قصة عملة الدرهم .. هكذا تصنع "دار السكة" الأوراق النقدية للمغاربة

قصة عملة الدرهم .. هكذا تصنع "دار السكة" الأوراق النقدية للمغاربة

يعد إصدار العملة واحدا من المهام المنوطة حصريا ببنك المغرب، يسهر على تلبية حاجيات الاقتصاد الوطني من العملة الائتمانية التي تشمل الأوراق النقدية والعملات المعدنية، ودار السكة هي واحدة من مديريات بنك المغرب، تصنع سنويا أزيد من مليار ونصف مليار ورقة بنكية ومائة مليون قطعة نقدية عبر سلسلة إنتاج معقدة وأيضا مؤمنة.

هسبريس ولجت دار السكة وتتبعت مسار صناعة النقود بها، بدء بتحديد التصميم إلى عودة النقود المهترئة إلى المؤسسة نفسها.

اختيار التصميم

أولى خطوات صناعة المال تبدأ بتحديد التصميم المناسب لهذه الأوراق والقطع النقدية، وتتوفر دار السكة على مهندسين متخصصين في هذا المجال، تحافظ على سرية هوياتهم لأغراض أمنية.

هسبريس التقت مريم التوهتوه، رئيسة قسم التسويق والتطوير بمديرية دار السكة، التي أوضحت أنه سواء تعلق الأمر بالأوراق النقدية أو العملات المعدنية، فإن مراحل الإنتاج تبتدئ بعملية البحث والتصميم التي تتضافر فيها جهود المهندسين والكميائيين والمصممين، وذلك من أجل الوصول إلى اقتراحات حول تيمة الموضوع المنتوج.

وبعد ذلك، تتم مرحلة التصميم واقتراح مجموعة من التصاميم، وفي الأخير يتم انتقاء التصميم الذي يستجيب على النحو الأنجع للمتطلبات الجمالية والفنية والتقنية والوظيفية للمنتوج.

بعد الانتهاء من عملية التصميم، يتم الشروع في عملية تصنيع صفائح الطباعة، وهي الصفائح التي يتم استخدامها في مختلف مراحل الطباعة، وتتنوع بدورها إلى أشكال متعددة كصفائح الطباعة البارزة مثلا، ومن أجل ذلك يتم استخدام تقنيات متطورة مثل النقش بالليزر.

طباعة المال

ياسين أمل، مساعد مدير دار السكة، شرح في حديث لهسبريس أن أول مرحلة لطباعة المال تبدأ بطباعة ما يسمى بـ"الأوف سانك"، وهي تقنية تمكن من طبع الرسوم الخلفية الغرافيكية للأوراق البنكية على ظهر ووجه هذه الأوراق.

وأبرز أمل أنه بعد ذلك تتم الطباعة البارزة، وهي المرحلة التي يتم خلالها طبع علامات بارزة يمكن استشعارها باللمس، موردا أن الأمر يتعلق بـ"عملية جد معقدة يصعب تقليدها من طرف المزورين"، فيما المرحلة الثالثة هي الطباعة بالشاشة الحريرية، ويتم خلالها طبع أشكال هندسية بأحبار خاصة مؤمنة، وهذه الأحبار تغير لونها بتغير زاوية الملاحظة.

المرحلة الموالية التي ذكرها المتحدث تتعلق بطباعة رقمين تسلسليين متطابقين على ظهر كل ورقة، وآخر مرحلة من عملية الإنتاج هي مرحلة التقطيع والتلفيف، ليأتي الدور من جديد على عملية مراقبة الجودة باستخدام آليات عالية الدقة.

مراقبة الجودة

على مدار عملية الإنتاج تخضع الأوراق المالية لمراقبة جودتها، وتبذل دار السكة كل جهودها من أجل الرفع من مستوى جودة الأوراق البنكية وسلامتها، وكذلك تعزيز مقاومتها لجميع المخاطر، كالتزوير والتلف، التي تتعرض لها بمجرد طرحها للتداول.

وتقول سلمى الطاهري، مسؤولة قسم الجودة وتتبع المنتوج، إن "دار السكة تتوفر على مختبر خاص بها مجهز بمعدات متطورة وكذلك كفاءات عالية من أجل القيام بتحاليل واختبارات لمراقبة ومطابقة الجودة بالنسبة للمواد الأولية، كالورق والحبر والقطع النقدية، وكذلك للأوراق النقدية".

وتضيف المتحدثة: "تتوفر هذه المواد الأولية، كالأوراق مثلا، على عدة عناصر الأمان، كصورة صاحب الجلالة على شكل الصورة المائية وخيط الأمان، وعدة عناصر أمان أخرى غير مرئية، لذلك نستعمل عدة أجهزة لمراقبة ومطابقة هذه العناصر، كالأشعة فوق البنفسجية وتحت الحمراء".

من أجل تعزيز مقاومة الأوراق البنكية لعوامل الاستعمال، تتم إضافة طلاء شفاف يحتوي على مادة واقية للأوراك البنكية.

وتقول مريم التوهتوه، رئيسة قسم التسويق والتطوير بمديرية دار السكة، إن الأوراق النقدية تتوفر على أكثر من 20 علامة أمان تساعد على حمايتها من مخاطر التزوير أثناء التداول، من بينها مجموعة من العلامات المخصصة للعموم يمكن التعرف عليها بالرؤية فقط، مثل العلامة المائية وخيط الأمان والأحبار متغيرة الألوان حسب الرؤية، وأخرى يمكن التعرف عليها باللمس كالطباعة البارزة.

وتبرز المتحدثة أن هناك علامات معدة خصيصا لضعاف البصر، قائلة: "نجد في هذه الأوراق علامات أخرى يمكن التعرف عليها باستعمال الأدوات المناسبة، كالمكبر من أجل التعرف على الطباعة المجهرية، أو كذلك استعمال الأشعة فوق البنفسجية أو تحت الحمراء".

القطع النقدية

مراحل إنتاج الأوراق النقدية نفسها يتم اتباعها لصناعة القطع النقدية بمختلف أنواعها، وتنطلق العملية بصناعة أدوات الصك، وتتم بتقنية النقش ثلاثي الأبعاد، وتفضي هذه العملية إلى الوصول إلى أدوات عالية الدقة، يتم تركيبها على آليات الصك، وبها يتم استخراج أكثر من سبع مائة قطعة نقدية في الدقيقة الواحدة. بعد عملية الصك يتم عد وتلفيف القطع النقدية بواسطة نظام آلي متطور.

مراقبة مشددة

دور دار السكة لا ينتهي بمجرد إنتاج الأوراق والقطاع النقدية، بل تشرف على عملية مراقبة المنتوج، وهي عمليات تتم تحت مراقبة مشددة لمصالح الأمن الداخلية التابعة لبنك المغرب، فيما عناصر الدرك الملكي تضمن حماية ومراقبة محيط المنشأة المشيدة على مساحة تقدر بعشرين هكتارا.

وتقول الطاهري: "بالإضافة إلى نظام الجودة الذي يشمل جميع مراحل خط الإنتاج، تتوفر دار السكة على نظام تتبع المنتوج الذي يعتمد أساسا على عدة آليات وأنظمة، المدمجة منها وغير المدمجة، وتخضع جميع العمليات المنجزة بدار السكة إلى تحقق ومراقبة دقيقين، ويتطلب الولوج إلى الخزائن المخصصة لحفظ الإنتاج تدخل أشخاص ينتمون إلى مصالح جد مختلفة توكل إليهم هذه المهمة حسب معايير مضبوطة".

وتتوفر دار السكة على أزيد من 300 مستخدم ومستخدمة، يعملون على إنتاج أموال ونقود المغاربة، كما توكل إلى هذه المؤسسة مهمة إنتاج وثائق مؤمنة مثل جوازات السفر البيومترية.

وتقول التوهتوه إن دار السكة التي تم تدشينها في مارس 1987 تتوفر على مجموعة من الوحدات الصناعية الأخرى المكلفة بصناعة وثائق مؤمنة أخرى، وتصدر سنويا أزيد من مليون ونصف مليون جواز بيومتري.

نجاعة عمل دار السكة جعلتها تتكلف أيضا بمهمة إنتاج أموال ونقود دول أخرى وضعت ثقتها فيها، لتكون واحدة من بين المؤسسات المتمتعة بخبرة وتجربة واسعتين معترف بهما على الصعيد العالمي.