"شيخات المغرب" .. من عهد القيّاد إلى تحدي "داعش" وتأييد الملك

"شيخات المغرب" .. من عهد القيّاد إلى تحدي "داعش" وتأييد الملك

وسط سطوة التعبيرات الفنية الشبابية العصرية، ينجرف المغاربة من حين لآخر إلى لون غنائي شعبي يظهر فجأة سيطرته على مواقع التواصل الاجتماعي، ولعل أغنية الشاب يونس البولماني وفرقة «العونيات» خير دليل على أن التراث الفني المغربي لا يزال يفرض نفسه من حين لآخر.

وكانت لفرقة «العونيات» ميزة خاصة عن يونس البولماني الذي غنى عن حبيبته السابقة، فالفرقة النسائية غنت بكلمات حملت شحنة سياسية كبيرة، وأثارت انتباه عموم المغاربة بمناشدتهن الملك بالمضي قدماً في التنمية، وطالبن بتشغيل الشباب ومواجهة "داعش".

وتدخل هذه الفرقة النسائية ضمن الشيخات، اللواتي كن دائماً يُوسمن بالبغاء بشكل مجحف، وبمحدد أخلاقي بعيداً عن الممارسة الفنية والجمالية، حتى وصف الشاعر حسن نجمي مصطلح الشيخات بـ«الاسم المغربي الجريح». وهن لم ينلن حظهن من التعريف كثيراً، رغم صنعهن الفرجة والفرح في الأعراس والاحتفالات في كل جماعة.

وتدخل فرقة «العونيات» ضمن الشيخات، ويقابلهن الشيوخ، وهن نساء مغنيات راقصات بالمغرب، كما يمكن أن يكون بعضهن عازفات على الآلات الموسيقية، ويطلق عليهن في مراكش العياطات.

وتختلف أسماء فرقهن حسب مناطقهن مثل العزوزيات والسليمانيات للتمييز بينهن بسبب الكثرة. وقد كشف نجمي في كتابه «غناء العيطة» أن لفظ الشيخات يوجد لدى الجزائر أيضاً إلى جانب العزريات، في حين يستعمل التونسيون لفظ الماشطات.

ويعتبر نجمي في كتابه السابق أن الشيخات يشكلن مؤسسة اجتماعية حقيقية لها نظامها وعاداتها وتقاليدها المهنية والفنية، نظراً إلى ارتباطهن أصلاً ببنية المجتمع القروي وممارستهن الفنية واعتمادهن على الدوام في صناعة الأفراح وإقامة الاحتفالات، وهن يتحملن مسؤوليات اجتماعية بإعالتهن طفلا أو أكثر.

الحضور النسائي في الغناء

يقول حسن نجمي في حديث لهسبريس إن غناء النساء في تاريخ المغرب يعود إلى الدولة الموحدية. ويورد في هذا الصدد ما دونه عبد الواحد المراكشي في «المعجب»، بأن يعقوب المنصور الموحدي حين زار جده في توبقال بالأطلس الكبير استُقبل من طرف النساء بالدفوف، ويعني هذا أن حضور المرأة في الغناء التقليدي ليس ظاهرة جديدة.

وفي العصر المريني، يورد الباحث في كتابه أن حضور النساء المغنيات كان قوياً في المحلات السلطانية، ولعبن دوراً في تحفيز وتقوية الجند عن طريق الأغاني والزغاريد وعبارات التشجيع. أما في بداية العهد العلوي، فيستعيد الباحث مشهد قصر المولى إسماعيل بمكناس حيث كانت هناك زهاء أربعمائة من الموسيقيات.

واستمر الأمر إلى اليوم، فنجد الشيخات في عدد من المدن، وفي الأطلس توجد العديدات ممن لا يزلن يؤدين الأغاني ويحضرن الأعراس والاحتفالات بالغناء بالأمازيغية، إضافة إلى مشاركتهن في البرامج التلفزية، والشيء نفسه بالنسبة إلى الشيخات في المناطق الناطقة بالدارجة مثل دكالة وآسفي والشياظمة، واللواتي ما زلن يرتبطن بالعالم القروي أكثر من الحضري.

أساسيات الشيخة وسمعتها

يعتبر الجمال والصوت الجيد والمهارة في الأداء واحترام أصول المهنة من المحددات الأساسية للشيخة المقبولة والمؤثرة فنياً واجتماعياً في السابق، وهناك من كانت تمتلك إلى جانب ذلك موهبة التواصل الإنساني والقدرة على تلقين النساء كل جديد في الثقافة النسائية.

وكانت الشيخات يؤدين الغناء العيطي، ويؤدين أيضاً قصائد الملحون والغرناطي وعشرات الأغاني والبراويل الحرة، خصوصاً شيخات الحواضر الإمبراطورية العتيقة كمراكش وفاس، وأحياناً شيخات آسفي والدار البيضاء والرباط وبني ملال. كما كانت الشيخات يجمعن بين الغناء الدنيوي والإنشاد الديني أو ما يسمى بـ"الحضرة".

لكن ظلت السمعة السيئة ملتصقة بالشيخات في المغرب، وذلك «ليس إلا تعبيراً عن إرادة مجتمع لا يرضى للمرأة إلا بوضع الأم أو الزوجة أو الأخت» حسب كتاب «غناء العيطة»، على الرغم من كون المجتمع يستهلك الإنتاجات الفنية، ويدعو الشيخات في مختلف المناسبات للتعبير نيابة عن الجميع عن الفرح وأحزان الحياة.

ويشير نجمي في كتابه قائلاً: «لو تأملنا في العمق، سنجد أن الشيخة تستمد قوة حضورها من الجماعة، وفي نفس الآن تستمد من الجماعة ضعفها، إنها تصنع وتزرع الفرح في نفوس الأفراد والجماعات وتتلقى منهم في المقابل وبكيفية مفارقة ما يخدش صورتها ويجرح كيانها الداخلي".

هذا الأمر، حسب نجمي، مرده إلى كون المجتمع يعيش حالة انفصام بسيكولوجية بين الانشداد إلى التطهرية الزائفة أو نفاق المظهر الأخلاقي وزيف الوقار الاجتماعي من جهة، ومن جهة أخرى تحقيق حاجاته الاجتماعية والثقافية والفنية، ومن ثم أصبح المكان الذي تزدهر أو تنتصر فيه الشيخة هو نفسه مكان خسارتها.

ويوضح الباحث في الغناء النسائي التقليدي أن "ممارسة الشيخات في المغرب للعمل مقابل أجر ظاهرة بدأت في القرن التاسع عشر، مع بداية نظام الأجر بمعناه الحديث وظهور المقاهي في الشواطئ المغربية وبداية تحديث المجتمع".

كما أشار إلى أن هذه الظاهرة "برزت أكثر مع المجتمع المغربي المحافظ في الأعراس والاحتفالات، التي تخصص النهار للنساء والليل للرجال. وبذلك يحظى المجتمع النسائي بفرقة نسائية تغني وتقدم فنون الفرجة المسرحية أيضاً بكل حرية".

الشيخات والسياسة

وفي نظر الشاعر نجمي، فإن ظاهرة ارتباط الغناء التقليدي المغربي بالتعبيرات السياسية ليست أمراً جديداً، وأكد أنه "في تاريخ المغرب كانت كل التعبيرات الغنائية الأمازيغية والعروبية والصحراوية تدور حول الطبيعة والقبيلة والفخر والانتماء والجانبين الديني والروحي، وكانت هناك تعبيرات ذات غرض سياسي".

ويعطي نجمي في هذا الصدد مثلاً بالشيخة حادة الزيدية الملقبة بخربوشة في القرن 19، والتي واجهت القايد عيسى بن عمر. ويضيف أن "ارتباط الشيخات بالقياد الكبار أو ما يسمى بالظاهرة القيدية في مغرب القرن 19 جعلهن يرفعن مطالب أو متمنيات إلى السلطان أو القايد أو يوجهن له الانتقاد، وخربوشة وجهت الانتقاد للقايد عيسى وأدت الثمن غاليا حيث قتلت فيما بعد".

ولفتت فرقة "العونيات" الانتباه كثيراً برفع مطالب سياسية موجهة إلى الملك، اعتبرها الكثيرون واضحة وصريحة أكثر من الأحزاب السياسية المغربية. وذهب الكثيرون إلى القول بأن هذه الفرقة النسائية وضعت ملفاً مطلبياً كاملاً حول طموحات فئات الشعب المغربي.

وفي نظر الشاعر نجمي، فإن هذه الفرقة "تعبر عن تحول في الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي لدى الشيخات. وهذا يعني أن شيخات اليوم عكس شيخات الأمس، ففي السابق كن يتعلمن شفوياً وأغلبهن أميات، لكن اليوم غالبية الشيخات لديهن مستوى دراسي لا بأس به، ويتعلمن الأغاني عن طريق الأقراص والتسجيلات في وقت قصير".

ويؤشر هذا الأمر على تحول نوعي في طبيعة المغنيات الشعبية بالمغرب. ويؤكد نجمي أن "غناء العونيات يُعبر عن إحساس لدى الشيخات بفضاء الحرية المتاح، وأن مغرب اليوم ليس مغرب الأمس، وبفضل المكاسب الحقوقية وهوامش الحرية أصبح الناس عموماً قادرين على الدفاع عن مطالبهم".

ويربط نجمي، في حديثه لهسبريس، تنامي هذا الوعي الاجتماعي السياسي لدى مختلف الفئات في المغرب بتطور وسائل الإعلام واتساع رقعة التعليم، وهذا الأمر نتج عنه أثر إيجابي، وخلق نوعاً من التحولات الثقافية الفكرية والاجتماعية، وبالتالي ظهور تعبيرات فنية جديدة.

ويضيف نجمي قائلاً: «لا يجب أن نندهش من هذه الظاهرة أو نعتبرها أمراً شاذاً، والجميل في فرقة العونيات أنهن غنين غناءً ليس فيه تزلف أو بحث عن امتيازات، بل دعين إلى السلام والحرية والوحدة ضد الإرهاب والتطرف والغلو و"داعش" حيث يغنين (اتحدوا يا الدراوش باش تواجهو داعش)، إضافة إلى توجههن إلى ملك البلاد ودعوته إلى المضي قدماً بالمغرب بقولهن (زيد الملك زيد زيد)".

ويرى نجمي أن "الفكرة المطلبية في الأغنية ليس جديدة، لكن ذلك أمر مهم ومؤشر إيجابي ولا يجب التعامل معه باستخفاف". ودعا الدولة إلى التقاط هذا الأمر، كما هو الشأن بالنسبة إلى التعبيرات التي تظهر لدى الشباب أو النساء، لأنه سلوك سياسي يُعبر عن لحظة وعي جديدة عند فئات كانت كاتمة الصوت ومُهمشة، وتحس بأنها غير معنية أو غير قادرة عن التعبير عن نفسها"، قبل أن يضيف: "أتمنى أن يتم تكريم هذه الفرقة بما يليق".

استمرار الشيخات

لكن السؤال الذي يطرح نفسه حول هذا النوع من الغناء الشعبي هو استمراره، رغم كون المجتمع المغربي محافظ. وهذا الأمر يجيب عنه نجمي بالقول بأن "الفنون تستمر بقوة الدفع الذاتية، والإنسان بطبيعته الوجودية لديه حاجة إلى الفنون، وهي ليست ترفاً، بل حاجة، والإنسان حين يُحس بالوحشة تجده يدندن لوحده".

ويؤكد الباحث في الفنون الشعبية بالمغرب أن هذا الغناء استمر أيضاً لأنه "ملتصق بتطور الواقع والمجتمع، وهو جزء من نسق ثقافي متواصل ملتصق بالهوية المغربية والوجدان المغربي، إضافة إلى كونه جزءًا من استعمالات الإنسان في المغرب وفي مختلف الأزمنة".

في المقابل، يحذر نجمي من انقراض هذه التعبيرات لأنها شفوية، وأكد على ضرورة تدوينها للحفاظ عليها. ويورد في هذا الصدد ما حدث للعنصر العبري، الذي كان لديه حضور مهم في الرصيد المغربي متجلياً في الغناء والرقص والتعبيرات اليومية والصناعات اليدوية. "لكن هذا العنصر تراجع بسبب الهجرات منذ سنة 1948 حتى ضاع جزء مهم من الرصيد الثقافي والاجتماعي المغربي، وانتقلت بذلك أعداد اليهود المغاربة في العقود الأخيرة من أكثر من 200 ألف إلى 1500 فقط من اليهود المغاربة"، يضيف نجمي.

ولا يستبعد نجمي ألا يبقى في المستقبل يهودي مغربي في البلاد، وتساءل: "هل الأمر عادي؟، الناس المتسرعون سيقولون فليذهبوا، لكن يجب التأكيد على أنه أمر خطير جداً، فالوضع أشبه كجسد ينزف بسبب جرح، علينا أن ننتبه، والأمر ليس بالسهولة التي يراها البعض".

والشيء نفسه بالنسبة إلى الرصيد الأمازيغي، حيث يؤكد نجمي على ضرورة الإقرار بكونه "رصيداً للمغاربة أجمعين، ولا يجب أن نقول هذا من باب المجاملات أو التعبير المنافق، بل بوعي. كما يجب أن يعتبر الأمازيغ الثقافة العروبية ثقافتهم لأنها نتاج المغاربة عبر تاريخ ممتد في الزمان والمكان".