"الخوف من الموت" يقود لاجئين إلى التمسك بأمل الحياة في المغرب

"الخوف من الموت" يقود لاجئين إلى التمسك بأمل الحياة في المغرب

بدا لهم المغرب واحة أمن واستقرار، فنزحوا إليه هربا من ويلات الحروب. لاجئون من دول وثقافات مختلفة اندمجوا أو هم في طور الاندماج في النسيج المجتمعي المغربي. قصص مختلفة، وهدف واحد: البحث عن الكرامة المهدورة.

من الشرق ومن الغرب، لفظتهم نيران الحروب الدامية، فلجؤوا إلى المغرب، علهم يُبددون هلع الدمار والشتات الذي حوّل حياتهم إلى جحيم، يستبدُ بهم ويمزّقهم يوما بعد يوم. قدموا من اليمن وفلسطين وسوريا، ليبيا والعراق والكاميرون وغينيا والكونغو والكوت دي فوار وجمهورية إفريقيا الوسطى ودول أخرى.

مختلفة لغاتهم ولهجاتهم وثقافتهم، وحده هاجس الهروب من الدمار وحَدهم، فكان المغرب إحدى وجهاتهم في شمال إفريقيا، هم الفارون من مستنقعات الحروب وويلاتها.

رحلةُ هروب لم تكن سهلة ولا يسيرة.. رحلة بحث عن الاندماج، عن الاستقرار، عن الحماية والأمان.. رحلة بحث عن قيم افتقدوها في مواطنهم، فكان المغرب قِبلة سعوا إليها للتخفيف عن أعباء ثقيلة وآلام جريحة.

استقبال اللاجئين

تحوّل المغرب إلى أرض لاستقبال كل من المهاجرين واللاجئين منذ سنة 2014، بعدما اعتمدت الحكومة الإستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء لتوفير الأمن والحماية لهم من خلال تيسير ظروف الاندماج والاستفادة من التغطية الصحية والتعليم والعمل، إضافة إلى دعم مقاولاتهم.

وقد سبقت هذه الخطة عملية التسوية الاستثنائية التي أطلقتها السلطات المغربية عام 2013، حيث تقدم أزيد من 2800 لاجئ سوري بطلب الحصول على تصريح للإقامة.

ويأتي تفاعل المغرب مع ملف اللاجئين بتعدد جنسياتهم تبعا لحق اللجوء الذي نصت عليه اتفاقية جنيف سنة 1951، حيث يعتبر المغرب أحد المصادقين عليها، هذا بالإضافة إلى المعاهدات الإقليمية لحقوق الإنسان والتي تنص عليها الأمم المتحدة.

وفي السياق نفسه، وجّه أنطونيو غوتيريس، الأمين العام للأمم المتحدة، عندما كان رئيسا للمفوضية الأممية السامية لشؤون اللاجئين، نداء إلى جميع دول العالم التي انخرطت في حملة استقبال اللاجئين السوريين لفتح حدودها توفيرا للحماية التي يحتاجونها، ومساعدتهم على تجاوز محنة الحروب.

وحسب تقرير أفادته المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، يواصل المغرب استقبال طلبات الاندماج، إذ وصل إلى المغرب إلى غاية السنة الجارية 7139 لاجئا، بينهم 2211 شخصا من طالبي اللجوء و4928 من المحتاجين للحماية الدولية، 275 منهم يحتاجون إلى التطبيب لكون حالتهم الصحية حرجة، ويحتاج 253 منهم إلى حماية قانونية وجسدية، بينما 160 منهم يوجدون في وضع الناجين من عنف جنسي أو عنف ينبني على النوع، و64 من الأطفال غير مرفوقين أو عزلوا عن والديهم، و65 من النساء و33 من الأطفال في حالة خطر، و6 عانوا من التعذيب.

لقمة عيش

أسئلة الهجرة واللجوء تضع سياسة المغرب وجهوده على المحك بعدما شهد تدفقا كبيرا للاجئين في السنوات الأخيرة، وفي الوقت نفسه هو تحَدّ اللاجئين من أجل الاستقرار والبحث عن لقمة عيش.

غير بعيد عن باب شالة بالرباط، يجلس الكثير من المهاجرين واللاجئين أكثرهم من دول جنوب الصحراء، تعددت أسباب قدومهم إلى المغرب بين ظروف الحرب والتوترات السياسية والاضطهاد والانقسامات الدينية. بينهم من اختار التسول في الطريق، وهناك من اختار أن يفترش الأرض بحلي ومجوهرات وهواتف ذكية ليبيعها، فيوفر ما يسدد به الكراء ويقتني ما يلزمه من ملابس وأحذية.

ويحكي موسى، لاجئ من غينيا، لجريدة هسبريس، "بعد أحداث سنة 2009 الدامية التي عرفتها غينيا، لم أتمكن من ولوج المغرب إلا قبل سنتين من اليوم، جئت للرباط ولاحظت بأن هناك الكثير من المهاجرين من جنوب الصحراء واللاجئين السوريين"، مضيفا: "أنا أشتغل بائعا للحلي والمجوهرات، هذا مكاني، أقدم إليه كل يوم وأفترش الشارع هنا قريبا من بقية زملائي".

عبر موسى عن الحنين لوطنه وهو يقصّ بعضا من مشاهد العنصرية التي راح ضحيتها، ثم يحكي بانشراح، كيف أنه استطاع أن يندمج بالرغم من كل الصعوبات والإكراهات بعد تسوية وضعيته وحصوله على بطاقة اللجوء. وعن حلم العودة إلى غينيا، يقول موسى: "أفكر في الهجرة إلى أوروبا، ربما هناك أكتشف أمورا جديدة".

استعادة الحرية

إذا كان عدد من اللاجئين السوريين يتسولون في شوارع الرباط ويستعطفون قلوب المارة، فهناك من استطاع أن يندمج ويستقر، بل ويفكر في كتابة رواية يحكي فيها قصة وظروف اندماجه في المغرب، كما تتمنى زينب.

بالقرب من باب شالة، وبالضبط بالمدينة القديمة للرباط، تقطن زينب البالغة من العمر 30 سنة. تتقاسم منزلا للكراء هي وبعض الطالبات المغربيات. دفعت ظروف الحرب بسوريا زينب إلى اللجوء إلى المغرب بعدما راودها حلم "النعيم الأوروبي" كما تصفه.

وفيما يفضّل اللاجئون القادمون من جنوب الصحراء امتهان الحلاقة وتصفيف الشعر على الطريقة الإفريقية، يفضّل بعض اللاجئين السوريين امتهان تقويم وجراحة الأسنان، وتأسيس مطاعم سورية أو الاشتغال في مطاعم ومقاهٍ مغربية، وهو حال زينب التي تشتغل نادلة في مقهى بالرباط، لتوفر ما تسدد به واجب الكراء نهاية كل شهر.

تبوحُ زينب السورية التي قدمت إلى المغرب عام 2012، وحصلت على وضع لاجئة أواخر سنة 2015 بحرقة: "تركت أهلي في سوريا، لم تسعفهم الظروف للفرار، حتى خطيبي الذي كان يحبني لا أعرف عنه أي خبر"، توردُ المتحدثة لجريدة هسبريس.

كان حلم زينب أن تساعد أسرتها على اللحاق بها، بعدما شرد النظام سوريا وقتل بعضا من أفرادها.

"البحث عن مأوى آمن يضمن الحرية" هو ما قاد زينب إلى المغرب، وتوضحُ: "جئت لأستعيد حُريتي، ففي سوريا نحن بلا حرية وبلا كرامة"، قبل أن تُضيف: "هذا ما جعلني أحب المغرب وأحب ناسه ويحبونني هم الآخرون، وهذا ما يبدد اشتياقي لأسرتي".

استطاعت زينب أن تندمج بسهولة، بعدما تعرفت على أصدقاء سوريين، وبفضلهم استطاعت الحصول على عمل كنادلة، تحب زينب عملها بشكل كبير، لأنه مكنها من التعرف على أصدقاء مغاربة، وكسب صداقات، بل هناك من يدعوها يوم الجمعة إلى تناول الكسكس، وحتى الأعياد الدينية تمضيها رفقة أصدقائها المغاربة.

ماذا تعني لك الرباط؟ سؤال فاجأ زينب، وجعلها تتوقف عن الكلام لبرهة لتُجيب بابتسامة تخفيها شفتيها: "الرباط مكنتني من استعادة حريتي، بل استعادة كرامتي". ففي سوريا، فقدت زينب كل شيء، بعدما اغتصبتها الحرب، وتركتها عارية من كرامتها، والرباط بالنسبة لها جنة هادئة، بحكم مواطنيها الذين يتعاونون معها في كل المناسبات.

اندماج اللاجئين

الاندماج والاستقرار والحرية كلها هواجس تسكنُ اللاجئين الذين قدموا إلى الرباط، بالإضافة إلى البحث عن عمل والاستفادة من التغطية الصحية والتعليم والأنشطة الثقافية.

جاؤوا مثقلين بالخراب الذي لحق أوطانهم، فبحثوا عن أين يُمكنهم لملمة جراحهم. لم يكن اختيارهم للمغرب عشوائيا كما يقول كثيرهم، وإنما لأنه بلد آمن ومستقر، بلد مضيف ومرحب كما تقول إحدى اللاجئات السوريات.

مؤسسة "الشرق الغرب" من بين المؤسسات التي تقوم بمواكبة اللاجئين والمهاجرين، وتوفر لهم ظروف الاستقرار والاندماج المناسبة، وتتيحُ لهم خدمات وأنشطة متنوعة في التوجيه والدعم النفسي والتربية والتكوين والفن والثقافة.

بمجرد دخولك إلى فضاء هذه المؤسسة الموجودة بحي المنال بالرباط، تجد نفسك في ملتقى الثقافات والحضارات، وكأنك في دولة تحتضن كل الدول.

نساء ورجال، شباب وأطفال، ذكورا وإناثا يملؤون فضاء المؤسسة. منهم الموجود في المكتبة المخصصة للمطالعة، ومنهم من يستفيد من دروس الدعم سواء في اللغة العربية أو الفرنسية أو الإنجليزية أو الرياضيات. وفي فضاء آخر مخصص لورشات الطبخ والخياطة وصناعة المجوهرات، تنشطُ مجموعة من النساء اللاجئات من مختلف الدول، أكثرهن من دول جنوب الصحراء.

أما بالنسبة إلى الأطفال الصغار من ثلاث إلى ست سنوات، فمنهم من يستفيد من أنشطة تربوية وترفيهية داخل المؤسسة، ومنهم من يتم تسجيله بالمدارس العمومية المغربية.

هكذا تبدو مؤسسة الشرق الغرب، حاضنة لكل الثقافات، تُذوّب بأنشطتها حزن اللاجئين الذين تمكنوا بفضلها من استعادة حريتهم وراحتهم، كما تقول جيزيل لاجئة من الكونغو.

عبْر برازافيل، قدمت جيزيل البالغة من العمر ثلاثين سنة إلى الكاميرون سنة 1997، بعدما نشبت الحرب بالكونغو، قُتل والدها وكانت حياتها مهددة.

تقول جيزيل لهسبريس: "بعدما تمت الإطاحة بموبوتو ووصل لوران كابيلا إلى السلطة، تدهورت الأوضاع وعاد الصراع العرقي، وانعدم الاستقرار في الكونغو، فقررت اللجوء إلى الكامرون". كانت هذه أول تذكرة نزوح إلى جيزيل بحثا عن الأمان والسلم المفقودين في بلدها الأصلي.

تحكي اللاجئة الكونغولية لهسبريس رحلة وصولها إلى المغرب، بعدما تعرضت وهي حامل وبقية اللاجئين في الكاميرون إلى هجوم على أيدي مسلحين عام 2004. بعد سنوات من ذلك، قررت الذهاب إلى الجزائر. وبعدها دخلت المغرب عبر وجدة. توجد جيزيل بالمغرب منذ أربعة أشهر، بعدما قدمت إلى الرباط رفقة ابنتها وتعرفت على مؤسسة الشرق الغرب.

تقول المتحدثة الكونغولية بأن شهرا كان كافيا لتحب المغرب، بل وتتأقلم فيه مع مواطنيه دون أن تحس بأنها غريبة أو أجنبية أو حتى لاجئة.

الحلي تعيد السعادة

جيزيل، التي جازفت بحب وطنها الكونغو هروبا من الحرب والصراع الديني، استطاعت أن تجد نصيبها المفقود من الحرية؛ بل أن استعادت اكتشاف مواهبها من خلال أنشطة مؤسسة الشرق الغرب، فهي تستفيد الآن من ورشة تعلم صناعة المجوهرات بعدما اقتنت الكثير من العقيق بألوان مختلفة.

حب صناعة الحلي وإبداع تناسق وانسجام أشكاله وألوانه هو ما بدد حزن جيزيل، وأحسها باسترجاع حريتها المسلوبة. وعن حبها لتعلم اللغة العربية، تقول: "لما جئت إلى مؤسسة الشرق الغرب، وأخبروني بكل الورشات المتاحة، قمت بتسجيل ابنتي في المدرسة. أما أنا فقد اخترت ورشة صناعة المجوهرات وحصة تعلم اللغة العربية". هي لا تتقن اللغة العربية ولكنها معجبة بما وصفته بـ "موسيقى اللغة وتناغم الحروف".

تحضر جيزيل رفقة زميلاتها ورشة صناعة الحلي كل يوم اثنين وأربعاء؛ منهن من حصلن على بطاقة اللجوء، ومنهن من ينتظرن. لكن هذا الأمر لا يزعجها ما دامت ستحصل عليها في أي وقت ممكن.

المهم عند جيزيل هو أنها تستمتع بحب وسعادة ويداها تداعبان العقيق بين الخيوط لتصنع حليا تعرضهُ على أستاذها موسى المشرف على الورشة.

كانت جيزيل في البداية متخوفة من مسألة الانسجام بالرباط؛ غير أنها تؤكد بأنها محظوظة، إذ تمكنت من الذوبان بين المغاربة وكأنها ليست غريبة.

فكلما عادت من مؤسسة الشرق الغرب إلى بيتها الموجود بحي المسيرة، وُزعت عليها ابتسامات الجيران المغاربة وبادلوها التحية والسلام. "أرى في ابتسامة المغاربة نجاحي في قدرتي على الانسجام خلال شهر فقط"، تقول جيزيل وفي عينيها بريق سعادة يلمع. أما ابنتها فهي تؤكدُ أنها نسجت صداقات مع فتيات مغربيات، لم تعقها جنسيتها ولا لون بشرها الأسود من الانسجام والتأقلم في المدرسة.

حظ اللجوء إلى المغرب

داخل قاعة تعلم صناعة الحلي الخاصة بالنساء، تجلس بقرب جيزيل امرأة كاميرونية، تحمل بين يديها طفلة رضيعة اسمها ميكة، تدخل عقيقا في الخيط لتربطه بعقيق آخر، هكذا إلى أن تصنع حليا بألوان إفريقية ساحرة.

هي دانييلا. قدمت إلى المغرب قبل سنة بعدما راكمت صنوف المعاناة والاضطهاد وهي ذات العشرين سنة، كانت في ظل توتر الأوضاع السياسية بالكاميرون: "كان أبي ناشطا سياسيا، وفي سنة 2002 هرب دون أن نسمع عنه أي خبر. وكانت الحكومة تبحث عنه، ولما عاد إلينا أمرنا بالهروب من الكاميرون لأننا كنا في خطر"، تصرح دانييلا لهسبريس، وخيوط الماضي تتناسلُ من ذاكرتها.

جاءت إلى المغرب بعدما كانت في الجزائر، واشتغلت في المقاهي والمطاعم وهي حامل إثر زواج قسري. أنجبت دانييلا طفلتها في مستشفى ابن سينا بالرباط، وساعدها في تسديد واجب الولادة أجانب ومغاربة، بعدها تعرفت على جمعية الشرق الغرب في انتظار حصولها على بطاقة اللاجئة. تأتي هي الأخرى رفقة صديقاتها اللاجئات إلى ورشة صناعة المجوهرات كل يوم اثنين وأربعاء.

"كيف يمكنني أن أربي ابنتي بعدما تخلى عنها والدها؟ ما أخبار إخوتي؟ كيف هو حال وطني؟" هذه الأسئلة تقلق عقل دانييلا كلما اشتد بها الحنين إلى وطنها وحلم العودة؛ لكنها في المقابل تقول: "أنا محظوظة لأنني بالمغرب"، فتشكر كل من ساعدها على الاستقرار، فهي تقطن في حي "البيتات" بالرباط رفقة مجموعة من اللاجئات، وكل يوم تلتقي بالمغربيات اللواتي يكلمنها بمحبة وود.

"أنا مندمجة اجتماعيا وثقافيا"، هكذا تعبر دانييلا عن إحساسها وقد ملأت الفرحة عينيها. فهي لم تجد صعوبة في التواصل مع المغاربة لأنها تفهم بعض الكلمات باللغة العربية، ولم تتعرض لأي تصرف ينم عن العنصرية أو الكراهية؛ بل تقول بأن الناس يساعدونها، خصوصا لما كانت حامل، فهي تستشعر كامل الراحة والاستقرار حين تتجول في شوارع الرباط رفقة رضيعتها، أو عند شراء أغراضها المنزلية، وهذا يعود إلى المساعدة المادية والنفسية التي تلقتها من مؤسسة الشرق الغرب.

صناعة المجوهرات والخياطة من أقرب الهوايات إلى قلب دانييلا، بالرغم من اهتمامها الدقيق برضيعتها وهي تستفيد من ورشة صناعة المجوهرات، فلا تفلت منها نصائح وتوجيهات الأستاذ موسى الذي يؤطر خمس عشرة لاجئة من دول مختلفة. وتتمنى دانييلا تعلم الخياطة لفتح مشروع خاص بها، تعيل به أسرتها، وتلبي من خلاله حاجيات ابنتها حين تكبر.

إتقان العربية

تعمل مؤسسة "الشرق الغرب" على توفير مناخ تعليمي تثقيفي للأطفال اللاجئين الذين يتوافدون عليها، من خلال تعليمهم اللغة العربية والفرنسية والرياضيات إلى جانب استفادتهم من أنشطة المسرح والرقص والموسيقى والإعلاميات والرسم.

وبمناسبة عيد الأم، نظمت المؤسسة يوم الأربعاء 23 ماي 2018 حفلا فنيا على شرف أمهات لاجئات وأخريات مهاجرات أغلبهن من دول جنوب الصحراء، أسهم في إغناء فقراته أطفالهن الذين قدموا فقرات غنائية باللغة العربية تحت إشراف أستاذتهم خديجة، إلى جانب استفادتهم من حصة الرسم والصباغة.

تعليم اللغة العربية للأطفال لم يكن سهلا في البداية كما هو الحال بالنسبة إلى الطفلين التوأم "غيش" و"غريس" اللذين قدما من الكونغو بعدما حصلا على بطاقة اللجوء من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين؛ لكنهما اليوم يستطيعان التواصل بها بشكل سليم، كما يتواصلان بالدارجة المغربية دون أية صعوبة في النطق أو إيجاد الكلمات المناسبة: "تعلمت اللغة العربية أنا وأختي هنا بمؤسسة الشرق الغرب، والآن ندرس بالمستوى الخامس ابتدائي، نتواصل مع أصدقائنا المغاربة بالدارجة دون أي صعوبات"، يقول غيش لهسبريس، وهو البالغ من العمر 11 سنة.

يُتابع الطفلان دراستهما في مؤسسة عمومية، في جو ممتاز خال من العنصرية والتهميش؛ فقد مكنهما إتقانهما للغة العربية من فرض مكانتها الاجتماعية، سواء في الشارع أو المدرسة أو في أي فضاء عام.

تقول غريس لهسبريس: "أنا جد سعيدة بوجودي بالمغرب، لدي صديقات مغربيات لا يحسسني بأني غريبة أو أجنبية، وحتى إذا حاول شخص الاعتداء علي أو نعتي بالسوداء فإنهن يدافعن عني"، مضيفة: "ندرس جميعا، ونلهو جميعا، وفي الأعياد التي يحتفلون بها فإنهم يدعوننا عندهم، وبذلك اكتشفنا تقاليد المغرب وأحببناه أكثر".

إلى جانب تعلم اللغة العربية والالتحاق بالمدرسة المغربية، يستفيد التوأم "غيش" و"غريس" من ورشة المسرح والرقص والغناء، حيث يصقلان مواهبهما، وبذلك ينفتحان على ثقافة المغرب وتقاليده. تحفظ "غريس" بعض الأغاني المغربية وتستمتع بإلقائها. أما أخوها "غيش" فيقتنص اللحظات المناسبة لتطوير مهاراته في الرقص، ويقول: "أنا أرقص وأختي تحب الغناء، ونحن بذلك نندمج أكثر فأكثر".

"أحب أهل المغرب كثيرا"

آلاف من النساء والرجال حجزوا تذكرة اللجوء إلى المغرب بعدما ضايقتهم نيران الحروب، فحطوا رحالهم بما يعتبرونه أفضل بلد مغاربي في الاندماج، كما يؤكد إبراهيم لهسبريس، وهو القادم من ليبيا: "المغرب أكثر دولة فيها تسهيلات، حيث يستطيع الأجنبي أن يندمج فيها".

إبراهيم شاعر وكاتب صحافي ومحلل سياسي يعيش بين محراب الكلمة بتجلياتها الأدبية، البحثية والصحافية ولا يحس بالغربة داخل المغرب، يتابعُ التوترات السياسية والأوضاع السيئة بليبيا، ويكتب ويحلل ما يحدث وهذا ما دفع به إلى تسجيل لجوئه بالمغرب، بعدما صارت كتاباته معرضة للملاحقة في ليبيا.

المتحدث نفسه، ذو 49 ربيعا، تمكن من الحصول على ماستر في العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط. وكان يشارك كتاباته مع مجموعة من أساتذة القانون والعلوم السياسية المغاربة ويتبادلون الأفكار والتأملات، وهذا ما ساعده على كسب ثقة كثير من الأستاذة الجامعيين المغاربة الذين يرحبون به دائما.

إحساسُ الحنين إلى ليبيا لا يغيب عن إبراهيم، ولكن نشاطاته وتحركاته العلمية بالمغرب ترمي بالحنين إلى الهامش، فهو يلقي محاضرات وندوات آخرها كانت بمدينة آسفي حول "سؤال الانتقال الديمقراطي في الدساتير المغاربية ورهان الخيار الجهوي"، وفيها يكسب احترام الكثير من الأساتذة والمفكرين المغاربة.

لم يجد إبراهيم صعوبة في الاندماج والتأقلم في المغرب؛ فهو، كما يقول، يحب أهل المغرب كثيرا وتعلمه الدارجة المغربية مكنه من تمديد جسور التواصل مع أصدقائه المغاربة.

وعن فكرة العودة إلى ليبيا، يقول: "طبيعي إذا استقرت الأوضاع في ليبيا؛ ولكن المغرب يظل ملجأنا وملاذنا الثاني"، فبالنسبة إليه المغرب يسهل عمليات الاندماج لكل الوافدين عليه، سواء في الاستفادة من الخدمات الصحية أو التعليمية أو الثقافية.

تسهيل التأقلم

حماية اللاجئين من التسول والضياع والتشرد مسؤولية تنخرط فيها جمعيات المجتمع المدني بالمغرب. وهذا ما بادرت به جمعية "بسمة للتنمية الاجتماعية" من خلال إطلاق مشروع دعم اللاجئين السوريين بالمغرب سنة 2014، لتسهيل إدماج اللاجئ السوري في بيئة المغرب.

خالد، عضو بالجمعية، يعتبر أن الأنشطة التي استهدفت اللاجئين السوريين هي أنشطة متكاملة ومتنوعة، في الصحة من خلال توفير المساعدة الطبية من تشخيص وأدوية، وفي مجال التعليم عبر دروس الدعم في اللغة الفرنسية وباقي المواد التي يحتاج اللاجئون الدعم فيها، علاوة على تسجيل بعض التلاميذ السوريين في المدارس الخاصة، ودعم مُباشر بقفة شهرية وتجهيزات منزلية من الأفرشة والأواني.

وتساعد جمعية بسمة، بشراكة مع جمعيات أخرى، على تمويل مشاريع مدرة للدخل بعد إعداد دراسات الجدوى، قبل تقديم دعم الطالبين يضمن لهم توفير أرباح قارة. وبتنسيق مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، مكنت الجمعية العديد من السوريين من الحصول على بطاقة اللاجئ، مع توفير دعم جزئي للكراء الشهري.

*صحافية متدربة