أفريقيات جنوب الصّحراء .. كفاحٌ يومي لكسب قوت العيش بالمغرب

أفريقيات جنوب الصّحراء .. كفاحٌ يومي لكسب قوت العيش بالمغرب

على قارعة الطريق بـ"باب شالّة" بالرباط، يصطف باعة لموادّ التجميل والتزيين. هم أفارقة، رجال ونساء، من دول جنوب الصحراء، قدموا إلى المغرب إما للحصول على لقمة عيش أو للمرور إلى "الفردوس" الأوروبي، بيد أن الأقدار شاءت أن يستقروا هنا، ويكسبوا قوت عيشهم من بيع منتوجات نسائية بامتياز.

الرحلة نحو المغرب

ونحن نتجول بـ"باب شالة"، أولّ بائعة قابلناها تدعى "أمينة"، في الثانية والثلاثين من عمرها، سنغالية الجنسية مقيمة بالمغرب. قصّة قدومها إلى هنا تختلف عمّن قابلناهم من بني قارتها؛ فهي لم تختر المغرب طواعية، ولم تفكر يوما في العيش فيه.

"كنت في كوناكري أشتغل في فندق، فاقترح عليّ أحدهم أن آتي إلى المغرب كي أشتغل عاملة منزلية. أثناء عملي لدى إحدى الأسر هنا، قوبلتُ بمعاملة قاسية من قِبل الزوجة. لم تكن تعطيني الأكل ولا الملبس، ولا حتّى تسمح لي بإجراء مكالمات الهاتفية. لم أكن أخرج من المنزل، وكنتُ أشتغل كثيراً. لقد عشت العبودية!"، تصرخ أمينة.

أسباب مكوث هؤلاء المهاجرين الأفارقة في المغرب تختلف من شخص إلى آخر. فبالنسبة إلى مامادو أمين، البالغ من العمر خمسة وعشرين سنة، القادم من غينيا كوناكري، جارة غينيا بيساو، فقد حلّ بالمغرب للعبور إلى "الفردوس" الأوروبي. يقول: "حاولتُ كثيراً أن أعبر إلى أوروبا، لكن لم أستطع. جرّبت القارب كما السيارة، غير أنني لم أفلح".

"عيشة"، شابة في ربيعها الثالث والعشرين، إيفوارية الأصل مقيمة اليوم بالمغرب، تحكي لهسبريس قصتها مع المجيء إلى المملكة، قائلة: "هربت من أزمة اقتصادية كانت تعيشها بلادي ساحل العاج سنة 2014، وقدمت إلى هنا بحثاً عن عمل أسدّ به رمقي".

الاستقرار بالمغرب

كانت أمينة (المهاجرة السنغالية) وهي قادمة إلى المغرب، قد اتفقت مع مُشغليْها (الزوج والزوجة) على العمل مقابل أجر قدره ثلاثة آلاف درهم. وحين تعبت وما عادت تطيق مرارة العمل لدى تلك الأسرة، أعلنت رغبتها في المغادرة وطلبت من مشغليها الأجر المتفق عليه؛ غير أنهما "منحاني ألفي درهم فقط، وحتى تذكرتي الذهاب والإياب كان الاتفاق أن يتحملانهما، لكن ذلك لم يحصل؛ فقد اقتطعت الزوجة ثمن التذكرتين من أجرتي".

بعد خروج أمينة من الوضعية التي وصفتها بـ"المأساوية"، بحثت طويلاً عن عمل لائق، فلجأت إلى بيع منتوجات سنغالية، واستطاعت كراء مسكن بألفي درهم، قالت إنه "ثمن مناسب، فأنا أربح بعض المال ممّا أبيعه".

الشعور بالارتياح ذاته عبّر عنه كذلك الغيني مامادو أمين، الذي قال: "أنا مرتاحٌ في المغرب، إنني أربح مالا يغطي تكلفة معيشتي وكراء المسكن. لم أجد عملاً آخر، لهذا لجأت إلى بيع هذه السلع".

هذا الإحساس تتقاسمه معهما أليتا جاي، المعروفة بـ"مريم الإيفوارية"، ذات الثانية والثلاثين ربيعا، التي أكدت أنها لا تفكر في العودة إلى بلدها، قائلة: "أنا هنا أعيش في ظروف جيدة".

في المغرب

الوضع القانوني لهؤلاء الباعة الأفارقة يختلف من شخص إلى آخر، فمامادو أمين أكّد أنه لا يتوفر على أوراق إقامة بالمغرب، موردا أنه تقدم بطلب في الموضوع عام 2017 وما زال ينتظر جواب الدولة المغربية، واشتكى من عدم توفره على تغطية صحية. أما أمينة، فتتوفر على أوراق الإقامة القانونية، وتتمتع بالتغطية الصحية.

وعن الجهود التي يبذلها الملك محمد السادس لتسوية أوضاع المهاجرين، خاصة الأفارقة من دول جنوب الصحراء والساحل، علّقت أمينة بالقول: "الملك يحبّ السنغاليين، ونحن نحبّه كثيراً. إنه يسهر على راحتنا".

وعن تعليم أطفال المهاجرين، قالت أليتا جاي: "لديّ صديقات ينحدرن من بلدان جنوب الصحراء لهنّ أطفال بالمدرسة. لقد استطعن أن يُدرّسن أبناءهنّ هنا بالمغرب".

وفي ما يخصّ وضعيتها بصفة عامّة في المغرب، اشتكت أمينة من أنها غير مستقرة، قائلة إن "بيع هذه المنتوجات غير كافٍ. هذا ليس عملاً، أريد الاشتغال في عملٍ آخر".

منتوجات جنوب الصحراء

وأنت تتجول بباب شالة، تلمح منتوجات بألوان مختلفة تزيّن المكان، من زبدة الكارايبي، والصابون المصنوع من الجزر، ومراهم البشرة والوجه، إلى إكسسوارات اليدين، والقلائد، والمجوهرات، التي تجدها على طاولة أمينة، وكذا الشعر المستعار، والخواتيم ذات الفصّ، و"كريمات" اليدين التي تجدها على طاولة عيشة وأليتا جاي، بالإضافة إلى النظارات والساعات اليدوية والاكسسوارات المرتبة بشكل جيد على طاولة مامادو أمين.

"آتي بهذه الاكسسوارات من السينغال. يبيعها لي أشخاص. إنها مصدر رزقي الوحيد." تقول أمينة.

"أقتني هذه المنتوجات من الدار البيضاء. كل الدمالج السنغالية نفدت، لم يتبقّ إلاّ ما اقتنيته من الدار البيضاء"، هكذا يقول مامادو وأشعة الشمس تلفح وجهه.

على طاولة أليتا وعيشة، شعر اصطناعي وآخر حقيقي. ألوان مختلفة، وأشكال متميزة؛ منها الضفائر، ومنها الشعر الزائد الحريري. "أليتا تتقن الراسطا. كلما أردت التجمل، آتي عندها. الشعر المفضل لديّ هو الليندا"، تقول سهام، شابة في الثانية والعشرين من عمرها، إحدى الزبونات الوفيات لأليتا.

بين الإكسسوارات وموادّ التجميل تصطفّ النساء عند أليتا وعيشة، يقتنين منهما المواد التي تزيل البقع من على الوجه. خديجة، امرأة في الثامنة والأربعين ربيعاً، وقفت تنتظر انتهاء تزيين سهام، لشراء منتوج. "لم أجرب المنتوجات الإفريقية التي تبيعها أليتا، لكن صديقاتي حكين لي عنها. اقتنيت مرهما للوجه، وسأجربه بتوصية من صديقاتي".

إقبال مغربي

بين الزبناء الواقفين أمام طاولات البائعين، صرحت لنا فاطمة الزهراء، الشابة ذات التسعة عشر ربيعاً، بأنها تفضل المنتوجات الإفريقية كثيراً، وأنها اعتادت على تزيين وجهها عند عيشة وأليتا، فـ"الأمر لا يكلّف كثيراً، كما هو الشأن بالنسبة للصالونات الكبرى".

"المغاربة يقبلون على الشراء، لدي أصدقاء مغاربة كُثر، يأتون لشراء الصابون، والمرهمات. هذا أكثر شيء أبيعه. والنساء أكثر إقبالاً من الرجال"، تقول أمينة بنبرة واثقة.

أما بالنسبة لمامادو، فالجواب كان عنده بسيطاً: "حين يكون للناس مالٌ يأتون للشراء، وحين لا يكون المال متوفراً، فذاك أمر آخر".

بعد انتهاء جولتنا بباب شالّة، ظلّت نظرات وجوه البائعات الإفريقيات راسخة في الذاكرة. عزيمة على كسب الرّزق، وكفاح مستمرّ لإثبات الذات في بلدهنّ الثاني بعد رحلة شاقّة للعبور نحو الضفة الأخرى بحثاً عن العيش الكريم.

ويبقى حلمهنّ ورديا.

*صحافية متدرّبة