فيلم "المحظية" .. "دراما تاريخية" وتحفة سينمائية في إدارة الممثل

فيلم "المحظية" .. "دراما تاريخية" وتحفة سينمائية في إدارة الممثل

بعد مشاهدة فيلم "المحظية" 2019 للمخرج اليوناني يورغوس لانتيموس وتسجيل نقط في الظلام جاء موعد تحرير المقال. للكتابة لا بد من منهج. والمنهج سؤال أولا. والسؤال يحدد زاوية المقاربة. ما العنصر الأبرز في الفيلم؟

على صعيد المحتوى، هذا فيلم دراما تاريخية عن صراع النفوذ في البلاط الإنجليزي في بداية القرن الثامن عشر. أما على صعيد الأسلوب، فهو تحفة في إدارة الممثل وابتكار على مستوى الإضاءة وزاوية النظر (موقع الكاميرا).

بداية، نكتشف جحيم البروتوكول الملكي. إن إلباس الملكة مثلا قبل كل ظهور رسمي محنة. القناعة السائدة في البلاط هي أن الشعب يُطيع، ولا يَحكم. صديقة الملكة هي التي تحكم إنجلترا، وهي تدبر بمهارة مهاترات الأحزاب في مجلس العموم. البلد في حرب ضد فرنسا، الحكومة الليبرالية التي ترفع الشعار الاقتصادي "دعه يعمل دعه يمر" مضطرة لفرض ضرائب جديدة، وهذا يرعب حزب الأغنياء.

نتابع دسائس القصور، في البلاط كل واحد يجلب قريبا يعينه ويرقيه سريعا، وقد جلبت صديقة الملكة قريبتها وسرعان ما اكتشفت أن "الأقارب عقارب". لكبح القريبة، تلجأ الصديقة إلى مزاح خطر هدفه الترهيب. وقد سبق للثعلبين كليلة ودمنة اللذين كانا يعيشان بهناء مع الأسد أن جلبا ثورا لتسلية الأسد، فانتزع منهما حظوتهما عند الأسد الذي أغرم بالثور (كليلة ودمنة لابن المقفع باب الأسد والثور).

مع الزمن، استبدلت الملكة صديقتها بصديقة جديدة شابة.. صارت الملكة رهينة صراعات صديقتيها المتنافستين على السيطرة على السلطة. في صراعات البلاط، لا يحتفظ الصادقون بمكانتهم، هناك يُعتبرُ الولاءُ لشخص الملك أكثر مردودية من الولاء للوطن.

الصديقة هي قفاز الملكة وقد استبدلتها، وهذا ما رفع من منسوب الدراما، لا نرى العالم الخارجي عن البلاط؛ ولكن تصلنا أصداؤه لتغذية التوتر. بعد المساومات وبعد حفلات الرقص الطويلة التي تبجلها الأرستقراطية، نتتبع لقطات حب بطعم المهانة. نكتشف كم يُذل جوع الجسد صاحبه. من كل الإيديولوجيات التي استعبدت الإنسان، يبدو أن إيديولوجيا الجسد هي الأكثر وطأة. تحرض الرفاهية المطلقة والجاذبية البصرية للشخصيات الثلاث هذا الجوع.

الفيلم قائم على إدارة الممثل. ثلاث نساء تتبادلن ابتسامات تخفي حقدا مميتا. أولاهن الملكة آن (أداء أوليفيا كولمان)، وصديقتها الأولى السيدة سارة (أداء راشيل ويسز)، والصديقة الثانية للملكة وهي أبيغايل (أداء إيما ستون). والثلاث ممثلات مرشحات للأوسكار.

ثلاث ممثلات كبيرات حملن الفيلم على أكتافهن بسلام. تتناوب على وجوههن المشاعر الستة: الدهشة، السعادة، الحزن، الغضب، الاشمئزاز الخوف. فهمت كل ممثلة الشخصية التي تؤديها، وقد عبّرت عنها بملامحها. يعكس أداء الممثلة تفسيرها للشخصية.

إن رأسمال الممثلة هو جسدها، ممثلة تتحكم في انفعالاتها، تستجمع قوتها لتشعر بالحزن أو الحيرة بكثافة، تبعا لمتطلبات الدور تكشف أبعاد الحياة في البلاط.

سبق للمخرج البولندي زيجمونت هبنر Hubnera Zygmunta أن تساءل "كيف للمخرج أن يكون مخرجا ومعرفته بلغة الجسد ضئيلة؟، وهذه هي الوسيلة الأدق والأكثر مباشرة للوصول، إنها وسيلة الاتصال مع الممثل".

من جهتهن نوه المخرج الإسباني بيدرو ألمودوفار بمُخرج يُدخل يده في أحشاء الممثل ليستخرج منه ما يحتاجه. هذا ما فعله مخرج فيلم "المحظية"، مخرج لديه إحساس حاد بالمسْرحة، مخرج تجري التراجيديا في دمه ويعبر عنها بعمق ومن غير خَطابة. يستخدم "الانشطار المرآوي" mise en abyme؛ وهو حيلة سردية بصرية تلعب دور نبوؤة شريرة. ويتجلى ذلك في لقطة قنص الحمام للتسلية، لكن الدم يسيل ويرش الوجوه وينذر بالآتي.

مع الزمن، تآكلت قدرة الملكة على اختبار معدن خُدّامها، تغرق الملكة في مأزقها ووحدتها فيتجلى ضجرها في نظراتها الشاردة. وعلى الرغم من الصراع الشرس بين البطلات الثلاث، فإن المتفرج يحتفظ بتعاطفه معهن. وقد ساهم تموقع الكاميرا في هذا. بالنظر إلى شموخ الشخصيات التي تبدو كأنها تطل على المتفرج يفترض أن المخرج وضع الكاميرا على ارتفاع ثمانين سنتيمترا؛ وهي كاميرا مائلة إلى أعلى، ليبدو البلاط شامخا. لا يعقل أن تكون الكاميرا على علوّ قامة الإنسان العادي (160سنتمتر) فيبدو البلاط مألوفا من موقع العين – الكاميرا.

وقد أسهمت الإضاءة التقليدية المنبعثة من وسط اللقطة على الإحالة إلى الماضي. إضاءة من داخل اللقطة بالشمع غالبا. لذلك، تبدو الملكة مع الشمعة أشبه بلوحة هنري فيسلي Lady Macbeth somnambule المقتبسة من مسرحية شكسبير. لقد اقتبس الرسامون مسرحيات شكسبير للوحاتهم قبل أن يقتبسها المخرجون للسينما. وقد اقتبس المخرج لانتيموس تلك اللوحة حين صوّر وجه الملكة آن مرعبا مصْفرا بضوء الشمع.

تذكر هذه الإضاءة بفيلم ستانلي كوبريك "باري لندن" 1975 الذي تجري وقائعه أيضا في القرن الثامن عشر، يحاول باري أيضا تسلق السلم الاجتماعي. لا يكتفي المخرج بإضاءة تحيل إلى مرحلة، فحتى الكادر في الفيلم انطباعي؛ فالمخرج، خاصة في اللقطات الخارجية، يقوم بإظهار الأشياء صغيرة في مقدمة الكادر ليمنح مساحة كبيرة للأفق في خلفية اللقطة.

هذا فيلم يحتاجه العالم عن المحنة الوجودية للحكام الذين يتوفر لديهم رغد العيش؛ لكن صراع الاحتفاظ بالسلطة يستنزف أرواحهم. كل امرأة شاهدت الفيلم ستكره أن تكون ملكة. ويبدو أن الأميرة ديانا بطلاقها هربت بجلدها مبكرا من جحيم البلاط البريطاني.