صديق: زيارة فلسطين ليست تطبيعا .. والمغاربة يرضعون حبّ القضية

صديق: زيارة فلسطين ليست تطبيعا .. والمغاربة يرضعون حبّ القضية

قال الشاعر المغربي عبد الله صديق إن زيارة فلسطين ليست تطبيعا، وأضاف في مداخلة مساء الخميس بالمركز الثقافي الفلسطيني، في سفارة دولة فلسطين بالمغرب، إن رحلته التي دوّنها في كتابه "أن تفكّر في فلسطين" قام بها دون أن يُختَمَ جواز سفره المغربي بختم إسرائيلي.

وذكر صديق أن المغاربة يرضعون حب فلسطين، وأفاقوا على حب هذه الأرض، إلى درجة أنهم كانوا يُلبِسونَها قضاياهم، لأنها قضية عادلة، وقضية إنسان، وفكرة، واسترسل مفسّرا في هذا السياق أن اختيار عنوان "أن تفكّر في فلسطين" تمّ لأنها فكرة قبل كل شيء، وليس على حاملها أن يكون فلسطينيا؛ لأنها فكرة الإنسان والأرض اللَّذَين تعرّضا لمؤامرة كونية رهيبة لاقتلاع شعب من أرضه، وإحلال ما يسمّى "شعوبا أخرى"، مع التسلح بنصوص مقدّسة وتأويل يرى أن الإله أعطاهم الأرض ضدا على التاريخ.

وانفرجت أسارير الكاتب المغربي في غمرة الحديث عن القضية الفلسطينية، فاسترسل معبّرا عن إرادة المغاربة والمغتربين أن تتحقّق طموحاتهم الداخلية؛ ويروا لحظة تاريخية يتمّ فيها الخلاص النهائي للفلسطينيين وحاملي فلسطين، و"تنبثق الحرية الآتية لا محالة".

التفكير في فلسطين حالة عاشها عبد الله صديق، حسب ما ذكره في مداخلته، كمغربي "يحمل في دمه جينات أسلافه المغاربيين الذين قطنوا حي المغاربة"، داعيا إلى الرهان على "الشعب الذي يقاوم المؤامرة الكونية"، وتذكُّرِ ما رآه العالم من مقاومة الحجر الصغير للدبابة، ووقوف الأطفال أمام الجنود المدججين بالأسلحة المتطوّرة، في مقابل "اللّوثَة الصهيونية" التي تراهن على تلاشي هذه الفكرة.

وقال الشاعر المغربي إنه "عندما تزور فلسطين تكتشف مكانا جديدا، وتجد ذاتك في مكان جديد مختلف، فيحدث انفصال بينها وبينك لتصبح أمام مرآة، وتصير فلسطين مكانا للتفكير وموضوعًا مفكّرا فيه في الآن نفسه"، كما استعاد ذكرياته مع فلسطينيين لم تتح لهم فرصة الخروج من بلادهم ويسألون الزائر عند معرفتهم أنه أجنبي: "كيف دخلت؟"، ومع أطفال يحلمون أن يصيروا رحّالين عندما يكبرون.

ويرى الكاتب أن رحلته كانت "حالة وجودية وجد فيها نفسه، في مكان زاره للمرة الأولى، حاملا معه ذاته الثانية التي هي ثقافته، وعينه التي يرى بها لأول مرة هذا المكان، فيرى كل شيء إعجازيا، حتى صار النظر إلى عصفور فوق سلك أو شجرة على الرصيف "معجزة".

ولا يعني الحديث عن "الفكرة"، بالنسبة للكاتب، الاقتصار عليها دون عمل، كما لا يعني أنها نُسِيَت وتُتذكّر، بل هي، حسب فقرة قرأها من كتابه: "فلسطين فكرة، فكرةٌ تنمو في القلب قبل أن تزهرَ في العقل، وليس شرطا أن يكون حاملها فلسطينيا أو عربيا، لأنها فكرة الإنسان التي تمتحن انتماء صاحبها إلى الإنسان.. الفكرة التي تجعله مؤمنا بالأخلاق قبل أن يكون مؤمنا بالخالق.. مؤمنا بالعدل في وجه الظّلم، بالاختيار في وجه الإكراه، بالصمود في وجه الإخضاع، بالسواسية في وجه العنصرية، بالحرّيّة في وجه العبودية والاستبداد، بالحياة في وجه الموت".

أحمد زنيبر، ناقد مغربي، رأى في الاحتفاء بـ"أن نفكر في فلسطين" احتفاء بكاتبها وفلسطين التي سكنت العين والذاكرة، مضيفا أن هذا الكتاب "بحث في الذات قبل البحث في المكان"، ورصد توثيقي لمرحلة عاشها عبد الله صديق بروحه ووجدانه، وتتضمّن "تفاصيل دقيقة تكشف عن حسّ مرهف وذائقة أدبية".

وبيّن الناقد أن "اليوم الأول كان شاقا وأخذ نصيب الأسد من الكتاب"، وهو ما يفسَّر بالانتظار والتأخير المتعمّدين اللذين عرفهما، إضافة إلى التفتيش والترويع وإذلال العابرين؛ وهو ما رصده الكاتب في عشرين مشهدا كانت كافية لرصد ما يحدث في مناطق العبور، وإظهار الوجه الحقيقي للمستعمر، "الذي لا يريده هناك، ويريدونه أن يحني هامته، وألا يدخل ويخرج وهو نفسُه نفسُه".

ورأى زنيبر في "أن تفكر في فلسطين" تجسيدا لحلم راود الكاتب كغيره من المغاربة، وهو ما أراد صديق "منحه عند تحقُّقِهِ حياة جديدة بالتدوين"، ليكون في هذا الكتاب "استرجاع فلسطين عنفوانَها ومركزيتها بين الأدباء، وإثبات لكونها مازالت حاضرة في الوجدان المغربي".

وقال جمال الشوبكي، سفير دولة فلسطين بالمغرب، إن "الزيارة في حد ذاتها فيها فائدة للفلسطينيين، بشرط أن تكون من البوابة الفلسطينية، رغم المعاناة، مع زيارة الأقصى وكنيسة القيامة والجلوس في فندق فلسطيني.."، وأضاف أن الزيارة تجعل الفلسطينيين يحسون بالعمق الإنساني الإسلامي والدولي.

وذكر السفير الفلسطيني أن "الانتماء إلى فلسطين يكون بهوية نضالية"، مذكّرا بالتحاق مئات الجنسيات بهذا البلد إبان الثورة الفلسطينية، نضالا ضد العدوان الإسرائيلي، حتى دخل بعضهم المعتقلات، فيما يستمرّ وجود بعضهم فيها، ومشدّدا على أن "المفروض أن ترفض الإنسانية هذا الظلم الشديد"، الذي يُواجِه فيه الفلسطينيون خصما مدعّما من قوّة هائلة هي الولايات المتّحدة الأمريكية.

ولم ير السفير الفلسطيني في زيارة هذا البلد تطبيعا، مستشهدا بمقولة تذكر أن "زيارة السجين ليست تطبيعا مع السجَّان"، وزاد قائلا أن كل زائر لفلسطين يخرج برؤيته الخاصة لها؛ "وليس من رأى كمن سمع".