قدماء العسكريين بأزيلال .. رحلة اليأس في تخوم الصحراء الرهيبة

قدماء العسكريين بأزيلال .. رحلة اليأس في تخوم الصحراء الرهيبة

مدينة نَسيها الزمن تسطع فوقها سماء متوردة قاسية مصقولة كالمرآة، تبدو بمظهر بديع بأسوارها الموغلة في القدم وبُيوتها البديعة المعمار..كل السحب في السماء تتسابق نحو جبال أزيلال المُثقلة بماضٍ كئيب وحاضرٍ مرير، منحدرات سحيقة غارقة بظلال الليل الحالِكة. السيارة تعلو وتهبط فوق طريق جبلي متعرج كثير المطبات والمنحدرات، الطريق ضيّق يفرشه حصى صغير، بعض الأغنام تنطلق بلا راع تلملم الحشائش الجبلية، ترفع إلينا رؤوسها في جمود، ثم تعود إلى بحثها عن الطعام.

واصلت السيارة الصعود بين دروب جبال الأطلس، وفي الأسفل بدا بريق التربة التي كانت تكسوها بقع خضراء من الغابات، وأخرى بيضاء من الثلج. لقد تغير الديكور فجأة، ويبدو كأن ستاراً قد أزيح عن تلك الجبال.. ازدادت سرعة السيارة وتركنا الظلام وراءنا شيئا فشيئا، لتلوح خيوط الفجر الفضّية.. أشرقت الشمس وبدت زرقة السماء، ها هي مدينة تقبع هادئة بين أحضان الأطلس، تنسل إلى الأنوف رائحة مميزة لا يوجد مثيلها إلا في أزيلال؛ هي خليط روائح ممزوجة برائحة القسوة والعذاب الإنساني.

جريدة هسبريس شقّت جبال أزيلال، ونقلت شهادات قدماء العسكريين والمحاربين الذين عاشوا في تخوم الصحراء سنين طويلة، تلبية لنداء الوطن خلال السبعينيات، في منطقة لطالما عرفت بـ "هجرة" أبنائها صوب الثكنات العسكرية، فالمسيرة الخضراء لم تكن سوى نقطة البداية خلافا لما يعتقد الكثيرون، لتبدأ عملية تحرير الصحراء المغربية منذئذ، واندلعت بذلك حرب ضروس كان وقودها الجنود الذين عاشوا أشد الكوابيس في تلك الفترة، لكن موسم العودة للديار لم يكن سهلا البتة، بفعل الذكريات الكئيبة التي أنهكت أعصابهم.

رهبة الصحراء

الساعة تجاوزت الحادية عشر زوالا. المكان وسط مدينة أزيلال. التقينا بجنود كابدوا الويلات في الصحراء القاحلة، سافروا بنا إلى ماضيهم الأليم، ليسردوا لنا جزءاً من جعبتهم التي لا تنضب من القصص والروايات. تشبثوا بالحلم الذي كان دائما مظلة للأيام التي ستأتي، وهكذا بدأت رحلة ضياع جديدة في الصحراء البعيدة، إلى أن جاءت صدمة الواقع لتقول بصوت عالٍ: "حمْل السلاح ليس بالأمر الهيّن، إنه أصعب مما كنا نتصور"، ومن هنا كانت فجيعة الاكتشاف وقسوة التجربة.

محمد فنان، أحد قيدومي المؤسسة العسكرية، يروي لجريدة هسبريس الإلكترونية قصّته المليئة بالفظائع والمآسي، وهو الذي يحمل على كاهله 27 سنة من الآلام، قائلا: "ولجت الجيش وأنا ابن الثمانية عشر سنة.. أديت واجبي في كل من طانطان وأكادير والداخلة وبنكرير"، قبل أن يضيف بلغة ملؤها الاستياء: "دُمّرت حياتي في الحقيقة، فالحياة داخل الصحراء كانت مُذلة ومهلكة في آن واحد، بل كانت رهبة الصحراء أكثر وحشة وعزلة، لأن المنطقة تعرف فصلين فقط؛ الحر خانق لا يطاق أبدا في الصيف وبرد المنطقة أقسى من أي برد آخر".

"الصحراء كانت غارقة في البؤس الشديد.. غيّرت كل شيء، واقعنا المرير والبائس أيضا في الجبال كان أحسن منها بكثير"، يورد محمد، وزاد: "لم أستطع تحمل ذلك.. إنه فوق طاقتي، لقد وصمت حياتي بالعذاب إلى الأبد"، ليغوص بعدها في ذكرياته وتأملاته لحظات قليلة. دمعات مزقت سكون الصمت لم يستطع معها الكلام، مشقة الصحراء تركت أثرا بالغا عليه، مردفا: "كنت أجمع عظام أصدقائي الذين يسقطون قتلى. ذات يوم، كنّا نجمع عظام ومخاخ 52 شخص لنرميهم في حفرة كبيرة يتم تغطيتها بالرمال".

ومضى ساردا: "القمل غزى أجسادنا واللحم مغطى بالرمال، الماء حار أشبه بالدم، وإذا كنا محظوظين نحصل على قنينة مياه بسعة خمسة لترات يتقاسمها أفراد المجموعة، التي كان عدد أفرادها ثمانية. نستيقظ في الرابعة صباحا، ونبدأ في التنقل بين قفار الصحراء، مُواصلة لعملنا المعتاد، كميات الطعام هزيلة، الهزال واصفرار الوجوه يكون بادياً على الجميع، إلى جانب نوبة الحراسة التي كانت تدوم أربع ساعات يوميا. كما لم أكن أزور أسرتي طيلة سنة كاملة، إلى درجة أن أبنائي لم يتعرفوا علّي طيلة فترة من الزمن".

ليالي السهاد واليأس

أعطوا كل ما كان لديهم من طاقة وقوة، قاوموا وتصبّروا وعضضوا على جرحهم وألمهم وتمسكوا بالحياة لأجل أسرهم فقط. اعتادوا على الإنهاك والتعب، ظنوا أن أيام البؤس والشقاء سوف تعرف النهاية، لكن لجج اليأس العاتية ظلت تتقاذفهم داخل صحراء محفوفة بالأخطار والهواجس، لأنهم كانوا مجبرين على تنفيذ الأوامر العليا. لقد مزّقهم الشعور بالمأساة إثر الكوابيس التي لا يجرؤون على البوح بها، عيونهم المشعة المتسائلة بترت آخر الأفكار التي تعطي تبريرا لأن يبكوا.

لحسن أيت أمزيل، متقاعد عسكري، التحق بالجيش سنة 1974 في قصبة تادلة، ليتوجه بعدها صوب الصحراء سنة 1975 التي اشتغل فيها إلى حدود 2000. الآلام أصبحت تنتشر في جسده مثل انتشار النار، وقد كان المشي بالنسبة له في تخوم الصحراء عذابا لا نهاية له، إلى درجة أن فكرة الرجوع لقريته كانت تغزو رأسه ويفكر فيها كأمنية مستحيلة، بحيث قاتل في "أم دريكة" الرهيبة والصومال أيضا، مما جعله مسكونا بالهلع وغارقاً في أمراض مزمنة.

واسترسل لحسن بالقول: "احتملت بشق النفس ظروف الحياة، سقط الكثير من أصدقائي ضحية الأمراض الفتاكة، عشنا ليالي السهاد واليأس، فالبرد كان يجمدنا والجوع يضنينا، إذ لم يصل أحد الجنود إلى الشعور بالشبع أبدا، بل بالعكس كانت سوء التغذية جّلية، فقد اضطررنا مرارا وتكرارا إلى شرب بولنا للبقاء على الحياة، لكن الجوع زادنا شراسة وعدائية للدفاع عن حوزة الوطن، بفضل العقلية العسكرية التي أكسبتنا بعض العادات الكفيلة بالحفاظ على حياتنا".

يؤكد لحسن بلكنته القروية، والحزن يغزو ملامحه، أنه عاش حالة مزرية طوال سنين، قبل أن تنزلق من عينيه بعض الدموع التي أفقدته القدرة على قول أي شيء.. خيّم الصمت الرهيب على المكان ثوانٍ عديدة، بحيث أردنا تكسير رتابة الصمت عبر طرح أسئلة عدة حول كيفية صموده في القفار، لكنه قطع كل دابر أسئلتنا وأجابنا دفعة واحدة؛ "نجحت في الصمود بفضل عائلتي الصغيرة التي شدّت أزري وأمدتني بالأمل وزودتني بالصبر".

شجاعة متهالِكة

لحسن وعزان، (62 سنة)، من أبناء المنطقة، التحق برفاقه المحاربين سنة 1980، يسرد بعض الذكريات التي كان ينفضها عنه ليعود إلى الواقع، مؤكدا أن هذا الواقع المرير هو الذي ينتشله من شروده الدائم، وقال: "كنّا نتقاسم بصلة وحيدة بين أربعة جنود.. كان طعامنا هو بصلة واحدة في كثير من الأحيان، حتى الفئران لم تكن تقدر على تناولها، دون إغفال محنة الجوع الشديد والعطش، وكم شربنا بولنا لكي نعيش وندافع عن الوطن، لأن الآبار ولا شركات الماء لم تكن موجودة آنذاك".

"اشتغلنا مجانا لدى الدولة لأن الأجر الشهري كان ضئيلا للغاية، إذ كنت أغيب عن أسرتي طوال 16 شهرا، لم أعد أعرف أبنائي، ذلك أنني كنت أعود للصحراء عبر طائرة البوينغ بهدف ربح الوقت، ومن ثمة الدفاع عن الوطن، رغم كلفتها المرتفعة التي تقدر بخمسة آلاف ومائتين ريال، ومع ذلك وصلنا إلى الكركارات.. نحن من حرّر البلاد حقيقة، لأن السياسة لم تنفعنا في أي شيء، فالمناطق التي حررناها هي التي مازالت لحدود الساعة"، يتحدث لحسن والغبن بادٍ على ملامح وجهه.

البركان يتأجج في صدر لحسن، الذي يتطلع بتساؤل وحيرة نحو السماء المشمسة، ليستطرد قائلا: "حينما يسدل الليل عباءته السوداء الحالكة أبدأ الاستغاثة والتوسل، لأن عمري وشبابي ضاع، بعدما تسبب هذا الدرب الطويل والشائك من المقاومة والتحدي في تهالك شجاعتي.. كنا نصل إلى حافة الموت المحتّم، لكن يداً خفية كانت تمتد إلينا وتنتشلنا من السقوط في الهاوية".

"العدالة لم تنْتقم للجنود"

حينما انتهت فترة الخدمة العسكرية، وجدوا أنفسهم مصابين بأمراض خطيرة تكاد تطيح بهم، ليصيروا بذلك معلّقين في هذه الحياة بخيط واهن جدا، ومع ذلك مازالوا متشبثين بالصبر والتجلّد، بعدما نجحوا في طرد شبح اليأس وقرروا التعايش مع هذا الواقع الجديد، لأنه الخيار الوحيد أمامهم، لكن "العدالة لم تنتقم لنا لحدود الساعة"، وفق تعبيرهم، بفعل المطالب العديدة الني ينادون بها، على رأسها "المساواة" بين معاشات قدماء العسكريين والمحاربين ومتقاعدي القوات المساعدة، داعين إلى صرف "واجبات التنقل بالأقاليم الصحراوية التي هي في ذمة الدولة، لأن الحقوق لا تلغى بالتقادم".

محمد الصنهاجي، أحد متقاعدي القوات المساعدة، انخرط في الجيش سنة 1975، ليغادر صوب الصحراء سنة 1976، حمل السلاح في آسا والزاك والمحبس وغيرها. يشكو محمد من "تهميش مختلف الحكومات المتعاقبة"، وزاد: "34 سنة من الخدمة العسكرية للدفاع عن حوزة البلد الغالي علينا، الذي أفنينا فيه زهرة شبابنا، لكن واقع الحال أن العديد من المتقاعدين يكنسون الشوارع أو يشتغلون كباعة متجولين، بينما الأرامل حدث ولا حرج".

"نحن لا نعترف بحكومة ولا برلمان ولا خدام الدولة.. نحن هم خدام الدولة الذين تركنا أبناءنا بدون تعليم، من أجل تلقي رصاصات الأعداء في الصحراء"، مثلما جاء في شهادة الصنهاجي، ليردف: "ولو منحوني مليونين في الشهر، فإنهم لن يستطيعوا تأدية الأهوال التي قاسيتها في الصحراء"، مُطالبا القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية بالتدخل في الموضوع لكشف ما يسميه "تلاعب الحكومة".

أما لحسن أيت أمزيل، المتقاعد العسكري، فيشتكي بدوره من التقاعد "الضئيل"، وقال: "لدي ابنة تتابع دراستها في الجامعة بدون منحة، وأنا الذي أتقاضى 1800 درهم في التقاعد، علما أنني أتوفر على أربعة أبناء.. في وقت الأزمات الصحية، يضطر الجنود السابقون إلى التسول أمام أبواب المساجد بغرض نيل مصاريف العلاج، بل هنالك من يشتغل في الأسواق أحيانا، بينما تضطر بعض الأرامل إلى الارتماء في أحضان الدعارة، بحيث توجد بعض الأرامل اللائي يتقاضين 200 درهم في الشهر".

لحسن وعزان، الذي ولج الجيش حينما كان عمره لا يتعدى عشرين سنة، يشكو بدوره "التهميش والإقصاء"، ليضيف: "لقد أنكرتني الدولة.. تقاعدنا هزيل للغاية؛ لأن ثلاثين سنة من الخدمة العسكرية صرت أتقاضى منها سوى 25 ألف ريال فقط، فضلا عن الأمراض المزمنة والخطيرة التي نعانيها، من قبيل الضغط الدموي وداء السكري، بل إن قرار التداوي بالمجان غير مُفعل في إقليم أزيلال، لأننا نضطر إلى التداوي بأموالنا الخاصة".