كتاب بوسريف يستدعي فكر الاختلاف لمواجهة "سلَفِيات ماضوِيّة"

كتاب بوسريف يستدعي فكر الاختلاف لمواجهة "سلَفِيات ماضوِيّة"

أفضى الاستعمال الديماغوجي للدين، وفق تعبير كتاب "آلهة تنوب عن الله" الصادر عن "رؤية للنّشر والتوزيع"، إلى تكريس العُنفِ، واعتبار الإسلام، بمنظور سلفي أورثودوكسي، ذريعةً للتكفير، والتّشهير، والقتل، والاغتيالات، أو الحثّ والتّحريض على القتل، من خلال فتاوٍ هي تعبير عن الخلط والمسّ الذي أصاب "الدُّعاة".

وهو ما جعل الدين، وفق الكتاب الجديد للشاعر والكاتب صلاح بوسريف، "في وضع متشظٍّ، لا يمكن أن نكون معه أمام مفهوم واحد للإسلام، ولا أمام الإسلام في مصادره، وما يدعو إليه من حوار وجدال، بل أمام لغة التّعنيف، والتّرهيب، والتّهويل اللِّساني، الذي يتّخذ من خطاب الجنّة والنّار أو الغيب والشّهادة، مسوِّغا للتّكفير أو التّبرير، التي أصبحت هي لغة السّلفيّات التي باتت تكفّر بعضها البعض، وتتبرّأ من رؤية بعضها للإسلام"، بما يمكن اعتباره "ديانات في قلب نفس الدّين".

وشدّد الكاتب على الحاجة اليوم إلى "الفكر، والمساءلة، والنّقد، والمراجعة، وإلى فكر الاختلاف، والإنصات، والحوار، أكثر من أي وقت مضى"، كما تحدّث عن ضرورة "قراءة الدين نفسه دون مسلّمات ويقينيات؛ لأن الإيمان في الدين وفي غيره يقتضي الاقتناع، وكل اقتناع هو تقصٍّ، وبحثٌ، ومعرفة، أو صدور عن وعي يكون "العقل" أداته لا الخرافة والوهم، أو الفكر الأعمى الذي لا يقود إلا لما نعيشه اليوم من تراجع في كل شيء".

وإذا كان الدين في أساسه فكرة تقوم على الاعتقاد، بتعبير تقديم الكتاب، فإن الفكرَ رغبةٌ في المعرفة ومراجعة الأسس التي يقوم عليها هذا الاعتقاد، وما قد يرافق ذلك من سلوكات، وطرق في القراءة والفهم، تعبّر عن فكر هو بدوره سيكون في حاجة ماسة إلى المراجعة، لا لنفيه أو إلغائه، بل لتأكيده.

وإذا كان الدّين قد قام في طبيعته، وِفق القراءة التي يقترحها تقديم الكتاب، على التّصديق والتّبعيّة، وكان بالنسبة إلى "المؤمنين" أو "التّابعين" إجابةً كافية عن كل ما يرغبون في معرفته، فهو سيكون أيضا حافزا على البحث، ومساءَلَة كثير من المسلَّمات التي بدا أنّها تحتاج المساءَلةَ والتقصّي، مضيفا أن هذا ما قد جرى في الفكر المسيحِيِّ، وحتى في الإسلام في مراحله الأولى، حيث شرع بعض الذين عارضوهُ واعترضوا عليه في اختلاق أسئلتهم بصدد ما ظهر أنه غير ما كانوا يعرفونه، أو يرغبون في معرفته.

ويرى الكاتب أن الإسلام في بعدِه "الفلسفي"، "التأمّلي"، كان حافزا لهذا الاستجواب، وحافزا لانفجار كثير من الأسئلة بصدد العلاقة الممكنة بين "الله-الخالِقِ" و"الإنسان المخلوق"، لكن الذين انخرَطوا في المسيحية أو في الإسلام "تنازلوا عن قلقهم مقابل هذا الاقتناع الميتافيزيقي، الغيبي، الذي وجدوا فيه راحة لنفوسهم، ولم يعودوا يرغبون في هذا "الاستجواب" الفكري الذي هو تعبير عن قلق، وعن رغبة في معرفة ما يقوم عليه البناء من أساساته".

هنا، ستحدُثُ "القطيعة"، بالنسبة للكاتب، بين فكر اقتناعي إيماني له مبرِّراته وله وسائله في الإقناع وفي الجدل، وبين فكر لا يقبل أن يكون دون "حافز للتفكير"، ودون هذا "التمرُّن" الدّائم والدّائب "على التّفكير"، وفي هذا المفترق ستعمل "السَّلَفيّاتُ الماضَوِيّة"، التي تطمئنّ للإجابات وتعتبر نفسَها مصدر يقين، على إفراغ الدّينِ من بُعدِه التساؤلي، أي من القلق الذي هو من بين ما يحدّد البعد الأنطولوجي للكائن الذي يستغرقه التّفكير والاستجواب والتساؤل والرّغبة في المعرفة؛ ليجعل منها مصدرا لكل شيء بما في ذلك ما سيكون، بينما يتصوّر وعي "السلفيات الأرثودوكسية" أن الإنسان "قصّة" انتهى سردها وما عليه إلا أن يعيد سردها وفق ما فيها من عبرة و"موعظة حسنة".

ويذكّر الكاتب بأن الحياة ليست محض مصادفة تخضع لمنطق "الغيب والشهادة"، بل هي "مشروعُ وجود يتأسّس على فكرة أو مجموعة من الأفكار التي يكون الإنسانُ المتأمِّلُ، المفكّرُ، القلِقُ، الناقدُ، هو صانعها، وليست أمورا تتحكّم فيها يدٌ تخرج من الغيب أو من المجهول، لتقود الفكر نحو ما هو معلوم بصورة سابقة حتى على وجود الإنسان نفسه"، كما يذكر تقديم الكتاب أن كل شيء احتمال في الفكر، وكل شيء قابل لأن يصير ويكون، مستحضرا المعنى الذي يعطيه الفيلسوف الألماني هايدجر لكينونة الإنسان "ألا نسرد قصة"؛ بمعنى أن لا نعيِّن الكائن من حيث هو كائن.. بل باعتباره "مستجوَبا عن كينونته".

الكائن المفكّر القلق المتسائِل يتعلّم، وفق الكاتب، التفكيرَ باستمرار، ويعرف أن الفكر استقصاءٌ واستجوابٌ، وليس إيمانا بما هو متاحٌ وقائمٌ وموجُود؛ لأن هذا المتاح والقائم والموجود ليس إلا مقدّمة أو مدخلا لما هو متخفّ ومحتَجّب ممّا على فكر الإنسان أن يذهب إليه دون "ورع"، مادام وجود الإنسان وجودا بالفكر، وبالسّؤال الذي لا يفتأ يقلِب التِّرَبَ ويعيد اختبارَها لمعرفة "صحّة" و"متانة" الأساسات، قبل أن يقدم على البناء وفق ما كان يفعله الإغريق في ما كانوا يؤسِّسون عليه أبنيَتَهُم في الفكر والمعرفة عموما.

كما أن الإنسان خالق الأفكار ويتمرّن باستمرار على التّفكير وعلى اختبار قدرة الأفكار كيفما كان مصدرها، وكيفما كانت الجهة التي تأتي منها على أن تكون حيّة تضيء طريق الفكر والمعرفة، وتسهم في بلورة أفق معرفة، ولا تستكين لليقين والمسلَّم به، بما في ذلك ما يأتي من الدين نفسه، خصوصا حين يكون هذا الدين صورة مشوّهة عن الدّين، أو صورة فيها تحريف له وشطط في قراءته وفهمه وتأويله، وهو ما حدث، وِفق تقديم الكتاب، في "الإسلام الذي انتفى فيه النّص المصدر والأصل، وبقيت ظلاله أو ما هو من قبيل الخيال والإضافة أو الخرافة...".

واختار ظهر غلاف المنشور الجديد "آلهة تنوب عن الله" استحضار مثال من تركوا الإيمان بالإسلام بعد موت الرسول، ليقول إنهم "كانوا في أغلبهم ممن دخلوا الدين لأسباب تخصّهم، أو دفاعا عن مصالحهم، وتجارتهم، أو رغبة منهم في احتلال مواقع متقدمة ضمن هذا النظام الجديد"، ويضيف: "هؤلاء، أو أغلبهم، تداخلت عوامل كثيرة في ارتدادهم أو تراجعهم عن الإسلام، بعضها تفضحه المعطيات التاريخية، وبعضها ما يزال في حاجة إلى القراءة الفاحصة المتأنّية، فهم لم يؤمنوا بالدين الجديد ولا بأفكاره، بل آمنوا بـ"الغنيمة" فكان إيمانهم غشّا، وسلوكا انتهازيا، سقط عند أوّل اختبار"، وهي الفكرة التي يقترح كتاب صلاح بوسريف تأمّلها ومراجعتها؛ "فنحن حين نفرض الفكر، أو الدين بالقوة والإكراه أو حدّ القتل، إنما نعمل على إضعاف هذا الفكر، وإضعاف الدين، لأنه فكر دون عقل، ودين دون عقل، أي دون إيمان قوي ومتين".