في قلب "ثورة 3 مارس" .. "جمهورية مفقودة" وإعدامات يوم العيد

في قلب "ثورة 3 مارس" .. "جمهورية مفقودة" وإعدامات يوم العيد

تماماَ مثل صُمودِ أثر درويش: "أنا ملك الصدى.. لا عرش لي إلا الهوامش"، يخطو عبد الله المالكي، أحد قيادات مجموعة تنغير 3 مارس 1973، بكبرياء شمس الجنوب الشرقي، رافضا يدنا التي مدت إليه لمساعدته على تجاوز عثرات ووعورة الطريق، صوب جبال تودغا المُطلة بتقاسيم شُرفة حزينةٍ تستعيدُ ذكريات خريفٍ ماضٍ، شهد معارك الثوار مع قوات الأمن.

المالكي بعينين مُكتنزتين، ظل متسمرا أمام ذكرى الجبل الأم الذي استقبل 12 قياديا فارا من السلطات لـ9 أشهر، كما تحتضن قمم جبل أوليمبوس الآلهة الإغريقية القديمة، منتظرين بزوغ فجر تعليمات من محمود بنونة والفقيه البصري، لمشروع هجوم، سقط في زحام سلاسل جبال الأطلس، وراح وراء سوء تنسيق بين المجموعات المتمردة في تنغير وكلميمة وأملاكو ومولاي بوعزة.

هسبريس تنقلت إلى تنغير وكلميمة وأملاكو، ونقلت شهادات من شاركوا في ثورة 3 مارس وكُتبوا في التاريخ "أبطالا بلا مجد"، والتقت بأبناء أعدِمَ أباءهم يوم عيد الأضحى، وأصبحوا من فرط السُخط حاملين لوسم "آيت الخائن" وآخرين جنى عليهم نشاطهم اليساري، ليُزجوا بدورهم في زنازين تعرضوا فيها لشتى أنواع التعذيب، لفترات متفاوتة، لا يتذكَرونَ منها سوى أنهم قالوا لا، لعلها تأتي بالربيع.

تنغير.. حاضنة التنظيم السري

في الطريق إلى مدينة تنغير عبر زاكورة، لا شيء يوحي بمدار حضري في الأفق، قيظ حار يجعلُ الطريق تترنح أمام الناظرين، وآبار مشتتة تأتي إليها نسوة دَفنت الريح اللافحة مِشمشهن قربانا لأرض قاحلة، بغتة تفاجئك لوحة بارزة دالة على دخول إقليم تنغير الهادئ حاضرا، والمفعم ماضيا بذكرى أحداث 3 مارس 1973، التي حاول خلالها الجناح الثوري للاتحاد الوطني للقوات الشعبية قلب النظام، باستخدام طرق حرب العصابات.

الساعة الرابعة بعد الزوال، من أمام جبل تودغا، قرب مدينة تنغير، التقينا بعبد الله المالكي، أصغر مُلتحق بالتنظيم السري بمنطقة تنغير، لسرد تفاصيل الصعود الأول للجبل ومسلسل الكر والفر من السلطات التي ظلت تُمَشِّطُ تنغير بالطائرات المروحية والتنقلات والتحريات، طوال 9 أشهر إلى غاية إلقاء القبض على الثوار المختبئين.

بانشراحٍ باد، يسرد المالكي من أمام الجبل والكهف الذي شهد تبادل إطلاق النار بين المجموعة الثائرة والقوات العمومية قصة دخولهم عبر فكيك من التراب الجزائري، بعد أن تلقوا تدريبات عسكرية وتقنية بالأراضي الليبية والسورية، قبل أن تتوزع المجموعة إلى فرق توجهت إحداها إلى خنيفرة، وبقيت مجموعة كلميمة بأملاكو؛ فيما جاء كل من عبد العليم سيدي حمو قائد المجموعة رفقة الحسين آيت زايد، وتركي عدي، وسعيد دحمان، وتغجيجت وبوشعكوك، وموحا آيت بري، وسالم المسعودي، وموحا فخر الدين، وعائلة آيت زايد عمر والحسين والعربي إلى تنغير.

فكرة الثورة لم تُطرح بشكل واضح سوى في الجزائر وليبيا. أما في المغرب فقد كانت هناك قناعة راسخة بأن النظام يلزمه تغيير، دون الإتيان بسبل ذلك، يقول المالكي، الذي لا يخفي أن شباب 3 مارس كان حاملا لفكر ثوري، وتوجه إلى خارج الوطن قصد التدريب، وتلقينه مفهوم المسؤولية؛ فالأمر يرتبط بحياة وعمر الإنسان، حيث يتعلم هناك المواجهة المباشرة بأسلحة الرشاش والكالاشينكوف ومدافع الهاون وديكتاريوف والإربيجي ومختلف أنواع الأسلحة الخفيفة.

ويزيد المالكي شارحا كيف تأثر الثوار بالتجارب الماوية والكوبية والفيتنامية؛ لكن انخراط العديد منهم ضمن جيش التحرير والمقاومة جعلهم أكثر قربا من النمط المغربي في حرب العصابات الذي ورثوه من محمد بن عبد الكريم الخطابي؛ وهو ما مكنهم من التسلل خلسة عبر الحدود الجزائرية المغربية مرورا بفكيك، قبل أن يتفرقوا في المناطق المعنية بالتمرد.

فوق الجبل

طوال التسعة أشهر من الاختباء بالشريط الجبلي، قبل الاشتباك المباشر مع قوات الأمن، يستحضرُ المالكي لحظات عصيبة على الثوار، اضطروا فيها إلى مقاومة الجوع بتناول الحشائش والنباتات، واستعطاف المارين والرحالين لتزويدهم ببعض الطعام، مفتخرا بكل تلك المعاناة التي لم تكن حسبه سوى حبا للوطن وجزءا من أحلام رجالات جيش التحرير، الراغبة في مستقبل أفضل لوطنها.

"الاختباء الدائم من قوات الأمن، جنى على الثوار عدم التحرك سوى والليل يسدل ظلامه، دون التمكن من إدراك المسافات المقطوعة، خصوصا أن سنة 1973 شهدت تساقط ثلوج وموجة برد قوية، جعلت الماء يتجمد في "البيدوزات" المخصصة لحفظه. كما أن القليل من "الزميطة" والسكر والشاي، الذي احتفظ به الثوار، لم يكن كافيا؛ وهو ما يضطرهم إلى اقتناء بعض الأمور الضرورية من سكان الجبال"، يستعيد المالكي، ثم يتذكرُ بابتسامة شراءهم لجدي ساعدهم على مقاومة الجوع المتربص بأمعائهم في كل حين.

بحث متواصل عن "جمهورية مفقودة" لم تكن في المتناول اليسير سيجعل الثوار يلجؤون إلى أعلى المرتفعات في جبال تودغا، مُدججين بالسلاح؛ لكن تقسيمهم إلى أفراد وخشيتهم الدخول في مواجهة مباشرة، سيجني عليهم اعتقال 3 من مجموعة تنغير على سفوح تودغا، ثم انضاف قياديان آخران إلى المعتقلين أثناء تنقلها إلى مهمة يسرد المالكي، ليجد الرجل حلم الثورة يضمر شيئا فشيئا أمام أجساد 4 مقاتلين متبقين يتسللون عبر الجبال، يتقدمهم قائد المجموعة عبد العليم سيدي حمو.

الارتباك الذي حصل أثناء اعتقال 8 من رفاق الثورة سيجعل المالكي وبقية القيادات دائمي التحرك بين جبال المنطقة هربا من الحملات التمشيطية، حيث سيتنقل من مضايق تودغا صوب جبال تونفيت وآيت إسحاق وسيدي الشيخ وبني ملال التي أفلت فيها من الاعتقال، بالرغم من إلقاء قوات الأمن القبض عليه، بسبب غياب أدلة لإدانته، فأطلق سراحه دون أن يثنيه ذلك عن مواصلة محاولاته الحثيثة لإطلاق سراح المعتقلين.

المالكي ظل متشبثا بحلم تعزفُ فيه حناجر نساء الأطلس أنغام الثورة، إلى أن سقط شهيد أمان حارة ذات شتنبر، ليُقتاد إلى سجن درب مولاي الشريف، بعد أن عمد إلى التنسيق مع مخبر في جبة وطني للحصول على طائرة يُنقذ بها المعتقلين، ويعلن بذلك نهاية ثورة أكلت أبناءها في ريعانهم، وأرسلت قياداتها إلى منافي الجزائر وليبيا وسوريا، لتحتضنهم إلى غاية الحين.

إعدامات يوم العيد

من أمام مقبرة "إغريبن"، يستعيدُ إبراهيم آيت زايد أحزانا تتحدى عود الشيخ إمام وترفضُ المُضي كحلم ساعة الفجر، لتستكين في قلب يعتصره ألم فقدان لحسن الوالد الذي أعدم مع مجموعة عمر دهكون صبيحة عيد الأضحى، والعم العربي المُعدم هو الآخر رميا بالرصاص، خلال موجة التفتيشات والتحريات التي باشرتها السلطات بحثا عن المتورطين المختبئين في جبال ودواوير المنطقة مترامية الأطراف.

إبراهيم لم يغالب دموعه الحارة، وهو يستعيد شريط ذكريات طفولة اغتالها الكبار، ويقول: بعدما رحّلت الدولة آباءنا صوب وجهة غير معلومة، كانت تقتادنا صوب معتقلات سرية بمنطقة "دار الضياف" بتنغير، دون مأكل ولا مشرب، "مكنفطروش، نصوم قسرا وإلا تغدينا مكنتعشاوش، وإيلا تعشينا مكنتغداوش"، كذلك كان كما يحكي إبراهيم ودموع الخمسيني تنهمر على ملامحه القاسية.

إعدام والد إبراهيم، في يوم عيد الأضحى، "يوم المؤمنين"، كما يسميه، لا يزال ذكرى أليمة مستقرة في حياة إبراهيم، لا يستطيع معها عيش حياة عادية، في ظل غياب الرفاة وجثة الأب، التي "لا يدري أحد أين رميت ولا مصيرها بعد أن جرى إعدامه في السادسة صباحا من فاتح نونبر 1973، في ذات الوقت الذي يَذبحُ الناس أكباشا ذبحت الدولة رجالا، قاوموا الاستعمار، وابتغوا التحاور مع الملك حول الاختلالات التي تعرفها المملكة؛ لكن المحيطين به أوصلوا إليه معلومات خاطئة، فـصفى الحساب معاهوم".

آيت زايد، الذي تسكنهُ حرقة تشظي العائلة، لا يزال "متعجبا من دفن عمه العربي بمقبرة "إغريبن"، وهي كاسمها الأمازيغي، مخصصة لدفن عابري السبيل المتوفين بالمنطقة؛ في حين أن عمه معروف النسب، وسليل عائلة قاومت الاستعمار الفرنسي لسنوات، واضطر المحتل الغاشم إلى إعدام أغلب أفرادها، لتسهيل تغلغله في منطقة الجنوب الشرقي".

يواصل إبراهيم باستبسال سرد تفاصيل حياة صعبة قادته إلى الاعتقال وهو في صغير لمدة 3 أشهر، "لما أطلق سراحه وجد نفسه دون معيل يسد رمقه بسبب تصرفات الدولة، التي لا تزال تمارس عقابا جماعيا على أبناء الثوار .. يفُر منه الناس بدعوى أنه من الخونة، وحُرم من حقه في التمدرس، لا مقررات دراسية لا كتب لا أقلام، حتى الأستاذ يقلل من قيمته أمام زملاء الفصل، كما يَعمدُ إلى ترسيبه في الامتحانات، لكي يبقى على مستوى من الجهل لا يسمح له بإدراك وضعه"، يضيف إبراهيم.

طوال مكوثنا بمقبرة "إغريبن"، لم يستطع إبراهيم مقاومة انهمار دموعه أمام قبر رمزي للعم العربي آيت زايد، وُضع بتنسيق مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان، حيث لا يكفي "الرمز" بالنسبة إلى إبراهيم، لاندمال جرح الماضي؛ فالطريقة التي قتل بها عمه و"رميه من على "لاندروفيل"، وحمله صوب المقبرة على "برويطة"، مشاهد لا تزال ترابط في مخيلة إبراهيم".

ولا يتردد إبراهيم المكلوم كل مرة في التأكيد على "أنه يحظى بمعاملة مهاجر، غُيبت عنه كل الحقوق، أدناها تحقيق صلة بأبيه الذي أحْرَقَت السُلطات كل صوره وأغراضه، ليبقى الطفل الرجل شارد الأبوة، لمدة 45 سنة، يحتفظ فيها بأمنية تَلَمُّسِ أرض تحتضن قبور عائلة قالت لا، وكُتب لها ألا ترتوي إلا بالدموع، بتعبير الشاعر المصري أمل دنقل.

تهميش أبناء الثوار

لم يكن إدريس فخر الدين يَدْرِي أن ذكرى طفولية لبابٍ خشبيٍّ ظل مفتوحا قسرا لسنة كاملة، بسبب مُشاركة عمه محمد، في أحداث 1973، ستكون وشما أبديا رافق الأربعيني إلى مأساتين: أولاهما كسر بسيط في أصبع القدم، كلفه عرجا مؤلما، بسبب قلة التطبيب؛ وثانيتهما رحيل عصفورته إيديا عن عمر السنتين، بعد أن كفنها الطريق إلى مستشفى مفقود.

إدريس فخر الدين، الكاتب العام للمنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف، الذي يبت في ملفات عائلات ضحايا 1973، يحكي عن "تهميش ممنهج طال أبناء الثوار في الولوج إلى الخدمات الصحية والإدارية والتعليمية، لا لشيء سوى لأنهم أبناء خونة كما تَنشرُ الدولة وسط أهالي المدينة؛ وهو ما اضطر أمه وأمهات الأطفال جميعا إلى ملازمة تنبيهات من الحديث عن الملك والدولة بسوء".

شريط ذكريات يُشَبِهُهُ إدريس بفيلم، "كان الناس يحفظون أسماء الجنرالات عن ظهر قلب خوفا، كلما سمعوا اسما متساهلا انشرحوا، وكلما وصلتهم أصداء آخرين قساة تملأهم الحسرة من مصير النساء والأطفال، الذين يضطرهم البطش إلى المشي 15 كيلومترا من منطقة تيزكي، صوب الوحدة العسكرية بتنغير، للاستنطاق، ثم يطلق سراحهن ليلا، مع إلزامية عودتهن في اليوم الموالي"؛ لكن كل هذا لم يكن ليمنع الأهالي من نسج أساطير غريبة عن قيادي الثورة، حسب إدريس؛ فالسكان "صدقوا بحماس أن سيدي حمو عبد العليم، قائد مجموعة تنغير، يَتَحَوّلُ إلى قطٍ وديعِ وإلى صخرة تتخفى من الجنود الذين يرابطون أمام بيته بحثا عنه، فمرة صعد الجنود وحاصروه منزله، لكنه تمكن من النزول إلى الفناء، وانشغل الحراس بقط مار، ظنا منهم أنه سيدي حمو".

إدريس، وهو أمام الوحدة العسكرية، ظل يستحضر أصوات الهيلوكوبترات وهي تحط بالجوار، باحثة عن ثوار هاربين مختبئين، في الفدادن وتيزكي، اللتين عاشتا على وقع الخوف والتنكيل طيلة فترة اختباء المتمردين، لتظل على وقع الذكرى والبحث عن رفاة أبنائها الذين عودوها على زيارة جبل اكتفى بالخيبة، أمام قرى "أسامر" المترامية مثل قبور حية تنظرُ صباحا مليئا بالتفاصيل القديمة.

تعذيب بمعتقلات كلميمة

بنقص حاد في السمع، ورثه من فزع أصوات أحذية الجلادين القادمين، رافقنا علي شرويط إلى أمام قشلة بير واعراب، سكنى القوات المساعدة حاليا بمدينة كلميمة.

شرويط معتقل سابق نال في هذا المكان النزر الكبير من التعذيب، بالرغم من عدم ضلوعه في أحداث 1973.. كان عضوا في حزب التحرر والاشتراكية، ومراسلا لجريدة الكفاح الوطني وجردة البيان؛ وهو ما يبين، حسبه، أنه اختار العمل السياسي العلني.

"رونوا داري، فتشوا حتى الاصطبل، وذهبوا بكل كتبي ومخطوطاتي، بعد المواجهة التي وقعت في قرية أملاكو وتوفي خلالها محمود بنونة"، ثم اقتادوني نحو استنطاق حول ميولاتي السياسية وانخراطي في الحزب، بعدها جاء قرار الاعتقال بالقشلة لمدة سنة كاملة، ملؤها أخذ ورد، وقليل من العطف الذي اكتسبته من بعض الحراس الذين تزودهم عائلتي بما آكله وأشربه"، يسرد شرويط.

بملامحه التي أنهكتها عزلة الهامش، يقول علي إنه تعرض "للتعذيب داخل القشلة باستخدام خيوط كهرباء مربوطة بالأذنين، وبالجهاز التناسلي، الذي كلما مَسَّهُ ألم أحسّ بقلبه يكاد ينزع من مكانه؛ وهو ما يتسبب له في الإغماء ولا يستفيقُ إلا على وقع سطل من الماء البارد يُرمى عليه، وفي أحيان أخرى يُعلق عاريا من قدميه ورأسه إلى الأسفل، معصوم العينين. وظل الأمر على حاله حتى تقرر تنقيله إلى مطار أنفا بالدار البيضاء، ليُسْجَنَ مع مجموعة عمر بنجلون واليازغي والحلوي، وبقية مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية".

مكوت شرويط بمطار أنفا لن يَطُولَ، حيث سيجري ترحيله صوب درب مولاي الشريف، مع مجموعة "الجبهة الوطنية لتحرير المغرب"، التي كان يقودها لحسن أولحاج، عميد كلية الحقوق أكدال سابقا؛ لكن لما تم استنطاقه وتبيان أمره، سيُطلق سراحه في 3 من ماي 1974، بعد سنة كاملة من التعذيب والتنقيلات المتكررة.

غير بعيد عن "القشلة"، قادتنا فصول البحث عن معتقلين آخرين إلى ملاقاة لحو شاري، بجوار قصر كلميمة القديم، ليسرُدَ أستاذ اللغة الفرنسية سابقا قصة "اقتلاعه ذات ليلة من منزله ليُقْتَادَ كورقة يحملها ريح عاتٍ صوب معتقلات كلميمة، ثم تنغير ثم إلى بومالن دادس، واستقر به الحال في المطار القديم لأنفا رفقة مجموعة معتقلين من آيت حديدو، زجوا في صالات ضخمة تضم قرابة 1000 معتقل، أغلبهم من رجال التعليم اليساريين".

ويسترسل شاري قائلا: "كنت مُكبلا بالأصفاد، مع عصبة سوداء على أعيني، يَحملوُنَ المعنيين مباشرة بالأحداث صوب محكمة مراكش والدار البيضاء، فيما بقيتُ أعذب هناك إلى أن قادتنا الأقدار صوب درب مولاي الشريف، قبل أن أرحل مجددا صوب سجن تاكنيت قرب الحدود الجزائرية، برفقة 13 معتقلا آخر، وهناك وافت المنية كلا من سكو فروخ وزايد عبود، وبعدها ستتوفى كل من فاطمة أوحرفو وحدو وفضيل، وبلقاسم وآخرون".

لم يكن شاري وهو يرى رفاقه يسقطون في شراك الموت يُمني النفس بشيء غير الحياة، حيث يحكي أنه "بُشِرَ بنبأ الولادة من جديد، في صيف سنة 1977، بعد أن جاءت السلطات والعامل لإخباره بأن الملك أطلق سراح الجميع؛ لكن شريطة الصمت التام عما وقع، فعاد الكل أدراجه إلى كلميمة، بأسئلة حارقة زادتها استفسارات الأهل حول رفاق قضوا في السجون طمعا في غد أنعم".

إنصاف مفقود

في سعي مُستمر للأبناء من أجل إنصاف الآباء، لا يَتَوانَى إدريس فخر الدين على التأكيد أن "كل مكتسبات اليوم أسهم فيها ثوار 1973 بطريقتهم، سعوا بمنهجهم إلى استكمال البناء المؤسساتي، والآن المطلوب هو جبر ضرر جماعي للمنطقة؛ فالصُلح بين المعارضة المسلحة والمخزن بشكل فردي صعب أن يتم بسبب حجم الجروح التي خلفها الأمر، لكن على الدولة أن تعي ضرورة إنصاف المناطق المغضُوب عليها، لأنها بقيت دون تنمية إلى حدود اللحظة".

ويضيف فخر الدين أن "الأهم في الوقت الراهن هو استرجاع ما ضاع من العدالة الاجتماعية، واستدراك التهميش المُمنهج، من خلال برنامج جبر جماعي، يُنقذ المناطق التي تخلت الدولة عن دعمها من الجنوب الشرقي إلى الريف؛ فرفع الدولة يدها عن البرامج التنموية جعل السكان يدفعون الثمن غاليا".

بدوره، مصطفى لحظة، ابن أحد ضحايا اعتقالات 1973، يسجل "أن ما وقع بالنسبة إلى أهل مدينة كلميمة خلف حسرة لدى مختلف الفعاليات، وتوسم الجميع جبر ضرر جماعي وفردي بقدوم هيئة الإنصاف والمصالحة؛ لكن ما حدث لم يكن يوافق تطلعاتنا وطموحاتنا، لأن الضحايا عانوا كأفراد من أجل انعتاق البلدة، والحاصل حاليا هو لا هم عاشوا حياة ولا البلدة استفادت في النهاية".

وأردف لحظة أن "السكان لم يلمسوا تعويضا وجبرا للضرر.. المدينة بقيت على حالها؛ بل وتراجعت صحيا ورياضيا.. ما زلنا نتوسم خيرا لإنقاذ المدينة، وإنصاف الضحايا بإزالة المساحيق التي يضعها البعض، لكي نتمكن فعلا من الاستفادة من تاريخنا وليس التعاطي معه كطابو يحظر الحديث عنه".

نهاية الحديث مع إدريس فخر الدين ومصطفى لحظة، الباحثين عن جبر وإنصاف للمنطقة، كان مفعما بروح انتظار أبدي هناك في أقاصي الصحراء الشرقية للمغرب، وشبيها كالتوأم بانتظار فلاديمير وإستراغون لـ"غودو"، في مسرحية "في انتظار غودو" لصامويل بيكيت، ومن يدري لعلَّ "غودو" يظهر مرة للقيا المُنتظرين أجمعين في موعد إنصاف مفقود على قمم "تودغا" الشامخة.