نعيمة المشرقي .. سفيرة "فن الإمتاع" تتوج نصف قرن من الإبداع

نعيمة المشرقي .. سفيرة "فن الإمتاع" تتوج نصف قرن من الإبداع

مبدعة قادمة من الزمن الجميل.. راكمت تجربة فنية لنصف قرن من الزمان ولا تزال وفية لدرب الإبداع وملاقاة جيل جديد من محبيها. اختارت الفن بإصرار، وتحدت الصعاب واشتغلت، فتألقت خدمة لقضايا الإنسان والمجتمع، علما أن مشاركة المرأة المغربية في ذاك الزمن وخوضها لمهنة السينما أو المسرح كان صعبا إلى درجة الاستحالة أحيانا.

طريق طويل نحو الركح

لم يكن من السهل أن تختار نعيمة المشرقي ركح المسرح، وخوض هذه التجربة من الحياة؛ في حين أن قريناتها المحظوظات في سنوات الستينيات والسبعينيات كن يخترن مهن الطب والمحاماة.

البداية الفنية للمشرقي انطلقت في سن مبكرة من خلال عمل مسرحي تطوعت للمشاركة فيه بعد موافقة والدها؛ وهو الدور الذي تقمصت فيه لأول مرة ابنة سيدة طلب منها البكاء، فبكت طويلا إلى بعد انتهاء العرض، قبل أن تشق طريقها في عالم الفن المسرحي.

استفادت نعيمة المشرقي منذ سنة 1958 من التداريب التي نظمتها وزارة الشبيبة والرياضة بمركز الفن الدرامي بالمعمورة لفائدة الهواة تحت إدارة الأستاذ بيير لوكا، وشاركت في عدة مسرحيات؛ من بينها “كاليكولا” للممثل والمخرج الراحل مصطفى التومي، و"البغلة المسحورة" من إخراج شارل نوغيس وتشخيص فرقة المعمورة، و”ألعاب الحب والصدفة” من اقتباس وإخراج الطيب الصديقي.

وابتداء من سنة 1962، قررت التفرغ للمسرح بشكل احترافي وانضمت إلى فرقة المسرح الوطني محمد الخامس بالرباط، التي كان الرائد الراحل الطيب الصديقي مديرا تقنيا لها إلى جانب مديرها العام الفرنسي سيليريي.

ومن الأعمال المسرحية التي شاركت فيها المشرقي كممثلة محترفة ضمن فرقة الصديقي "مومو بوخرصة" و"السيدة كوديفا" و"المغرب واحد” و”مولاي إسماعيل” و”سلطان الطلبة” و”سيدي ياسين في الطريق" و"ديوان سيدي عبد الرحمان المجدوب" و"مدينة النحاس".. وكل هذه المسرحيات كانت من إخراج الفنان الطيب الصديقي، الذي تعتبره المشرقي "مدرسة قائمة الذات في مسارها الاحترافي".

كما شاركت مع فرقة المعمورة الوطنية في مسرحيتي "لفضوليات" من إخراج عبد الصمد دينيا و”جوج امطارق في الراس” من إخراج زوجها عبد الرحمان الخياط، ومع فرقتي البساتين في مسرحية "درهم الحلال” والمسرح البلدي بالدار البيضاء في مسرحية “بنت الخراز” وهما من إخراج زوجها سالف الذكر. هذا بالإضافة إلى مسرحية "الفروع المكسرة"، التي أخرجها الفرنسي دومينيك تيريي انطلاقا من نصوص شعرية لابن زيدون وأدونيس في إطار فرقة فن وتجربة بمدينة روين الفرنسية، ومسرحية "الخادمات" التي أخرجها زوجها سنة 2000 وغيرهما.

هذه التجارب منحت نعيمة الكثير في مسارها الإبداعي المتواصل على مدى نصف قرن من الزمان، دون التخلي عن التقاليد والعادات التي تربت عليها مابين درب السلطان والمدينة القديمة بالدار البيضاء، التي كانت تلعب دورا كبيرا في تحديد واختيار أعمالها الفنية.

تجربة فنية متعددة الأبعاد

يصعب في التجربة الفنية لنعيمة المشرقي الفصل بين الأبعاد المسرحية والسينمائية والإذاعية والتلفزيونية وغيرها، كما يؤكد الناقد السينمائي أحمد سيجلماسي في سلسلة "وجوه من المغرب السينمائي"، حضورها كان قويا في هذه المجالات كلها سواء كممثلة أو كصوت إشهاري أو كمقدمة ومنشطة لسهرات وبرامج إذاعية وتلفزيونية، زد على ذلك حضورها الوازن على الواجهة الاجتماعية كسفيرة للنوايا الحسنة (اليونيسيف) ومستشارة للمرصد الوطني لحقوق الطفل، وعلى الواجهة النقابية كعضوة نشيطة داخل وخارج النقابة الوطنية لمحترفي المسرح. وعلى الواجهة الجمعوية والثقافية والمهرجانية وغيرها كعضوة في لجن تحكيم المهرجانات المسرحية والسينمائية والتلفزيونية أو في الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري.

ارتبط اسم نعيمة المشرقي بالتلفزيون منذ انطلاقته المحتشمة بالمغرب في مطلع الستينات من القرن الماضي، حيث شاركت في بعض الأعمال الأولى إلى جانب زوجها عبد الرحمان الخياط في الإخراج، نذكر منها بالأساس فيلم "حديث الأجيال"؛ "مسلسل "التضحية"؛ ومسلسل "المنحرف" و"الاعتراف".

وشاركت فيما بعد في أكثر من مائة عمل تلفزيوني لعل من أشهرها مسلسلات "أولاد الحلال" لمحمد حسن الجندي و"عز الخيل مرابطها" و"أولاد الناس" لفريدة بورقية و"الغالية" لرضوان القاسمي وأحمد بوعروة و”دار الضمانة" لمحمد علي المجبود والمسلسل الفرنسي"عائلة رامدام"، والسلسلة التربوية "ألف لام" والأفلام التلفزيونية "آخر طلقة" لعبد الرحمان ملين..

أما في السينما فشاركت الفنانة في أفلام كثيرة؛ منها "عرس دم" لسهيل بن بركة، و"أيام شهرزاد الجميلة" لمصطفى الدرقاوي، و"بادس" لمحمد عبد الرحمان التازي، و"حجر الصحراء الأزرق" لنبيل عيوش، و"فرسان المجد" لسهيل بن بركة ، و"البحث عن زوج امراتي" لمحمد عبد الرحمن التازي، و"للا حبي" لمحمد عبد الرحمن التازي، و"وبعد" لمحمد إسماعيل، و"جارات أبي موسى" لمحمد عبد الرحمان التازي، و"الأهالي " للفرنسي من أصل جزائري رشيد بوشارب، و”الدار الكبيرة” للطيف لحلو، و"دم وماء" لعبد الإله الجوهري، وكانت آخر إطلالاتها من الشاشة الفضية من خلال فيلم "دوار الدوم" لعز العرب العلوي لمحارزي و"دموع الرمال" للمخرج عزيز السالمي.

صوت رنان

كما أطلت الفنانة نعيمة على المستمعين بصوتها الرنان، إبان انطلاق المحطة الإذاعية المغربية الفرنسية “ميدي 1″، كانت أول صوت يصل إلى المغاربة قادما من باريس، في مواعيد مختلفة طيلة ثلاث سنوات من خلال برامج مختلفة، زيادة على برنامجها اليومي "نعيمة" الذي كانت تستغرق مدة بثه آنذاك ساعتين كاملتين، وكانت مواضيعه المختلفة تلقى تجاوبا كبيرا لدى المستمعين.

وفي عمل إبداعي تلفزيوني وإنساني، سردت المشرقي حكايات أمهات في وضعية صعبة أمام المجتمع مع خلال برنامج "الحبيبة مي"؛ أضفت بصوتها العذب لمسة فنية جميلة أعطى مصداقية لدى المتلقي في حكيها الجميل لقصص الأمهات تلك.

مشوار إبداعي متواصل

على الرغم من مشوار هذه السيدة المتألق وتاريخها الحافل، لا تزال على درب الإبداع لا تنفك منه، بعد غياب عن شاشة التلفزيون خلال السنوات الأخيرة، تلتقي بالجمهور المغربي مرة أخرى من خلال فيلم بعنوان "التكريم" تجسد فيه المشرقي شخصية زوجة أحد الفنانين الذين قررت جمعية ثقافية الاحتفاء به، إلى جانب مشاركتها في مسلسل "الزعيمة" الذي يغوص في قضية مشاركة النساء في الحياة السياسية وقضايا التحرش.