أمال المازوري .. حكواتية شابة تقاوم اندثار الموروث الشعبي الشفهي

أمال المازوري .. حكواتية شابة تقاوم اندثار الموروث الشعبي الشفهي

ضمن ما يعرفه المغرب من ثورة في برامج "الإعلام الجديد"، ووسط ما أصبحت تعرفه المواقع الاجتماعية من إقبال لكثير من المبدعين الشباب، برز رضى متتبعين على بعض مما ينجز ويتوفر على مميزات، خاصة مع اعتماد التفاعلية بين المنتوج الرقمي والمتلقي.

غير أن الملاحظ هو هيمنة الإنتاجات الرقمية التي أضحت تتسيد المشهد، في حين صارت الحكاية والحكواتي في الهامش المنسي؛ الشيء الذي يهدد باندثار الموروث المروي والشفهي من التواجد بعدما شكل مساحة للفرجة والترويح عن النفس، حسب الحكواتيين أنفسهم.

أمال المازوري واحدة من الشابات القلائل اللواتي اقتحمن مجال الحكاية وفرضن بصمتهن ضمنه في وقت وجيز؛ إذ استطاعت ابنة مدينة طنجة، التي تتابع دراستها في شعبة الاقتصاد بالسنة الثانية بجامعة عبد المالك السعدي، تسخير مجهوداتها للحفاظ على الحكاية وجمع التوثيقات والحكايات الشعبية الأصيلة.

تتقن أمال، وهي بالمناسبة رئيسة جمعية "صندوق العجب" للحكايات الشعبية، فن الحكاية بثلاث لغات، هي الفرنسية والإنجليزية والعربية الفصحى، كما تحاول الشابة نفسها، قدر الإمكان، الحفاظ على اللكنة المحلية الجبلية وجمع وتوثيق ما لم يعرف إلى ذلك سبيلا.

تقول أمال ضمن تصريح لهسبريس إن المختصين توصلوا إلى حقيقة مفادها أن التربية الصحيحة والسلوك القويم للطفل ينبنيان أساسا على ثلاثة أشياء: حليب الأم وحنان الأم وحكاية الجدة. من هذا المنطلق، تتذكر أمال أيام الزمن الجميل وهي تجالس الكبار وكيف كانت تتحايل على والديها للإكثار من زيارة الجدة لتتوسد ركبتها وتداعب خصلات شعرها بأصابعها، مبرزة أنها كانت تشعر بحنان يصيب خوالج قلبها تجاه نبرات صوت جدتها الرنان وهي تكشف لها عن كنز دفين من الحكايات التي جعلتها أسيرة هذا الفن ومدمنة عليه.

دخول أمال غمار الحكاية لم يأت محض الصدفة؛ فقد لعب المحيط الأسري دور الداعم والمؤيد والمحفز والمشجع، وتضع على رأس هرم الأسرة، الخال الذي عهدت له كافة الصلاحيات دون قيد أو شرط بالتواجد معها ومرافقتها، فهو عراب حكاياتها.

وتستلهم أمال حكاياتها من رصيد معرفي وتكوين أساسي تلقت أولى حروفه من الجدة، بالإضافة إلى تزكية كل هذا ببحث ميداني للذاكرة الحية من أجل جمع وتوثيق ما كان متداولا بالأمسيات والجلسات في فترة الزمن الجميل. ومعظم جلساتها الآن هي مع كبار السن؛ "فلهم فينا حكاية بألف حكاية"، تورد المتحدثة.

"شمس لا تغيب، دائم التواجد والحضور، سند وظل لا يفارقني"، هكذا تصف الحكواتية الشابة خالها الذي ما فتئ يوفر لها الدعم حتى إن جل هداياه لها كانت عبارة عن قصص أبرزها لرائد أدب الطفل الدانماركي هانس اندرسون، "لفها الخال بعناية وجعلها مميزة تغري كل ناظر إليها وتجعله يتلهف لأخذها"، تقول أمال.

لا تنظر أمال برضى إلى واقع الحكاية والحكواتيين بالمغرب؛ فليس من الصعب رصد غير قليل من السخط في حديث الشابة على ما آل إليه وضع المهنيين وقيدومي هذا الفن العريق، لأن زمن الحكواتي كحرفة ولّى واندثر والدليل غياب الساحات العمومية عن القيام بالدور الذي عهدته في سنوات سابقة، "ساحة سوق د برا" نموذجا.

إن المتجول بالساحات العمومية بالمغرب لا يشق عليه، حتى قبل الإنصات إلى بوح الحكواتيين، أن الفضاءات العمومية تعيش مشاكل أكبر من الحيز الجغرافي الذي تحجزه، وتعاني اختلالات، أو هذا أقل ما يمكن رصده بين ثناياها.

غالبية الساحات العمومية بمدن المغرب، خاصة تلك التي كانت تحتضن صناع الفرجة، أصبحت تعد على رؤوس أصابع اليد الواحدة تقاوم من أجل البقاء، وحالها اليوم أضحى لا يسر الناظر، وواقعها يفصح عن أن مكانها الصغير يعاني مشاكل أكبر من الحيز الذي يشغله، وماضية نحو الاندثار، وأصبحت دون ما دأبت على حمله من تطلّعات في الزمن الماضي.

وتعود أسباب خفوت إشعاع الحكواتي إلى عدة عوامل ترجع بالأساس إلى تغير ظروف عيش الناس والتحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، وفي مقدمتها انتشار التلفاز والتكنولوجيا، إلى جانب أسباب أخرى يبقى أبرزها غزو الأنترنيت، ليصبح الحكواتي عالة على نفسه.

وتطالب الحكواتية الشابة بـ"ضرورة الاهتمام والحفاظ على شيء جميل للأجيال الصاعدة الذي يحتاج إلى صقل بالاحتكاك مع حكواتيين محترفين دوليين للتعرف على تجاربهم في غياب تكوين أكاديمي لصون كل ما يتعلق بالتراث الشفهي الشعبي الأصيل".

وبقدر ما أدركت أمال أن الحكاية لا تُدعم، بقدر ما يحز في نفسها ضياعها واندثارها، وأن يصبح زمن الحكاية حكاية تروى للأجيال الصاعدة يقال في مطلعها "كان يا مكان...".