"ميلاد نجمة" .. هذه خطوات صناعة "سْتَار" في مجتمع استهلاكي

"ميلاد نجمة" .. هذه خطوات صناعة "سْتَار" في مجتمع استهلاكي

نجم غناء يدخل حانة. (برادلي كوبر بطلا ومخرجا لفيلم "ميلاد نجمة" 2018). يمكن للنجم أن يوقع حيثما شاء للبنات المحيطات به. المكان يضج بالحياة. إذا كان هناك من مكان يمنح مدراء التصوير فرصة للعب بالضوء والظل والدائرة اللونية فهو البار بعد منتصف الليل.

هناك بعد تعب الكلمات يحل الصمت وتعرض الكاميرا أشكال التواصل غير اللغوي: تواصل الأجساد بالحركة والكأس والعين... والإشارة الموجزة إلى النجم الملك.

من سلوك المعجبين بالنجم يظهر قعر الجحيم الذي يعيشه الفرد حين يكون نكرة، ولا شيء يعادل كثافة هذا الجحيم إلا حلم الفرد بالشهرة والمال ليغير وضعه من الأسوأ إلى الأروع دفعة واحدة. حقق المخرج هذا الحلم لملايين مشاهدي فيلمه حتى أن الفيلم حقق مداخيل أكثر من عشرة أضعاف ميزانيته. حقق الحلم على الشاشة لنادلة شابة نكرة (أداء غاغا) ذات جمال متوسط، لكنها تصير نجمة حين تلتقي مغنيا شهيرا.

في البداية يخاطب المغني العريق الشابة الحالمة بالشهرة: "احفري في روحك لتتقدمي. حاولي أن تكوني أنت أي شخصية متفائلة تتطور نفسيا واجتماعيا تحقق ذاتها". بفضل حبها للفن وللمغني تطورت وتمكنت من تحقيق ذاتها. حب قوامه الوفاء والحنان والتسامح. إنه الحب كما تسوقه وصفات برامج التنمية البشرية. تنمية تزعم صناعة النجوم بتفاؤل مفرط.

تحــــــــــــــــــــول

يلتقط الفيلم لحظة تحول تاريخي في الفن. تذكرنا شخصية المغني جاكسون ولباسه وإيقاعه براعي بقر تجاوزه الزمن، بينما تقدم المغنية نمطا حديثا، تقدم رقصا ميكانيكيا متكررا يخالف الرقص التقليدي الذي يعتمد الردفين والقدمين. صارت المغنية تركز على حركة جسدها أكثر من عيش أحاسيس الأغنية التي تؤديها.

الأغنية تخاطب الأذن، وجسد الراقصة يخاطب عين جمهور يطلب أن يشاهد أكثر مما يسمع. للتدرب على هذا الأسلوب سلمت المغنية نفسها إلى مدير أعمال يفهم قانون السوق، والنتيجة المزيد من الميكانيكية ومن الأرباح. لم تعد النجمة شخصا، صارت مشروعا تشتغل عليه شركة خاصة تديره وتلمعه. هذه هي خطوات صناعة النجم في مجتمع استهلاكي.

نادلة نكرة تصير نجمة. ما أروع التحول. المؤسف أن هذا حلم قد يتحقق لفرد واحد من كل عشرة ملايين فرد. لكن الفيلم يتجاهل هذا الواقع ويقدم بدلا منه وعيا سعيدا يفترض أن الخير قادم، لذا قلل المخرج من الدراما وزاد من الجرعة العاطفية.

جرعة تتجاهل وقائع شهيرة، فقد كشفت الصحف مرارا عن أخبار صناعة النجوم في مسابقات التلفزيون، التي تحول حياة المتنافسين إلى جحيم. تلفزيون يطلب فنونا بصرية للاستعراض، وقد قتل مايكل جاكسون نفسه وهو يتدرب بكثافة ليسحر جمهوره.

يتحدث إدغار موران في كتابه "نجوم السينما" عن تكون النجوم وتحولات حياتهم، يصير النجم إلها صغيرا، ويصير سلعة أيضا، يجب تعليبه جيدا لتسويقه. حاليا استولت المغنية السيدة غاغا على الفيلم وصار ينسب إليها أكثر مما ينسب إلى المخرج لأن الأغنية الرئيسية في الفيلم فازت بأوسكار أفضل أغنية 2019، وقد شوهدت مئات ملايين المرات. في الفيلم ترد النجمة على الساخرين من أنفها الكبير. وقد صارت الإشاعات عن علاقة محتملة بين المخرج والمغنية مصدر دعاية مجانية للفيلم.

منطق تجاري

في الفيلم إيقاع سريع ولقطات قصيرة ومؤثرات بصرية وصوتية. فضاء واسع مضاء بطريقة مبهجة. كاميرا محمولة تتحرك باستمرار، مما جعل اللقطات المختلفة تتدفق باستمرار لمنح المتفرج ما يطلب. فيلم خفيف على قلب المشاهد الذي يبحث عن التسلية، يستهدف وجدان المتفرج. واسمه مشتق من الفرجة، وهي هدفه.

"ميلاد نجمة" فيلم تجاري مصمم خصيصا لشباك التذاكر. يوجد منطق تجاري في طريقة السرد لإمتاع جمهور يعشق الإيقاع السريع. وصفة مزدوجة: صوت وصورة. على منصات الغناء أمام الجماهير تصير الأضواء وسيلة إثارة. برادلي كوبر مخرج يغازل مشاهديه بإعادة إنتاج أجواء مسابقات الغناء، التي تعد بتغيير مصير الموهوبين. فنانة طيبة متفائلة مخلصة ناجحة تعيش تحولات سريعة وسهلة.

الوعي السعيد يغلب الوعي الشقي

يزيد الصمت في النصف الثاني من الفيلم. حين أدرك المخرج أنه أمسك المتفرجين خفض الإيقاع ليتعمق في شخصياته. حينها نكتشف ما خلف الحياة البراقة للنجم:

فنان ينهك جسده وهو آلة العمل، للانبعاث يحتاج الفنانون في سن الخمسين إلى رفقة الصبايا لتجديد طاقتهم.

سرديا، بينما يصعد نجم الشابة المغمورة يتدهور مستوى المغني الذكر. يعجب الجمهور بالأنثى ذات الجسد المشدود وتقف على المنصة ولا تهتم الكاميرات بذكريات النجم الغارب.

يلعب المخرج بحذر بين حبلين:

أولا، حبل خصائص النوع: "ميلاد نجمة" عبارة عن كوميديا غنائية متفائلة تعرض النجاح والشهرة في متناول اليد.

ثانيا، الحبل المشدود لممارسة الفن الصعبة والتنافس والحقد وانحدار المغني إلى سوداوية مدمرة.

يعطي المخرج الأسبقية للخيار الأول. يحب المشاهدون قصص الحب، حب وغيرة وخصام وفراق وشوق ومصالحة وعناق وابتسامات بالقنطار. قد يضجر هذا المشهد نقاد السينما المتجهمين، لكن المتفرجين مبتهجون لأنه حسب آرثر شوبنهاور "عدوا السعادة البشرية هما الألم والضجر".

في الفيلم حوارات طويلة مع شرح وتكرار للجمهور الساذج كما في تعداد فوائد السباحة، ومتحدث يقول لمخاطَبه: تعرف لماذا؟ ثم يجيب. يشرح المخرج للمتفرجين السذج وهو يضمر نظريته التجارية. يقول برادلي كوبر في الفيلم: "لكل فرد موهبة، لكن المهم أن يكون لديه ما يقوله وبالطريقة التي سيحبها الجمهور".

هكذا استثمر المخرج معارف المتفرجين وحاجياتهم ليحطم أرقام الـ"بوكس أوفيس".

كيف تصير نجما؟

أولا، يجب أن يكون لديك ما تقوله.

ثانيا، يجب أن تقوله بالطريقة التي سيحبها الجمهور.