون عبور المتوسط من الشمال للجنوب علاجا لبؤسهم. كان الشبان يظنون العكس.

صَوّر المخرجون الشيخوخة بكثافة في أفلامهم القصيرة، هكذا تقدم الأفلام انعكاسا مباشرا للحظة دون مسافة... في فيلم "يما" للمغربي هشام الركراكي الكثير من التفاصيل عن المحنة الصحية للأم التي تكشف لأولادها على فراش الموت أنها أحبت والدهم المسلم وتزوجته رغم أنها يهودية... تريدهم أن يدفنوها في المقبرة اليهودية... يخشون العار، وهكذا تتعرض التعددية للطمس، هكذا تتسع المسافة بين ضفتي المتوسط، بينما العشوائية تكتسح المشهد. ولتجاوزها عرف مهرجان الفيلم المغاربي تنظيم ندوة عن "الثقافة كقاطرة للتنمية".

مهرجان تعرض فيه أفلام من المغرب والجزائر وموريتانيا وليبيا وتونس. أفلام عن شعوب تجمعها نقط كثيرة مشتركة. مهرجان في منطقة بعيدة عن المركز. تقع مدينة وجدة على الحدود مع الجزائر، وقد تأزمت المدينة بسبب الجفاف والحدود المغلقة وبذلت الدولة جهودا كبيرة لإنعاشها. لمهرجانات مدن المحيط طعم يختلف عن المدن المركز. وقد حضر جمهور كثيف لا يجتمع عادة في الأنشطة الثقافية التي تعرفها المدن الكبرى... وفي كلمة الافتتاح وجه رئيس المهرجان كلمة للمتشددين قائلا "الله جميل والسينما رمز الجمال. ومن لا يحب السينما لا يحب الله". يبدو أن المتشددين يعرقلون عمله.

يمنح موقع المدينة على الحدود الجزائرية تيمة المهرجان بعدا حقيقيا. منطقة عرفت هجرة كثيفة في سبعينات القرن العشرين وهي الآن تستقبل أبناء الجيل الثالث من المهاجرين الذين تميزوا في بلدانهم ويريدون المساهمة لرفع المستوى الثقافي بالمنطقة... لقد أثر الجيل الأول للمهاجرين في بلدانهم اقتصاديا فقط، بينما الجيل الثاني والثالث من المهاجرين يشعرون أن عليهم دينا ثقيلا تجاه بلدانهم لذلك سيؤثرون في المغرب ثقافيا.

عندما تزدهر الثقافة كل القطاعات تتبعها

للاستفادة من هذه الطاقات تم تنظيم ندوة عن "الثقافة كقاطرة للتنمية" سيرها المخرج عز العرب العلوي وتدخل فيها وزير بلجيكي من أصل مغربي رشيد مضران، عمل وزيرا للثقافة في حكومة بروكسيل، لذا كان خطابه ناتجا عن تجربة وليس إنشاء وتمنيات مما يؤكد أن إدارة الثقافة مسألة جادة يمنع تركها للمنظمين الهواة.

عرّف مضران الثقافة كنفع عام، وشخص الوضع بأن الخلل في النظرة للثقافة وليس في البنيات التحتية الثقافية.

كيف؟

يتم التركيز في الاستثمارات على البحر والرمل الدافئ والطبخ... لكن السائح لن يقضي سبعة أيام يسبح، إنه يريد متحفا وقاعة سينما وأنشطة ثقافية... بعد تغذية البطن يريد تغذية الروح. حين لا يجد هذا يتعب. لذا فسياحة البحر والطبخ مهددة بالكساد دون جاذبية ثقافية...

لذلك أوصى مضران أولا بتوجيه فناني البلد للقيام بمعارض قصيرة في مدن جاذبة مثل باريس ثم يعود الفنانون لبلدهم ليجلبوا السياح الثقافيين إليه..

ثانيا بالتركيز على الموسيقى المحلية المتأثرة بأفريقيا لأنها موسيقى قابلة للتصدير... ثالثا بإدخال الممتلكات الثقافية الخاصة في دائرة المعارض...

رابعا بالتركيز على الأطفال ليصيروا زبناء ثقافيين في المستقبل. خامسا بتسويق البلد ثقافيا بأن تبحث كل جهة من جهات البلد على فرص استثمار وجذب تناسب إمكانياتها وخصوصياتها... سادسا بالبحث عن مفاهيم تخلق التميز لأنه كلما كان النشاط الثقافي المقترح مختلفا ونادرا كلما زادت فرص نجاحه...

في المناقشات خلص المتدخلون أنه لا تتحقق المتعة الذهنية دون معرفة، لذلك فالاستثمار في الثقافة ليس هدرا للموارد... وختم المتدخل "بدل أن نقول عندما ينتعش العقار فكل القطاعات تتبعه فمن الأفضل القول أنه "عندما تزدهر الثقافة كل القطاعات تتبعها"، ودلل مضران أن الثقافة تصنع جاذبية المدن... فالأنشطة الثقافية والمهرجانات تجلب الزوار فتمتلئ الفنادق والمتاجر وتروج الجعة... الناتج الخام الثقافي يؤثر في الناتج العام للبلد... الدليل أن العائد الثقافي في فرنسا هو سبع مرات أضعاف عائد تصدير السيارات.

المغرب يدفع ثمن القمع

لدينا خريطة طريق ولدينا وزير مغربي نجح في بلجيكا. فلماذا فشلت الثقافة في جرّ التنمية للأمام بالمغرب؟

في ماستر كلاص المهرجان تحدث نور الدين أفاية الذي كان أيضا رئيس لجنة تحكيم أفلام المهرجان، عن "السينما وأسئلة الفكر" وشخص موطن الخلل المغربي وهو سياسي، خلال المناقشات شاهد أفاية أطْرف فيلم قصير جرى عدة مرات في ندوات المهرجان وبطلته أستاذة جامعية تريد فتح ماستر في السينما بجامعة وجدة وتعرّف بنفسها وتشكر طلبتها وترجو المساعدة وتشكر رئيس الجامعة الذي يدعمها...

شاهد أفاية اللقطة المكررة وختم بخلاصة شاملة، قال إنه قبل ستينات القرن الماضي كانت منظومة الفقيه هي المرجعية في كل شيء. دخل المغربي في الحداثة الإبداعية في ستينات وسبعينات القرن الماضي على كافة الأصعدة، في الرواية والتشكيل والفلسفة والأغنية... لكن النظام ناهض بشراسة التفكير والتخييل...

كمثال لإجهاض الحداثة تم منع كتاب عبد الله العروي "الأيديولوجية العربية المعاصرة" وفي الأغنية فرض على كل كاتب كلمات وملحن ومغني أن يقدم أربع أغاني وطنية كل سنة. أغاني تمجد السلطة وهكذا قتلت الأغنية المغربية.

نتيجة للإجهاض عاد المغرب لمنظومة الفقيه وأجوائها. لهذا ظلت الستينات هي الفترة الذهبية للأغنية المغربية. وما ينطبق على الأغنية ينطبق على المدرسة والمجلات ومجالات كثيرة.

في هذه الأجواء لابد من نهضة ثقافية لتكون قاطرة للتنمية. ولابد من وحدة الدول المغاربية اقتصاديا وليس سينمائيا فقط لتنهض.