من الخميني إلى روحاني .. سوء الفهم التاريخي بين المغرب وإيران

من الخميني إلى روحاني .. سوء الفهم التاريخي بين المغرب وإيران

وصف "سحابة الصيف"، الذي لطالما تداول من أجل التعبير عن فُتورٍ يطال علاقات الدول، قد لا يَسْتَقِيمُ وحالة العلاقات المغربية الإيرانية، التي تكاد تهدأ في حين حتى تعود إلى التأزم مجددا، لأسباب تختلف في الزمان؛ لكنها تلتقي من ناحية الصرامة التي تَقْطَعُ العلاقات بشكل نهائي، وتُعَجِلُ بإغلاق السفارات حتى إشعار آخر.

يوم الثلاثاء شكل موعدا جديدا لقطع العلاقات، بعد إعلان ناصر بوريطة، وزير الخارجية والتعاون الدولي، عن دعم حزب الله اللبناني، الحليف المباشر للإيرانيين، لجبهة البوليساريو الانفصالية، عبر إرسالها لمدربين من التنظيم اللبناني إلى المخيمات، قصد تمكين عناصر إبراهيم غالي من حرب العصابات، استعدادا لمواجهة مرتقبة مع المغرب.

القطيعة الجديدة لها جذور تاريخية سابقة تعود إلى 2009، عندما اتهم المغرب السفارة الإيرانية بالرباط بتسخير وسائلها من أجل نشر التشيع بالمغرب، لتتجمد العلاقات بعدها إلى حدود 2014، وتستأنف مجددا؛ لكن ألغام الصحراء المغربية ألبستها من جديد عباءة القطيعة والجفاء.

الحسن الثاني والخميني

توتر كبير طغى على العلاقة بين الملك الراحل الحسن الثاني وبين آية الله الخميني، المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، بعد أن استضاف المغرب شاه إيران محمد رضا بهلوي، الذي أسقطته ثورة 1979 الإيرانية، ليستقر بالمغرب لمدة تزيد عن الشهرين، بعد أن جاءه من مصر صوب مراكش، وترد إيران على الأمر باعتراف بجبهة البوليساريو سنة 1980؛ وهو ما تسبب في انقطاع العلاقة بين البلدين بشكل رسمي.

اعتراف سيوتر العلاقات بين الطرفين، خصوصا بعد تَمَكّنِ الخميني من دواليب الحكم في إيران، وتبدأ بذلك حرب التموقعات الدينية بين مؤسسة إمارة المؤمنين والمرشد الأعلى آية الله الخميني، من خلال تكفير علماء المغرب للمرشد الإيراني،؛وهو التكفير الذي عاينه ملايين المشاهدين عبر الشاشات، في خطاب الحسن الثاني بعد أحداث 1984 التي اتُهِمَتْ إيران بالضلوع فيها.

سلسلة الخرجات الصحافية للحسن الثاني تواصلت بقوة، حيث أورد في تصريحات لجريدة لوفيغارو "أن التوجه الديني الجديد لإيران يقضي بوضع قوانين الشيعة الجعفرية، التي تفترض وجود إمام يعلو عن كل سلطة دنيوية"، مضيفا أنه "يمكن أن يُلاحِظَ الجميع أن آية الله لم يبدع شيئا، فالشيعة الجعفرية موجودة منذ قرون".

تصريحات الملك الراحل للجريدة الفرنسية ذهبت أبعد من هذا الحد، إذ سجل الحسن الثاني "أنه إذا كان الخميني مسلما فيمكن اعتباري غير مسلم؛ لأن الخميني لم يقم سوى باسترجاع شفرة حادة لكنها صدئة وتحمل كل أشكال التعفن والتسمم"، مشيرا إلى "وجود تهديد موجه ضد الإسلام، لأن الجامعات تفسر الإسلام تفسيرا سيئا، وهذا ما يدفع غالبا بالشباب الدارس بها إلى التساؤل عما إذا كان الإسلام ما زال يلائم عصرنا".

التسعينيات والانفراج

شَهِدَتْ بداية تسعينيات القرن الماضي انفراجا على مستوى العلاقات، بعدما بادرت طهران إلى سحب اعترافها بجبهة البوليساريو سنة 1991، ثم سَمَحَ الطرفان بتعيين قائمين عن الأعمال بكلا البلدين، لترتفع الدبلوماسية إلى درجة السفراء سنة 1993، مقابل إقرار المغرب بحق إيران في استعمال الطاقة النووية، في الأغراض السلمية؛ وهو ما جعل المغرب يستفيد بشكل كبير من الانفراج، بعد أن كانت إيران من بين الزبائن الرئيسين للفوسفاط المغربي.

إدريس هاني، الخبير في العلاقات المغربية الإيرانية، أكد أن "العلاقات، بالرغم من كل ما شابها من تحسن في تلك الفترة، بقيت حبيسة الشك وسوء الفهم الكبير، نظرا لأنها لم تبنَ على أسس متينة"، مشيرا إلى أن "ما وقع يوم الثلاثاء لا يمثل قطيعة نهائية"، وزاد: "كل ما في الأمر أننا أمام حادثة دبلوماسية، في إقليم هش علائقيا".

وأضاف هاني، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن "تسعينيات القرن الماضي عرفت مشاركة العديد من وفود البلدين في عديد المعارض الثقافية والأسابيع السينمائية والتشكيلية"، مذكرا بـ"حضور العديد من علماء الدين الإيرانيين إلى الدروس الحسنية الرمضانية في تلك الفترة، وكذا تبادل الوفود البرلمانية بين البلدين، التي لم تخرج من دائرة المجاملة الدبلوماسية".

العهد الجديد

تحركات دبلوماسية عديدة بوشرت بعد تولي الملك محمد السادس سدة الحكم، انطلقت باستقبال حسن روحاني، نائب الرئيس الإيراني، شهر مارس 1999 في الرباط، ثم تلتها زيارة للوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي لإيران سنة 2001، ولقاؤه بالرئيس محمد خاتمي، بموجب دعوة رسمية من إيران، بعد أن تكلفت اللجنة المغربية – الإيرانية بالإعداد للقاء.

سنة 2003، سَتَرْصُدُ عدسات المصورين تبادلا لأطراف الحديث، بين الملك محمد السادس ومحمد خاتمي في قمة المؤتمر الإسلامي بالعاصمة الماليزية كوالالمبور، لتتبعها زيارة لوزير الخارجية الإيرانية منو شهر متقي، إلى الرباط، ولقاؤه بالوزير الأول إدريس جطو، في فبراير 2007.

أزمة 2009

العلاقات التي تحسنت في بداية التسعينيات ومطلع الألفية سرعان ما عادت إلى الجمود، بسبب "تدخل إيران في الأمور الدينية للمملكة المغربية، عبر نشر المذهب الشيعي في صفوف المغاربة، وضربهم على المستوى العقائدي".

وفي السياق ذاته، عمّقت أزمة احتجاجات البحرين من القطيعة التي نشبت سنة 2009، بعدما انتقدت السلطات المغربية حينها "نشر بيان تضمن تعبيرات غير مقبولة في حق المغرب، على إثر تضامن المملكة مع البحرين، إسوة بالعديد من الدول التي رفضت المساس بسيادة هذا البلد ووحدته الترابية، إبان الاحتجاجات التي وقعت داخله".

هذه المعطيات تلاها بشكل مباشر قطع للعلاقة من الجانب المغربي، في السادس من مارس 2009 إلى حدود مطلع 2014، حيث أعاد الطرفان علاقاتها الدبلوماسية، بعد اتصالات بين وزير الخارجية السابق صلاح الدين مزوار ونظيره الإيراني جواد ظريف؛ لكن التعيينات على مستوى سلك السفرا، ظلت حبيسة غرفة الانتظار، إلى غاية 2016، ليُعَيَّنَ حسن حامي سفيرا إيرانيا معتمدا لدى المملكة المغربية.

قطيعة 2018

عادت العلاقات المغربية الإيرانية إلى نقطة الصفر، بعد أن أعلن ناصر بوريطة، وزير الخارجية المغربي، يوم الثلاثاء، عن "قطع العلاقات مع الجمهورية الإيرانية، بسبب تورط حزب الله اللبناني في دعم ميليشيات البوليساريو، بإرسالها لخبراء عسكريين صوب مخيمات تندوف لتدريبها على أساليب حرب العصابات".

وأضاف بوريطة أن "مدربين عسكريين تابعين لحزب الله سافروا إلى تندوف، لتأهيل قيادات من جبهة البوليساريو الانفصالية في هذا الشهر على استخدام صواريخ أرض- جو"، مشددا على أن "القرار لا يرتبط بالأوضاع في سوريا أو الشرق الأوسط بشكل عام، وأنه لا يخضع سوى لمصالح ثنائية".

من جهته، رد حزب الله اللبناني على تصريحات وزير الخارجية المغربي بالقول "إنه من المؤسف أن يلجأ المغرب، بفعل ضغوط أمريكية وإسرائيلية وسعودية، إلى توجيه هذه الاتهامات الباطلة"، مشيرا إلى أنه "كان حريا بالخارجية المغربية أن تبحث عن حجة أكثر إقناعا لقطع علاقاتها مع إيران، التي وقفت وتقف إلى جانب القضية الفلسطينية وتساندها بكل قوة، بدل اختراع هذه الحجج الواهية".