ذكرى رحيل صاحب "المعلم علي" .. مثقف وطني في خدمة الشعب

ذكرى رحيل صاحب "المعلم علي" .. مثقف وطني في خدمة الشعب

في مثل هذا اليوم من سنة 2017، ترجل صاحب رواية "المعلم علي" الشهيرة عن صهوة جواده، تاركاً وراءه إنتاجاً أدبياً غزيراً ومشروعاً ثقافياً كان ينهل من الفكر السياسي النبيل ويتغذى من دور المثقف الوطني الغيور على شعبه، في زمن تقل فيه القامات السياسية والفكرية من طراز عبد الكريم غلاب، القيادي الاستقلالي وأحد أبرز الكتاب والصحافيين في المغرب الحديث.

ظل عبد الكريم غلاب طيلة مسار حياته حريصاً على الكتابة حتى بعد تجاوزه سن التسعين؛ إذ عاد وهو في سنه السادسة والتسعين ليقلب مواجع النفي في المغرب من خلال إصدار تحت عنوان "المنفيون ينتصرون"؛ كما كان حريصاً أيضاَ على متابعة أدق تفاصيل تقلبات المناخ السياسي المغربي وتراجع دور الفكر والإبداع من خلال عادة استقبال نخبة من السياسيين والمثقفين والإعلاميين في بيته.

غلاب، الذي شغل منصب وزير الشؤون الإدارية في ثمانينيات القرن الماضي، من مواليد عام 1919 بفاس، درس في جامعة القرويين وأتم مشواره التعليمي بجامعة القاهرة في مصر، ونال منها الإجازة في الآداب.

ومن بين أعمال الراحل، الذي كان عضوا في أكاديمية المملكة، "نبضات فكر"، و"في الثقافة والأدب"، و"في الفكر السياسي"، إلى جانب العديد من المؤلفات، كـ"دفنا الماضي" و"المعلم علي"، و"أخرجها من الجنة".

وفي واقعة تعكس تشبث الرجل بقناعاته الوطنية رغم دفنه للماضي، نسبة إلى روايته "دفنا الماضي"، فقد قدم غلاب استقالته من جريدة "العلم" سنة 2004 إثر تعرض مقال له لرقابة من إدارة حزب الاستقلال؛ وذلك بعد توليه إدارة المنبر الإعلامي منذ سنة 1960 حتى 2004.

المسار الصحافي لغلاب كان محفوفاً بالمخاطر المهنية؛ إذ جرت محاكمته ومتابعته كمدير لجريدة "العلم" في فترات ما بين أكتوبر 1964 إلى 1997، كما سجن سنة 1969 بسبب مقال صحافي تحت عنوان: "السيادة للأمة".

دخل عبد الكريم غلاب مساره السياسي المتميز من باب "الحركة الوطنية"، وانخرط في سن مبكرة ضمن صفوف حزب الاستقلال، كما أغنى الساحة الثقافية بإسهاماته الوازنة في الأدب وقضايا الفكر والإعلام على مدى أزيد من خمسين سنة من العطاء المتواصل؛ واختاره زملاؤه المغاربة والجزائريون والتونسيون أمينا عاما لمؤتمر المغرب العربي الذي عقد سنة 1947، والذي قاد الكفاح في سبيل استقلال المغرب والجزائر وتونس.

وساهم غلاب بمصر في تحرير محمد بن عبد الكريم الخطابي في مايو 1947 من قبضة فرنسا وهو في طريقه من "لارينيون "إلى "مارسليا"، بعد 21 سنة من الأسر مع ثلة من الزعماء، أمثال الحبيب بورقيبة، وعلال الفاسي، وعبد الخالق الطريس، كما يحكي ابنه عادل غلاب لجريدة هسبريس الإلكترونية، وهو يستحضر مناقب أب استثنائي عاش حياة استثنائية.

ويقول غلاب الابن إن عبد الكريم "كان يؤمن بأن الفكر أساسي لأن استقامة العقل المنظم يمكن أن تؤدي بالفرد إلى خدمة المجتمع وتأدية الواجب نحو الوطن"، مضيفاً أن "الراحل كان يشدد دائماً على أن التربية أولاً قبل التعليم، لأن الأخير يمكن أن يلقن في جميع مراحل الحياة، ولكن التربية إذا زاغت عن خطها في مسارها الأول تنحرف شخصية الفرد".

وحول تراجع دور الفاعل السياسي في خدمة قضايا وطنه مقارنة مع عطاءات جيل الاستعمار، يقول عادل غلاب نقلاً عن والده، إن "الظروف الحالكة التي عاشها هذا الجيل إبان الاستعمار مكنته من مواجهة نكبة احتلال البلاد، وهو ما انعكس على شخصية المواطن الذي عايش هذه الفترة".

ويشير غلاب إلى أن "مجتمع الأمس كان شغوفاً بالمعرفة ويكثر من القراءة ويحسن مساعدة الآخرين"، مشيرا إلى أن "جل كتابات عبد الكريم غلاب كانت تسير في اتجاه خدمة قضايا المجتمع"، وزاد مستدركا: "لكن الجميع اليوم يهرول وراء خدمة نفسه وفقط، وهذا هو مربط الفرس للأسف".