فيلم "الحنش".. الشعب يريد الكوميديا ويرفض الوصاية على الذوق

فيلم "الحنش".. الشعب يريد الكوميديا ويرفض الوصاية على الذوق

"اضحك من قلبك مع كوميديا الموسم"، هكذا حدد المخرج والمنتج أفق فيلم "الحنش" دجنبر 2017. وسنرى إلى أي حد نجحا في التحدي الذي رفعاه.

القاعة الرئيسية ممتلئة في المركب السينمائي الموجود في كورنيش الدار البيضاء. ويتم عرض الفيلم ثمان مرات في يوم واحد وصفوف شراء التذاكر متراصة. استخلاص أولي: الشعب يحب الكوميديا. الدليل؟ حقق الفيلم 150 ألف تذكرة في شهر، بينما لم يتجاوز أي فيلم مغربي كوميدي أو غيره مائة ألف تذكرة خلال العامين السابقين.

الحنش اسم ساخر يطلق على الشرطي الذي يشبه بالثعبان. ولاسم الفيلم تجذر كبير في الثقافة الشعبية. كما أن للشرطي مكانة اعتبارية في المجتمع، وهو يد الدولة التي تقمع بها، لذلك فإن تقديمه في فيلم كوميدي يُحيي أحزانا عتيقة... يمتعنا أن نسخر ممن نخافهم.

فيلم "الحنش" كوميديا بوليسية بيضاء، شرطي طيب يطارد الديك بمسدس... محاكاة ساخرة لوضع المهنة..

يضحك المتفرج، بالرغم من فقر الشريط الصوتي المرافق في النصف ساعة الأول، وبالرغم من أن ضوء الشمس قد هزم مدير التصوير في المشاهد الخارجية، وبالرغم من أن شرطية تسير بكعب عال جدا..

كان الجمهور يتفاعل وأنا أسجل ملاحظاتي. عادة أتجنب مشاهدة الفيلم في العرض الأول والكتابة عنه انطلاقا من تلك المُشاهدة التي تتم مع "ناس المهنة" ولهم خصوصيتهم، وقد حضروا بناء على دعوات مجانية... لذلك أفضل المشاهدة مع الجمهور الذي جاء واشترى التذكرة وهو جمهور متنوع وعينة دالة... جمهور يتفاعل ولم يُخيب توقع المخرج والمنتج.

الفيلم من إخراج إدريس المريني، سيناريو عبد الإله الحمدوشي وبطولة عزيز دادس (الشرطي) ومجدولين الإدريسي (حبيبته) وفضيلة بنموسى (أمه). حين يرتجل عزيز دادس يكون أكثر قدرة على الإضحاك، الممثل الذي أدى دور الضابط الكبير باهت وقد صوّره المخرج في فضاءات ضيقة مظلمة لا تناسب بهاء السلطة. أداء مجدولين الإدريسي أكثر إقناعا، فضيلة بنموسى مؤثرة في دور الأم الحنون العاجزة عن مساعدة ابنها عمليا. لذلك تكثر من الدعاء له... في الفيلم محاكاة ساخرة للدعاء الشعبي، أمّ مقهورة تبالغ في الدعاء لابنها مع تحريف الدعاء في آخر جملة. تطلب له "خبيزة"، وهو تصغير خبزة. وهي استعارة للدعاء بالسعد والرزق الكثير المفاجئ. وهذا الدعاء من أثر ثقافة الفقر والتسول الصوفية.

يقدم الفيلم نموذجا للأم المغربية المشبعة بثقافة زيارة الأولياء، وهي لا تتوقف عن الدعاء الصالح... تشكل دعوات الأم المقهورة اقتصاديا والمحرومة عاطفيا البيئة النفسية لشخصية الشرطي. الأم الأرملة منذ وقت طويل والتي يوبخها البقال ويسخر منها الجيران... وتحمّلُ الفرد لهذا التحقير طويلا يدمر الروح، في النصف الثاني الفيلم صار الإضحاك صعبا خاصة من سلوكيات الأم البئيسة.

الفيلم كوميديا محتشمة تتجنب الترميز، كوميديا خفيفة واضحة عفيفة؛ لأن الذوق الشعبي يرفض الفحش والغموض. كوميديا تقدم بطلا جد متصل بالتقاليد... ليس له مسافة مع معيشه.. لذا، فسخريته ليست عميقة أو نقدية أو لاذعة.

في الفيلم سخرية من اليتيم الفقير الفاشل. يصفق الجمهور حتى أنه لم يخرج أي متفرج من القاعة. سخرية خفيفة تنتج تعاطفا؛ لأن هذا الشاب الفاشل هو طيب القلب جدا جدا.. لذا، يحصل على مكافأة نادرة جدا وهي العلاقة الودية جدا جدا بين أمه وحبيبته. وهذه صورة وأمنية المتفرج عن نفسه.

إنه موسم الكوميديا في السينما المغربية. وقد عرضت القاعات السينمائية المغربية ثلاثة أفلام تصنف نفسها كوميدية بغرض إرجاع الجمهور للقاعات، ولكسب شرعية شباك التذاكر. تصمد الأفلام الكوميدية طويلا في القاعات، خاصة حين تسمح للمتفرج بتحسين صورته عن نفسه. لذلك لم يتحمل الجمهور سخرية "ضربة في الرأس" الرمزية، ولا وجع "عرق الشتا" القاسي اللذين لم يصمدا أكثر من أسبوع في القاعات، بالرغم من جوائز المهرجانات التي حصل عليها هشام العسري وحكيم بلعباس.

أسهمت جاذبية الدلالة الشعبية للعنوان "الحنش" في شهرة الفيلم سريعا؛ لأن الجمهور يحب فيلم يحيل إلى شخصية محورية في الحقل السياسي. وبالرغم من النجاح الجماهيري لفيلم "الحنش" فقد وُصف بالتفاهة والتهريج والسطحية... السبب؟

أولا، لم يعْمد المخرج للتعقيد والتفلسف، وهذا ما يُرضي النقاد.

ثانيا، هناك احتقار لا شعوري للكوميديا، يبدو أن النقاد يتفقون ضمنيا مع الفقهاء في أن الضحك يميت القلب بينما هو يحييه..

كل منتوج شعبي يُنظر إليه مسبقا على أنه قليل القيمة. لذلك، فهذا المقال تحليل للفيلم ومرافعة لصالح كوميديا شعبية في وجه من يطالب المخرجين المغاربة بسينما المؤلف، فيخجلون من أنفسهم حين يرون القاعات فارغة.

بقبول تحدي شباك التذاكر يحصل تحول في الذهنية المخرج المغربي، سيتعلم الاعتراف بسلطة قانون السوق وفيه تتحدد القيمة السوقية للفنانين في شباك التذاكر.

في هذا المركب السينمائي لا تتحمل الإدارة قاعات فارغة. يهمها الجمهور لا تفلسف السيناريست والمخرج.

يا أيها المخرج: تفلسف كما تريد؛ لكن أمتع الجمهور ليشتري التذاكر.

هنا ثمن الدخول ستة دولارات ونصف، والجمهور يدخل باستمرار. من يدفع النقود يبحث عن المتعة والضحك، لا عن الخواء والكآبة.

الشعب يريد الكوميديا. ولا وصاية على الشعب.

هذا تحدّ قديم. وقد صاغه سيرفانتيس في دون كيخوته هكذا: "هيا نُضحك المتلقي ما دمنا عاجزين عن إبكائه"... وهذه إستراتيجية مربحة. إستراتيجية السخرية من الواقع على أمل تغييره أو تخفيف ألمه..

الوصفة الأفضل لقاعات مملوءة هي الكوميديا، لذلك فإن عدد الأفلام الكوميدية في تاريخ السينما أكبر من عدد باقي الأنواع الفيلمية مجتمعة. حسابيا، أفلام الكوميديا أكثر من أفلام المغامرات والدراما والمطاردات والتحليل والبورنوغرافية والحربية والمخيفة والاجتماعية والبيوغرافية والفانتاستيكية..

يؤسس النوع الفيلمي لمواضعات معينة يعرفها المخرج والمتفرج. ولهذه المواضعات أثر في فعل التلقي. على مستوى تحديد الأنواع، يعتبر النقد الأدبي أعرق وأغنى من النقد السينمائي؛ وهو محطة مرور ضرورية. يحدد أرسطو الاختلاف بين الأنواع الأدبية بناء على المادة والموضوع والطريقة. ينطبق ذلك على السينما. للنوع الفيلمي الكوميدي مادة وموضوع وطريقة.

يستحسن أن تكون المادة اجتماعية، ويكون الموضوع طريفا وتكون الطريقة ساخرة.

المادة والموضوع شائعان، لذلك فالسر في الطريقة. هنا مثلا تعرض كوميديا الموقف الفرد وهو يتورط في المعارك الخاطئة بنية حسنة. حينها، يكون في المكان الخطأ وغالبا مع الشخص الخطأ. أو يدخل في معارك قبل أوانها أو بعد الوقت المناسب. أي أن يتصرف في الوقت الخطأ. للتمييز يقول أرسطو إن الكوميديا تصور أناسا أسوء مما نعهدهم عليه بينما تصور التراجيديا أناسا أحسن مما نعهدهم عليه في الواقع. الكوميديا تصغر الفرد والتراجيديا تعظمه.

صور فيلم "الحنش" الشرطي في وضع أقل مما هو عليه، لذلك تعاطف معه الجمهور. ويمكن تقديم قراءة سياسية لنجاح الفيلم، فبينما ينتقد فيلم هشام العسري "ضربة في الرأس" الشرطة والسلطة في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، وحظي بفشل جماهيري كبير فإن كوميديا "الحنش" لإدريس المريني نجحت؛ لأنها تختزن تقديرا للشرطة الوطنية، بالرغم من السخرية الخفيفة.

في أجواء المغرب اليوم، هناك تعاطف مع عهد الحسن الثاني وحنين إليه. بالرغم من السخرية من الشرطة هناك تقدير عميق لها. لولا الشرطة لما بقي في البلد حجر على حجر. لولا الشرطة لرجعت السيبة (الفوضى).

ما زال فيلم "الحنش" في القاعات، ويعرض في بعضها أربع مرات في اليوم.