التربية الإسلامية تحرم أفارقة من الاندماج في المنظومة التعليمية

التربية الإسلامية تحرم أفارقة من الاندماج في المنظومة التعليمية

التربية الإسلامية مادة أساسية تدرس في المدرسة الابتدائية المغربية، قد تتحول إلى مصدر توتر ثقافي مع الجاليات الإفريقية؛ فإذا كان تدريسها للتلاميذ المغاربة لا يطرح إشكالات من هذا النوع، فإن المعاينة الميدانية تثبت العكس بالنسبة لأبناء جالية الدول الإفريقية.. السبب العميق ثقافي وديني بالدرجة الأولى.

بتفحص المقرر المقصود يتضح أن الأطفال الأفارقة المقيمين بالبلاد لا يجدون في المادة عناوين تبرز ثقافاتهم؛ تاريخهم؛ هوياتهم وأديانهم..كتب مدرسية تقدم لهم، تتكون من مقطوعات وقصص تهم الثقافة المغربية وتستثني ثقافات باقي المتمدرسين الأجانب.

وبالنظر إلى كون التعليم الابتدائي مهما في صقل شخصية وثقافة الطفل، فإن هذه الوضعية قد تتحول مع التراكم والزمن إلى صراع ثقافي داخل الجاليات الإفريقية في ما بينها، وبينها وبين باقي المغاربة في المستقبل.

وفي وقت يعتبر تدريس مادة التربية الإسلامية ضروريا للتلاميذ المغاربة، فإن بقاء الأطفال الأفارقة بدون تأطير وفق عقائدهم الدينية كحق إنساني معترف به قد يراه البعض إقصاء لهم وبمثابة لغم موقوت قابل للانفجار في المستقبل.

هذا بالإضافة إلى إمكانية نقل هؤلاء الأطفال إلى بلدانهم عند كل عودة أو زيارة لتوجهات مذهبية وفقهية مغربية لا تتبناها دولهم ومجتمعاتهم، وعندها قد يصير الدرس المغربي مصدرا لتأطير ديني يخلق التوتر والصراعات في بلدان المنشأ.

وضعية كهذه قد تضع هؤلاء الصغار في قلب تجاذبات ثقافية غير مؤمنة وغير مراقبة.. تتقاذفهم الرياح بين المجتمع المدني المغربي والمنظمات الأجنبية المساهمة في تأطير الجاليات الهشة، وبين مختلف التمثيليات الدبلوماسية التي تسعى هي أيضا إلى تأطير مواطنيها على حين غفلة من الدولة المغربية.

الخلاصة المخيفة هي أن هذه الأزمة خفيفة الحدة حاليا تذكر بما وقع لأبناء الجاليات العربية في أوروبا عندما همش تدريس خصوصياتهم الدينية والثقافية بحجة اللائكية، وتركوا عرضة لتأطير خارج سياق الدولة، من قبل جمعيات مدنية وأخرى دينية غير معلومة الأهداف والنوايا.

مفارقة رصدتها هسبريس وهي تتابع تطور الكتاب المدرسي في المغرب وتأثيره على الطفل..زيارات ميدانية إلى عينات من مدارس الرباط أظهرت بجلاء حساسية الموضوع، وتداخل القطاعات لمعالجته حسب كل المتحدثين إلى الجريدة بهذا الخصوص؛ سواء من داخل الأطر التربوية أو الإدارية بأكاديمية التعليم بالرباط وهيئات التدريس ببعض المدارس.

ولبسط دقيق لإشكالية تدريس الأفارقة بالمدارس الابتدائية المغربية كان من الضروري استقصاء وجهة نظر المسؤولين الإداريين عن هذا الوضع. كانت الوجهة إلى الأكاديمية الجهوية للتربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي لجهة الرباط سلا القنيطرة. تواصلنا مع محمد أدردور، مدير الأكاديمية بهذا الخصوص، فأبدى استعدادا للتعاون، واضعا رهن إشارتنا فريق عمل زودنا بكل المعطيات الإحصائية والإجرائية العاجلة المتخذة لمعالجة هذه الإشكالية. هذه الإجراءات الآنية تأتي في انتظار إقرار الوزارة لسياسة شاملة وعميقة لهذا الموضوع، بالتعاون مع باقي القطاعات المتدخلة في ملف الهجرة حسب إفادة مسؤولي المؤسسة التعليمية.

قام هؤلاء المسؤولون بمرافقتنا أيضا إلى عينات من مدارس الرباط، حيث يتمدرس عدد مهم من أبناء الجالية الإفريقية، للوقوف على خصوصية الموضوع ميدانيا.

وحسب المعطيات التي حصلنا عليها من الأكاديمية فقد عرفت هذه الفئة من المتمدرسين ارتفاعا مطردا في أعدادها؛ فبعد أن كان العدد لا تتجاوز 60 تلميذا(ة) خلال الفترة من 2009 إلى 2013، تضاعف خلال السنوات الأخيرة بفضل المبادرة الملكية لتسوية وضعية المهاجرين غير الشرعيين بالمغرب، حسب توضيحات مصالح الأكاديمية.

وتوضح الرسوم البيانية أسفله المعطيات المتعلقة بأعداد التلاميذ المنحدرين من جنوب الصحراء والساحل، المدمجين في مدارس جهة الرباط حسب جنسياتهم.

ويعرف الموسم الدراسي 2017/2018 إدماج 178 تلميذا في المدارس العمومية في دائرة نفوذ الأكاديمية من أبناء الجالية الإفريقية، منهم 124 في مدينة الرباط لوحدها، بوتيرة تنبئ بتزايد مستمر من سنة إلى أخرى مع كل عملية تسوية لوضعية المهاجرين الأفارقة بالمغرب.

وحسب التوضيحات المحصل عليها فإن الأكاديمية عملت منذ بداية استقبال الأطفال الأفارقة المقيمين بالمغرب بشكل قانوني على اتخاذ عدد من الإجراءات والتدابير لتفعيل السياسة المغربية في مجال الهجرة في الشق المتعلق بضمان إدماجهم في المؤسسات التعليمية المغربية، تفعيلا لمقتضيات دستور2011، وتنفيذا للالتزامات التي تضمنتها الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق المهاجرين التي صادق عليها المغرب.

وتضيف مصالح الأكاديمية أن من بين هذه الإجراءات العملية التي تم القيام بها في هذا الصدد تسهيل إجراءات تسجيل الأطفال المهاجرين بناء على مقتضيات المذكرة الوزارية الصادرة بتاريخ 08 أكتوبر 2013 تحت عدد 487/13، في شأن إدماج التلميذات والتلاميذ الأجانب المنحدرين من بلدان الساحل وجنوب الصحراء في التعليم المدرسي المغربي.

ولكي تتضح الصورة أكثر كان من الضروري أن نبدأ من البداية، من النواة الأولى للتعلم؛ القسم المدرسي.

الزاهري فاطمة، أستاذة اللغة العربية بمدرسة الداخلة بحي يعقوب المنصور بالرباط، حيث يقطن عدد كبير من المهاجرين الأفارقة، رصدت من خلال تجربتها في التعامل مع الأطفال المهاجرين الوافدين من عدد من الدول الإفريقية أن "هناك تأقلما مرنا وسلوكات حسنة، وسلاسة في المعاملة، وأنهم يقومون بالواجبات الدراسية داخل الآجال؛ بل هناك أفارقة بارعون في اللغة العربية". غير أن المعلمة لمست "تعثرا في تعلم الأفارقة لمادة التربية الإسلامية وحفظ القرآن الكريم، وإن كانوا يعبرون عن رغبتهم في تعلم العقائد والأديان، وأنها تعمل على تحبيبها لهم". ومن وجهة نظرها ولتفادي أي تعارض مع ثقافات وأديان وعائلات هذه الفئة، فهي لا ترى مانعا في "تدريسهم دياناتهم الخاصة، من أجل إدماج كلي في المدرسة والمجتمع المغربي"، حسب تصريحاتها.

محمد الأنصاري، مدير المدرسة المذكورة، في حديثه لهسبريس حول الموضوع، يرى أن الأفارقة المتمدرسين لديه "لا يجدون أي صعوبات في تعلم اللغة العربية، خصوصا مع اعتماد الوزارة كتابا جديدا هذه السنة". أما بالنسبة لتدريس التربية الإسلامية، يتصور المدير أن "هذا الموضوع فعلا حساس، وإن كانت هذه المادة أصبحت بالنسبة لهذه الفئة مادة اختيارية وغير معممة"؛ وعن تجربته الخاصة في معالجة القضية، تحدث عن "استشارته مع آباء التلاميذ المعنيين لمعرفة رأيهم وقرارهم في تدريس أبنائهم التربية الإسلامية". ولا حظ المدير أن "هناك مجموعة من الآباء ليس لهم اعتراض على تعلم أبنائهم المادة، في حين أن هناك فئة قليلة تعترض، نظرا لحساسيتها الدينية"، حسب تعبيره.

لمزيد من التوسع في الموضوع انتقلنا إلى مدرسة أخرى لتحديد الإشكال ميدانيا بشكل واضح. هذه المرة كانت الزيارة إلى مدرسة الرازي الابتدائية بالرباط، حيث رافقنا مديرها محمد المكاوي إلى بعض الأقسام.

ونحن نزور عدة أقسام أثناء حصص الدرس عاينا اندماجا حقيقيا لأطفال المهاجرين الأفارقة مع الأطفال المغاربة. يتحدثون الدارجة المغربية بكل طلاقة.. لاحظنا ذلك بوضوح خلال حضورنا عرضين مسرحيين لأطفال مهاجرين مقيمين بالمغرب، حيث لا يمكن التمييز بينهم وبين طفل مغربي في نطقه للعامية المغربية.

العرض المسرحي الأول قدمه الأطفال الأفارقة بشكل مرتجل. تحكي لوحات المسرحية المرتجلة المقدمة بالعامية المغربية بشكل سلس قصة اعتراض شاب مخمور لفتيات، من أجل السطو على هواتفهن النقالة وكيف تدخل الأمن لتوقيفه وحل المشكل. الخلاصة الأولية توحي بأن الأطفال الأفارقة وإن كانوا قد اكتسبوا الدارجة المغربية، ولم تعد بينهم وبين المغاربة حواجز لغوية، إلا أنهم أيضا اكتسبوا تمثلات عن المجتمع وعن البيئة الاجتماعية التي يعيشون وسطها.

المسرحية الثانية كانت قصيرة، بين طفل من الكامرون وطفلة من الكونغو، أديا عرضا بالعامية المغربية يروي رغبتهما في المشاركة في المسيرة الخضراء. الاستنتاج الأولي يفيد بإدماج هؤلاء التلاميذ أيضا في القضايا الوطنية المغربية.

عندها تحدثنا إلى مدرسات بالمدرسة المذكورة.. الأستاذة الفاضلي مليكة تؤكد أن استقبال هؤلاء التلاميذ "استقبال جيد، ونحن نعمل على تعليم الأطفال المغاربة التعامل الجيد معهم وعدم التمييز بين الناس عموما". وعن تأثر التلاميذ في ما بينهم تضيف أن "التلاميذ المغاربة أيضا يتأثرون بالأفارقة خلال الأنشطة الثقافية والفنية، ويتعلمون منهم أشياء جميلة".,زميلة لها بنفس المؤسسة تقول إنها تلمس كل يوم وجود "اندماج حقيقي بين الأطفال الأفارقة والمغاربة، وأنهم يسايرون ويفهمون اللغة العربية"؛ وبخصوص تعاملها مع هذه الفئة بواسطة الكتاب المدرسي لاحظت أن هناك خللا في مواده لفائدة الأفارقة، وعبرت عن أملها في "إضافة مواد تهم خصوصياتهم حتى يقبلوا الكتاب ويحبوه"، حسب تصريحها.

هذه التصريحات تأكدت لنا ونحن نستمع إلى درس في اللغة العربية، إذ لم يجد هؤلاء التلاميذ صعوبات كبيرة في التعامل معه، غير أنه لا يحتوي على أي إشارات إلى ثقافاتهم وهوياتهم المتنوعة. كما شاهدنا بأم العين كيف هو الانسجام كبير بين الأطفال المغاربة والأفارقة في الساحة أثناء الاستراحة، حيث يلعبون سويا بدون أي عقد أو إقصاء..ملابسهم غير مختلفة عن ملابس المغاربة..أيضا طرق لعبهم واندفاعهم عادية كباقي الأطفال، فقط يتميز بعضهم بتسريحة شعر الرأس التي تدل على طقوسهم الخاصة بهذا الشأن.

المكاوي محمد، مدير المدرسة المتواجدة بحي يعقوب المنصور بالرباط، حيث يتمدرس أكبر عدد من التلاميذ الأفارقة، (38 تلميذا وتلميذة من مختلف الجنسيات الإفريقية)، كان له رأي في الموضوع..في تقديره يعتبر إدماج التلاميذ الأفارقة، حسب ما يعاينه في مدرسته، ناجحا؛ كما يعتبر أن "التلاميذ يسايرون الدروس، وتعاملهم عاد ومنسجم". وفي ما يتعلق بالكتاب المدرسي أقر المدير بأن هذا الكتاب "معد للمغاربة، ويضع صعوبات أمام فئة الأفارقة، وتجب إعادة النظر فيه لتبسيطه، لكونهم ببساطة لا يجدون فيه أنفسهم ثقافيا"، مضيفا أن الهوية الإفريقية غائبة عن الكتاب.

وعن كيفية التعامل مع هذا الوضع صرح المدير بأن الأساتذة لا يقفون مكتوفي الأيدي، "بل يقومون بمجهودات كبيرة لملاءمة ثقافة الأفارقة مع الكتاب المدرسي في انتظار التعديلات المستقبلية للكتاب".

وفي الصدد يضيف المدير أن "الأطر التربوية والإدارية بالمدرسة يعمدون إلى تقليص الفجوة بين الدرس والواقع، من خلال الجانب التنشيطي والفني الذي يبرز فيه الأفارقة ذواتهم وثقافاتهم وفنونهم، مشتركين في ذلك مع الأطفال المغاربة الذين أصبحوا يتأثرون بهم أيضا".

وعن مادة التربية الإسلامية لم يخف المتحدث قلقه من تلقي الأفارقة لها، إذ لاحظ "ضعفهم الشديد فيها وعدم قدرتهم على حفظ سور القرآن الكريم"، وأن "آباءهم داخليا لا يقبلونها، بل إن هناك اعتراض أحيانا عليها" مضيفا أن "الوزارة أعفتهم منها"، حسب تصريحه.

وعن تعامل المؤسسة مع هذه الفئة حكى لنا مديرها كيف أنه تفاجأ بمكتبه ذات يوم بحضور التلميذة غلوريا، المنحدرة من دولة إفريقية، وهي طفلة فقدت والديها في إحدى الحروب، وهي تقود عددا من التلاميذ من جنوب الصحراء، لتحتج على ما أسمته التمييز العنصري. عندها كانت دهشة المدير عظيمة، بل وحسب روايته انتابه قلق كبير، إذ لم يخطر بباله أن يكون في مدرسة ابتدائية هذا النوع من التعامل؛ ولم يجد من رد فعل أمامها وأمام باقي التلاميذ سوى التبسم في وجوههم وهو يستمع إلى قصة التمييز هاته.

"الأزمة" لخصتها زعيمة الأطفال الأفارقة الغاضبين في بضع كلمات.. قالت إن هيئة التدريس والأطر الإدارية بالمدرسة يميزونهم إيجابيا عن باقي التلاميذ المغاربة. استنكرت الطفلة الإفريقية تعامل الطاقم المدرسي مع فئة أبناء المهاجرين بعناية كبيرة وبعدم الصرامة المطلوبة عند التغيب أو عند عدم إنجاز فروض الدرس المدرسي أو عند تزيين أجسادهم بإكسسوارات تقليدية إفريقية. عندها تبخر قلق المدير وتنفس الصعداء؛ فوجب عليه حينها أن يوضح لها الموقف..أما عن التعامل التمييزي فرافع عنه بالقول إنه واجب تقتضيه الضيافة؛ وأما عن السبب العميق فهو مراعاة ظروفهم لكي يتمكنوا من تلقي التعليم المناسب والاندماج الحقيقي في المجتمع، فتفهمت الطفلة وزملاؤها الدرس وطويت القصة.

وبعد هذه المعاينات الميدانية كان من اللازم تأطير الموضوع بموقف رسمي واضح من مسؤولي الأكاديمية.

إجابة عن سؤال تدريس مادتي التربية الإسلامية واللغة العربية لأبناء الأفارقة، أفادنا المسؤولون بأنه "لمواكبة تمدرس هذه الفئة، واعتبارا للخصوصيات الدينية واللغوية، قررت مصالح الأكاديمية الجهوية لجهة الرباط سلا القنيطرة إعفاء التلميذات والتلاميذ من المعتنقين للديانة المسيحية من حصص مادة التربية الإسلامية، وفروض المراقبة المستمرة والامتحانات الإشهادية الخاصة بها؛ وذلك وفق المساطر الإدارية المعمول بها في هذا الشأن".

وتعويضا للنقص الذي قد يحصل في عملية الإدماج المدرسي لهذه الفئات، وبغية تحقيق اندماج حقيقي لها، فإن الأكاديمية على ما يبدو اختارت الأنشطة الموازية لتحقيق ذلك.."باعتبار هذه الأنشطة عاملا فعالا في التأقلم السريع والاندماج السلس مع الوسط المدرسي، فإن مصالح الأكاديمية تحرص على إدماج هذه الفئة من التلميذات والتلاميذ في مختلف أنشطة الحياة المدرسية بالمؤسسات المغربية، تطبيقا لمبدأ الإنصاف وتكافؤ الفرص، كما تعمل على إدماجهم في جميع الأنشطة ذات الطابع الإقليمي والجهوي، مع تخصيص أنشطة للهجرة والمهاجرين". تورد الأكاديمية.

وأعطت الأكاديمية مثالا بالبرنامج المعروف اختصارا بـ"أنا مهاجر" الذي ينظم بشراكة مع اللجنة الأوربية للتكوين والفلاحة؛ والذي يهدف حسب مسؤولي الأكاديمية إلى تقوية قدرات الفاعلين التربويين في مجال الهجرة وتصحيح التمثلات ومراجعة النظرة إلى المهاجر مع محاربة الميز العنصري بكل تمظهراته.

من جانب آخر تعمل الأكاديمية الجهوية على ضمان فرصة ثانية لتمدرس أطفال المهاجرين، خاصة المنحدرون من دول إفريقية، عن طريق إدماجهم في برامج التربية غير النظامية؛ وهو البرنامج الذي يتم تنفيذه في إطار الشراكة التي تبرمها الأكاديمية مع عدد من الجمعيات النشيطة في هذا الإطار.

وقد بلغ عدد الجمعيات النشيطة في مجال التربية غير النظامية 49 جمعية تشتغل بالمؤسسات التعليمية بالمديريات الإقليمية، من بينها 15 جمعية متعاقدة مركزيا و34 جمعية تربطها بالمديريات الإقليمية اتفاقيات للشراكة، حسب إفادة مسؤولي الأكاديمية.

كلها علاجات أولية قامت بها وزارة التربية الوطنية لتفادي الضغط على أبناء الجاليات الإفريقية، في انتظار إخراج سياسة متكاملة لإدماجهم في البيئة المدرسية بدون عوائق.

ومن جانب آخر تعد الوزارة المنتدبة لدى وزارة الخارجية والتعاون الدولي المكلفة بالهجرة، أحد الأطراف المتدخلة في مادة الهجرة واستقرار المهاجرين، عدة خطط أفقية مع قطاعات حكومية. كلها تصورات إجرائية بغرض تحديد مكامن الخلل في التعامل مع أبناء الجاليات الإفريقية وضمانا لحسن إدماجهم.

وحسب مسؤولي وزارة الهجرة فإنهم يعون جيدا حجم هذه الضغوطات الثقافية والتربوية. وبقصد حل هذه المشاكل تنسق الوزارة مع قطاع التربية الوطنية لتوفير مشاريع تعليمية ومناهج تربوية تتماشى مع الاحتياجات الثقافية للمهاجرين الأفارقة بالمغرب، حسب معطيات استقيناها من مسؤولي الوزارة؛ كما تبين من خلال التواصل معهم أنه فعلا تم الشروع في إدخال عدة تعديلات على المناهج المدرسية بإدخال حصص تكوينية حول الهجرة لفائدة المدرسين، إضافة إلى إدخال عناوين جديدة للكتاب المدرسي متعلقة بثقافة التسامح واحترام الآخر، كعمليات تمهيدية في سبيل إخراج مناهج جديدة تأخذ عملية إعدادها بعض الوقت.

وحتى لا يتم تغييب وجهة نظر المثقفين والباحثين، ولمعرفة إمكانات إيجاد بدائل تعليمية لهذه الفئة، اتصلت هسبريس بأستاذ التعليم العالي بجامعة محمد بن عبد الله بمكناس، الدكتور محمد الخمسي، الذي سبق له الاشتغال على جوانب فكرية تهم الموضوع.

يرى الأستاذ المتحدث أن من الممكن "الاستفادة من تجارب بعض الدول الأوربية التي اعتمدت جملة من القواعد العملية".. ومن بين هذه القواعد اعتماد برامج البلدان الأصلية، شريطة أن تكون خالية من التحريض على الكراهية والحقد ضد باقي الديانات والمعتقدات للبلد المقام فيه، أي بالنسبة للمغرب؛ وألا تحمل أي إشارة بالانتقاص لكل ما يرمز لعرق أو أصل من خلال نص ديني أو توظيف مفردات تبث الفرقة على أساس قبلي أو عرقي، ثم عدم توظيف المادة لأي موضوع يهم الوحدة الترابية أو النظام السياسي، أي عدم التعبير عن مواقف سياسية من خلال مادة روحية دينية تربوية؛ مع وجوب عدم استعمال نصوص تتعارض وحقوق الإنسان، وخاصة ما قدم يمس بحقوق الأطفال؛ وأخيرا يجب تجنب استعمال نصوص لا تحترم النوع، أو بمعنى آخر النصوص التي تقلل من شأن المرأة".

ويري الباحث المغربي أنه يمكن التعاون مع دول المنشأ لاقتراح مدرسين متمكنين من تحدث لغة البلد الأصلي، إضافة إلى إحدى اللغات التي يمكن أن يتواصل بها مع الطاقم التربوي في المؤسسات المغربية، كاللغة العربية أو الفرنسية.

هناك خيار آخر يبرزه الخمسي في هذا الموضوع، وهو أن تنخرط جمعيات مدنية تدرس الأفارقة خارج نظام التدريس، في ما يتعلق بالمادة الدينية، "شريطة اعتماد كتب وأدوات تتم مراقبتها وفق القواعد المشار إليها سابقا، مع إمكانية اعتماد كل وسيلة تقنية، كالشريط الوثائقي أو الفيلم أو المواقع الإلكترونية"، حسب تصريحاته.