المغاربة يتجملون و"لا يغشون" .. جسد الذكورة رأسمال "رجولة جديدة"

المغاربة يتجملون و"لا يغشون" .. جسد الذكورة رأسمال "رجولة جديدة"

المكان عيادة تجميل بالدار البيضاء، والزمان زوال يوم من أكتوبر. الملاحظ هو وجود زبائن رجال فاق عددهم عدد الزبائن النساء، على عكس ما قد يتوقعه البعض من أن مثل هذه الأماكن يقتصر زبائنها على الجنس اللطيف.

أول من قابلتهم هسبريس داخل عيادة التجميل هذه كان هو عبد الله بوهام، رجل في الخمسين من العمر قدم رفقة زوجته وعلى وجهه شيء من الفرح، فأخيرا سيتخلص من شكل أنفه الذي لطالما تسبب له في عقدة نفسية سيتخلص منها اليوم.

تابعنا مسار الرجل الذي أجرى التحاليل اللازمة وهو يستعد اليوم للعملية التي تستغرق ما بين 30 و45 دقيقة، ثم بعد أسبوع سيزيل الضمادات ليتعرف على شكل أنفه الجديد. أقنعه الطبيب بأن أنفه سيتغير بشكل كامل وأن ما كان يزعجه سيختفي إلى الأبد.

يقول بوهام في حديث لهسبريس: "منذ زمن بعيد وأنا أريد إجراء هذه العملية، منذ أكثر من عشرين سنة. لم أكن أعلم سابقا أنه يمكن إجراؤها بالمغرب، ولا حتى ثمنها، لكن بعد بحث على الأنترنيت اكتشفت أنا وزوجتي أن الأمر ممكن. وما شجعني أكثر هو أن العملية تستغرق فقط 30 دقيقة".

ويضيف: "اكتشفت أن الأمر بسيط وغير مستحيل، تشجعت وأخذت قراري"، مردفا: "أحس أن شكلي بأكمله سيتغير، وسأتخلص من تلك العقدة التي رافقتني منذ زمن بعيد".

في السنوات الأخيرة لم تعد عيادات التجميل حكرا على النساء فقط، بل بات للرجال كذلك نصيب فيها، منهم من يقبل عليها مضطرا ومنهم من يرغب في تحسين شكله وتغيير ما لا يروقه بجسده.

ارتفاع في الأرقام

تؤكد المعطيات التي حصلت عليها هسبريس أن أعداد الرجال الخاضعين لعمليات التجميل في ارتفاع مستمر، كما تختلف أنواعها وتتعدد، بداية من الشعر، مرورا بالوجه، وصولا إلى الجسد.

كانت عمليات تجميل الرجال تمثل في وقت سابق 5 بالمائة من مجموع عمليات التجميل، فيما تناهز اليوم ما بين خمسة عشر وثمانية عشر بالمائة.

إقبال الرجال على التجميل أمر أكده الحسن التازي، المختص في الجراحة التجميلية، قائلا إن النسبة المئوية لطلبات التجميل عند الرجال تتراوح ما بين 15 و18 بالمائة، وقد تزايدت في السنوات الأخيرة لأنها كانت تمثل فقط 5 بالمائة.

وأوضح التازي في حديث لهسبريس أن الرجال يلجؤون إلى الجراحة التجميلية في أغلب الأحيان اضطرارا، عكس المرأة التي تجريها من أجل المحافظة على جمالها.

وأبرز المتحدث أن أكثر العمليات التي يقبل عليها الرجال تتمثل في زراعة الشعر، وتقويم الأنف أو تجميله لإعطائه المظهر الذي يتناسق مع باقي الوجه، وتعديل الصدر، وشفط الدهون من البطن والذراعين، ومعالجة اسوداد الوجه والتجاعيد.

فكرة خضوع الرجال للتجميل حديثة العهد، لم يكن يتقبلها المجتمع في وقت سابق، لكن اليوم بات يعتبرها كثير من الناس أمرا عاديا ومتقبلا، وحتى النساء أصبحن يشجعن شركاءهن على إجرائها.

هسبريس التقت التهامي فاطمة، زوجة عبد الله التي شجعته على تغيير شكل أنفه؛ فبالنسبة إليها ليس هنالك فرق بين الرجل والمرأة، فكل من أراد إجراء تجميل كيفما كان يمكنه ذلك.

تقول فاطمة: "بالنسبة لي، أن يجري الرجل عملية تجميل أمر عاد، فالتجميل لا يقتصر على النساء فقط، وبالتالي حتى الرجل إذا كان هناك شيء ما لا يروقه أو يسبب له عقدة نفسية، يمكنه إجراء العملية لإزالته والتخلص من عقدته".

تعديل الصدر

رأي فاطمة هذا يتقاسمه معها خالد، شاب في الـ 24 من العمر، جاء من مدينة الرباط إلى عيادة بالدار البيضاء من أجل إجراء عملية على صدره.

يتساءل خالد: "لمَ لا أجري العملية؟ فأي شخص غير مرتاح بجسده يمكنه تغييره"، مضيفا: "لا يوجد فرق بين رجل أو امرأة في هذا الموضوع، الجميع سواسية، كل شخص حر في حياته".

ويؤكد خالد أن إجراء العملية سيجعله مرتاحا أكثر، موردا أنه خلال مرحلة عمرية أصبح صدره يكبر أكثر من الطبيعي، مما بات يشكل له عائقا ويشعره بالإحراج.

وقبل إجراء العملية، حصل المتحدث على جميع المعلومات اللازمة، بل وكان ملما بكل التفاصيل، مؤكدا أن الأمر يرتبط بغدة على مستوى الثدي، إضافة إلى بعض الدهون الملتفة حولها، التي سيعمل المختص على إخراجها من خلال إحداث ثقب صغير أسفل الصدر.

ويؤكد التازي أن هذا النوع من العمليات من أكثر عمليات التجميل التي يجريها الرجال، خاصة أن شكل صدر الرجل إذا ما فات حده يشكل له إحراجا حتى أمام أقرب المقربين له.

ويقول: "هذا أمر محرج لكثير من الناس ويمنعهم من ممارسة حياتهم بشكل طبيعي، فقد زارني رجل لم يسبق له أن خلع ثيابه أمام أبنائه وأحفاده، وآخر لم يسبق له أن أزال قميصه أمام زوجته ولم يرافق أبناءه إلى البحر أو الحمام"، مضيفا: "هؤلاء يحرمون من أشياء كثيرة في الحياة، في حين يمكنهم إصلاح الوضع بعملية جراحية لا تستغرق أكثر من ساعة واحدة".

ميلاد رجولة جديدة

إقبال الرجال على عمليات التجميل حتى وإن تزايد في السنوات الأخيرة، إلا أنه لا يمكن أن نقول إنه أصبح ظاهرة مجتمعية، بل هو نتاج لتغيرات المجتمع الذي بات يولي الأهمية أكثر فأكثر لشكل الإنسان، ويقول عنه البعض إنه ميلاد لرجولة جديدة.

في هذا الإطار، شرح عبد الصمد ديالمي، أستاذ علم الاجتماع، أن الرجل في الثقافة التقليدية كان يعرف رجولته انطلاقا من وضعه الاجتماعي كرجل مسيطر سائد فقط لكونه رجلا، وارتباطا بما أسماه "الفحولة والقدرة المالية والمنصب الاجتماعي"، و"الآن وقع هذا التغير وأصبحنا أمام رجل جديد يعطي الأهمية لمظهره الخارجي ليس فقط على مستوى اللباس، بل على المستوى الجسدي، وأصبح الجسد رأسمالا جديد للرجل الجديد".

وتحدث ديالمي في لقائه مع هسبريس عما أسماه "ميلاد رجولة جديدة" ليس فقط بالمغرب، وإنما في العالم ككل، قائلا إن "إقدام الرجال على الجراحة التجميلية ليس منافسة ولكن اشتراكا مع المرأة في استغلال رأسمال المظهر الذي يستثمر في إطار العلاقات الاجتماعية، فالرجل الوسيم مقبول منذ الوهلة الأولى قبل أن ينطق ولو بكلمة".

تجميل اضطراري

إذا كان بعض الرجال يخضعون لعمليات التجميل طواعية، فالبعض الآخر يجد نفسه مضطرا لذلك، ترغمه الظروف على اللجوء إلى عيادات التجميل كنوع من العلاج لإصلاح ما أفسدته عوامل خارجية كالحوادث، أو حتى تصليح ما ولد معه من عيوب خلقية، وتعطي أملا جديدا لأناس تغيرت حياتهم فجأة.

رشيد العندة، 27 سنة، واحد ممن اضطرتهم الحياة إلى إجراء تجميل بعد أن تعرض لهجوم شوه ملامح وجهه وأدخله في كابوس لم يكن يوما يتوقعه.

يقول العندة الذي يسافر بشكل أسبوعي من تطوان إلى الدار البيضاء من أجل الخضوع للعلاجات اللازمة، في حديث لهسبريس، "لم يسبق لي أن فكرت يوما في إجراء عملية تجميل، لم أكن أحتاج إليها؛ فوجهي الذي رزقني به الإله كنت راضيا به. اليوم أجدني مضطرا لإجراء العملية، خاصة أن نظرة المجتمع باتت تؤرقني، وكل من ينظر إلى وجهي يساوره الخوف، وهو ما يؤثر على نفسيتي ويجعلني لا أبرح منزلي إلا من أجل زيارة الطبيب".

ويضيف قائلا: "أملي اليوم مرتبط بعملية التجميل التي سأجريها... أتمنى أن تزيل التشوه من وجهي لأسترد حياتي".

للدين رأي

تجميل الوجه والجسد كان دائما مثار اختلاف ديني، سواء تعلق الأمر بالنساء أو بالرجال. ويؤكد علماء الدين أن تغيير سحنة المرء بشكل كامل حرام شرعا.

يقول لحسن السكنفل، رئيس المجلس العلمي لعمالة الصخيرات تمارة، إن "مسألة التجميل الأصل فيها الإباحة لكن تعترضها بعض الأحكام، بمعنى أحيانا تكون حراما وبعض الأحيان تكون واجبة وبعض الأحيان مكروهة وأحيانا مندوبة".

ويضيف: "الأصل في الخلقة أن الله خلق الإنسان في أحسن تقويم، لكن قد يخرج الإنسان للحياة وبه عيب خلقي، في هذه الحالة يجوز التدخل لإجراء جراحة تجميلية لإخفاء ذلك العيب الخلقي. وفي بعض الأحيان تكون حادثة تؤدي إلى حروق أو تشوه في الجسم الظاهري، فيجوز التدخل لإجراء عملية جراحية تجميلية. وأحيانا يكون هناك مشكل الهرمونات التي تؤدي إلى السمنة، فيمكن اللجوء لشفط الدهون أو ما يسمى بالتخسيس. هذا كله جائز بشرط أن يكون تحت مراقبة طبية تحفظ للإنسان حياته".

ويردف السكنفل: "أما ما نراه وما نسمع عنه من تغيير في السحنات، فهو يدخل في إطار التجارة التي يعرفها عالمنا، سواء من طرف هؤلاء الذين يشتغلون في ميدان التجميل أو عبر عمليات الإشهار التي تفرض على الإنسان عامة، وعلى المرأة خاصة أن تكون بشكل معين، وهذا قد يصل إلى درجة الحرمة".

وتبقى مسألة الاهتمام بالمظهر الخارجي بالنسبة للرجال متفاوتة من شخص إلى آخر، ويظل الجانب المادي عنصرا أساسيا يحسم في مدى إقبال الرجال على مراكز وعيادات التجميل.