بين عالم السينما ورياضة كرة القدم .. الأفلام خالدة والمقابلات تتبدد

بين عالم السينما ورياضة كرة القدم .. الأفلام خالدة والمقابلات تتبدد

هجوم مضاد سريع، كاميرا تطارد اللاعبين كما في فيلم ويسترن، كادر كبير يقدم نصف الملعب ويتقلص الكادر كلما اقترب الهجوم من المرمى. نرى مهاجمين ومدافعين وجها لوجه في حرب ذكية. دِقة التمريرات مثل دِقة اللقطات. أربع تمريرات برازيلية كافية لعبور الملعب من مرمى الحليف إلى مرمى الخصم. لقطات ذات قدرة شرح عالية تشوّق وتبهج المتفرج الذي يكره التمريرات الخاطئة؛ لأنها مجرد حشو مثل لقطات بلا معنى. في السينما يحذف الحشو، وفي الكرة يبقى ويعرض على المباشر.

حين تصل الكرة مربع العمليات يغيّر المخرج كاميرا العرض، تصير خلف حارس المرمى وهي تمثل عينيه وهو يراقب المهاجم يستعد للتسديد. في أي اتجاه؟

يعيش المتفرج إحساس الحارس بالحيرة بفضل عين الكاميرا التي تمثل عينه... إحساس ذاتي لكل متفرج بفضل فنية الإخراج. يسدد المهاجم، ترتطم الكرة بالعارضة الأفقية. فتعرض الكاميرات ردود أفعال مدربين ولاعبين ومتفرجين يلعنون الحظ... إنه المونتاج المباشر يلتقط التوتر. ولتخفيض الإيقاع، تترك الكاميرا الملعب لتبحث في المدرجات عن جميلات أو عن طفل يتأمل ما حوله بدهشة.

يُعرض الحدث الكروي من زوايا ومسافات متعددة على شاشة التلفزيون المتلألئة. وتسمح الإعادة للمشاهدين بفحص ما فاتهم، لأنه وقع بسرعة؛ بل تمكنهم الإعادة من تحليل المراوغات وانتقاد قرارات الحكم وكشف اللاعبين العنيفين والغشاشين الذين يتساقطون في منطقة الجزاء.

وحده المتفرج أمام التلفزيون يرى كل هذا تباعا ومكرّرا أحيانا. بينما المتفرج في الملعب أشبه بمشاهد في قاعة مسرح. صار التلفزيون أشبه بشاشة سينما. كبرت الشاشات وهي بدقة متناهية وبألوان زاهية وبأسعار في المتناول وكل هذا يمتع العين.

على هذه الشاشات الجديدة، يسهل فحص عمل الكاميرا في مقابلة لكرة القدم. لقد حصل تطور في عمل مخرجي المباريات، يتجلى ذلك في:

أولا الحرص على لقطات طويلة تظهر تموقع وتحرك اللاعبين، بدل التركيز على صاحب الكرة فقط. في السابق، كنا نتابع اللاعب الذي لديه الكرة، بينما يخبرنا المعلق بانتشار اللاعبين الآخرين. الآن، تمكننا اللقطة من مشاهدة نصف الملعب دفعة واحدة.

ثانيا، يحتاج اللاعبون الذين يجرون بسرعة إلى مساحات لتحقيق التفوق على المدافعين، وهنا يحصل رونالدو وغاريث بيل على أفضل اللقطات بكاميرا طائرة تطاردهم.

ثالثا، يرتفع إيقاع اللقطات تبعا لإيقاع التمريرات في مقابلات العمالقة. بالمقابل، تفشل المقابلات المحلية في جلب جمهور كثير؛ لأن الإيقاع يكون بطيئا بسبب التمريرات الفاشلة، وتبقى الكرة غالبا في وسط الميدان، فتبقى الكاميرا مركزة على اللقطة نفسها. وهذا يولد الملل.

النموذج العالمي للقطات المسلية هو كريستيانو رونالدو الذي يلمس الكرة، فتسري القشعريرة في جلد ملايين البشر. لم يسبق لبشر أن سبّب هذه القشعريرة لكل هذا العدد من البشر في لحظة واحدة. رونالدو البرتغالي أفضل من ميسي. يلمع ميسي في برشلونة بفضل لاعبي الوسط الذين يسلمونه كرات بالميلميتر للتسجيل. وحين يفتقد هؤلاء في منتخب بلاده يفقد نجوميته.

رونالدو هو أسطورة العصر، وهو يلهم مصممي الملابس وحلاقي الشباب. والأسطورة هنا بمعنى إيجابي قبل أن تصير وعيا زائفا في عصر الشك. بدل الأساطير الميتافيزيقية تقدم الكرة أساطير حية بأجساد بهية. إنها أسطورة لاعبي كرة القدم. أساطير مُجبَرة على التعاون في الملعب.

شخصيا، في الكرة أحب اللعب الجماعي وأفكر في الكادر الفوردي. ففي أفلام المخرج "جون فورد" نادرا ما نرى ممثلا واحدا في اللقطة. نرى عدة ممثلين في انضباط لتوجيهات المخرج، وهذا يذكر بانضباط تكتيكي للاعبين الذين يديرهم المدرب. ممثلون ولاعبون يقومون بالمطلوب منهم بالضبط، دون ارتجال دون تمثيل زائد sur jeu.

تزداد كثافة هذه المشاهد وتأثيرها بينما عاش العالم تحت نسيم مونديال روسيا الذي حقن شرايين المتفرجين بوطنية فادحة. الوطنية فخر في الكرة وعار في الحروب.

الكرة تصنع المستحيل. وقد صالحت الكرة النخبة والشعب، وقد قدم هوبزباوم دليلا هو لقاء النخبة والشعب في محطة واحدة منها استخدام أغنية أوبرا نشيدا لمونديال إيطاليا 1990. مونديال كرة القدم وحده صارت فيه الصفة تعريفا.

حسب هابزباوم في "عصر التطرفات" اشتهرت كرة القدم لسهولة ممارستها في أي حيز مكشوف من المساحة المطلوبة، ويضيف أن الكرة كالسينما تفهم بغض النظر عن اللغة. صور توفر إشباعا نفسيا حتى دون فهم لغة التعليق. الكرة كالسينما تفهم بغض النظر عن اللغة، بدليل أن أشهر شخصين هما شارلي شابلن وبيليه.

ولوجه الشبه هذا تاريخ عريق. ففي بداية القرن العشرين، ركزت الحركات الفنية من سريالية ودادائية ورمزية على الفنون غير اللغوية. والنتيجة "صار الفيلم السينمائي والفنون البصرية المشتقة منه هو الفن المركزي في القرن العشرين" (إريك هوبزباوم عصر التطرفات ترجمة فايز الصُياغ المنظمة العربية للترجمة 2011 ص 893)، ووقد أثر الفيلم على ذوق البشر ونظرتهم لأنفسهم.

وجه شبه آخر: الكرة دراما أي أفعال لا كلام. والمقابلة كتاب من الصور الحية لذا وداعا للغة. هنا تستوي الكرة والسينما، كلاهما يفهم بغض النظر عن اللغة. وحدهم لاعبو الكرة ينافسون شابلن في شهرته. لكن السينما تتفوق. من يرى فيلما هو مشاهد ومن يرى مقابلة في التلفزيون هو متفرج ومن يرى المقابلة في ملعب هو جمهور. وللكلمات إيحاءاتها. الفيلم هو مجموع لقطات والمقابلة مجموع ركلات. والمقابلة تُستهلك فورا على المباشر وتفقد قيمتها حين تكون بائتة ومسجلة، بينما الأفلام تتعتق مع الزمن ويصير سحرها أكبر. والذين شاهدوا شارلي شابلن عشرات المرات وحتى بعد وفاته أكثر ممن شاهدوا مقابلة مسجلة. الأفلام خالدة والمقابلات تتبدد. دليل؟ لقطة العرّاب (مارلين براندو) يحك ذقنه ولقطة جاك وروز محلقين في مقدمة تيتانيك أكثر من تأثيرا لقطة رونالدو وهو يسجل بضربة مقص طائرا.