العطش يزحف على قرية "بوروس" أمام وعود الساسة ووهم السياحة

العطش يزحف على قرية "بوروس" أمام وعود الساسة ووهم السياحة

لا يمكن لزائر جماعة بوروس، المنتمية جغرافيا إلى إقليم الرحامنة والقريبة من مدينة مراكش، سوى أن يخرج بخلاصة واحدة ووحيدة عنوانها "الفقر، التهميش"، وبصيغة أخرى "رقعة جغرافية سميت غصبا عنها بالجماعة".

على بعد بضعة كيلومترات عن عاصمة النخيل مراكش، تتراءى جماعة بوروس المنتمية إلى إقليم الرحامنة، تعيش وسط عزلتها وفقرها، وكأن ساكنتها التي ترقب من هناك صومعة الكتبية الشامخة كتب لها أن تعيش وسط لامبالاة المسؤولين وعجز المنتخبين وأحلام بقدوم "غودو".

جماعة معزولة

خلف المركب الرياضي الكبير بمراكش، وراء جبال سيدي بوعثمان، تتموقع جماعة "بوروس" التي تتجاوز مساحتها 161 كلم مربعا. في هذا المكان، لا شيء يعلو على الفقر والتهميش والنسيان، وكل مظاهر اللامبالاة وترك المواطنين يواجهون قدرا مجهولا ظاهرة للعيان.

اختراق الجبال من أجل الوصول إلى جماعة بوروس بإقليم الرحامنة شبيه بوصول سيارة إسعاف إلى دواوير نائية بقرية أنفكو في ميدلت. الطريق التي تكلفك رحلة عبرها نصف ساعة قد تستغرق فيها وقتا أطول من أجل الوصول إلى ما يمكن تسميته مجازا بمركز الجماعة.

هنا في هذه الرقعة الجغرافية التي سميت قهرا بـ"الجماعة"، الكل يأمل بالعبور إلى "الضفة الأخرى" والنجاة من الفقر والتهميش اللذين يجثمان على الجميع. كل من تتحدث إليه، ومن تنظر إليه، تكشف لك قسمات وجهه على رغبة أكيدة في "الهروب" إلى هناك، حيث مدينة مراكش، بحثا عن حياة أقل تعاسة.

جولة خفيفة ببعض الدواوير البالغ عددها أحد عشر دوارا تجعل الزائر يكتشف جزءا من المغرب المنسي خلف جبال الرحامنة، وتدفع المسؤولين الذين يتوفرون على ضمير مهني إلى الخروج من مكاتبهم المريحة وركوب سياراتهم رباعية الدفع من أجل الوصول إلى هناك وإلقاء نظرة عن مواطنين ليسوا كباقي المواطنين!

تنمية مشلولة

بهذه الجماعة المنكوبة، لا مطلب يعلو على مطلب الماء، فالساكنة تبحث عنه في الصخر قبل الوديان منذ سنين عديدة؛ إذ إن الجماعة تعاني بشكل كبير من غياب المياه، وحتى إن وجد فيبقى نادرا.

يقول مراد، أحد أبناء المنطقة، في حديث لهسبريس، إن "المطلب الأول لنا هنا بالجماعة هو الماء، رغم أنه من العيب والعار أن نقدم مثل هذا المطلب ونحن في سنة 2018"، مضيفا: "بالنسبة للساكنة، فإن توفير المياه سيكون أكبر إنجاز يتم تحقيقه من طرف المسؤولين".

وعلى موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، إحدى الصفحات باسم "جماعة بوروس الرحامنة" تشير إلى هذا الإشكال؛ إذ جاء في إحدى التدوينات: "الناس وصلات للقمر ودواوير جماعة بوروس مزال محلوش حتى أزمة الماء لي نهار كاين وشهرين مقطووع".

ولا يقتصر الأمر على ندرة المياه بهاته الجماعة المنكوبة، فكل المشاريع التي من شأنها المساهمة في تنمية المنطقة تبقى غائبة بالرغم من الوعود الكبيرة التي قدمت للساكنة خلال الاستحقاقات الانتخابية التي أفرزت المجلس الجماعي المسير للجماعة، الذي ينتمي إلى حزب العدالة والتنمية.

فعلى مدى السنتين المنصرمتين من التسيير الجماعي، يؤكد أعضاء المجلس قبل الساكنة أنه "لا جديد يذكر"، بحسب تعبير أحد الأعضاء الذين رفضوا الحديث بوجه مكشوف، رغم أنهم كانوا يطمحون إلى أن تحظى الجماعة بالتغيير في ظل ترؤسها من طرف امرأة كانت تقيم في دولة مالي.

"لا مرافق للقرب، ولا طرقات، أما التعليم فتلك قصة أخرى"، يورد مراد في حديثه لهسبريس، قبل أن يضيف: "إلى جانب غياب الماء، فإن غياب التعليم الأولي بالمنطقة يعد مصيبة كبرى أصيبت بها المنطقة، ناهيك عن كون المدارس الابتدائية مكتظة بالتلاميذ وبالأقسام المشتركة. أما التلاميذ الذين قدر لهم المرور إلى مرحلة الإعدادي، فيتم توزيعهم بين جماعة الجعيدات وجماعة سيدي بوعثمان".

أما سعيد، فلفت إلى أن هاته الجماعة التي كانت تعول على امرأة جاءت بوعود لاستقدام مشاريع من إفريقيا وغيرها للنهوض بالمنطقة وساكنتها، ما زالت تعاني من الخدمات الرديئة في قطاع الصحة، مناشدا السلطات الإقليمية التحرك والقيام بزيارة إلى الجماعة والوقوف على حجم المعاناة التي تعيشها.

وبعيدا عن فرص الشغل الغائبة والتي تجعل العديد من شباب المنطقة ورجالها يلجؤون إلى الهجرة صوب مراكش بحثا عن لقمة العيش، فإن المرأة في جماعة بوروس، التي كانت تمني النفس بوصول العنصر النسوي للرئاسة بعد سنوات من سيطرة الرجال، فلا زالت معاناتها مستمرة.

مقالع تشوه الجماعة

مشاكل هاته الجماعة التي تنتظر "غودو" ليخرجها مما هي فيه، لا تقتصر على كون أفق التنمية مغلقا فيها، بل تتجاوزها إلى مشاكل لها علاقة بالبيئة، خاصة وأن مدينة مراكش التي لا تبعد كثيرا عنها كانت قد احتضنت القمة العالمية "كوب 22" بحضور ملك البلاد محمد السادس.

فهاته الجماعة تعد واحدة من أكبر المناطق بالرحامنة التي تحتوي على المقالع التي تستغلها أربع شركات، مما يؤثر بشكل كبير ويترك انعكاسات خطيرة على المجال البيئي على مرأى ومسمع من رئيسة المجلس الجماعي، محجوبة التريدي، والسلطات المحلية والإقليمية.

وخلفت هاته المقالع أضرارا كبيرة بالمنطقة، بحسب أبنائها؛ إذ إنها ساهمت في تعميق معاناة الساكنة في البحث عن الماء، ناهيك عن كونها قضت على الحرث والنسل، أما الأشجار فمعظمها صار في خبر كان، بينما تتابع رئيسة المجلس الوضع دون أن تُلزم أصحاب هاته الشركات الريعية بوقف استنزافهم لثروات المنطقة، أو فرض رسوم كبيرة عليهم عوض بضع ملايين لا تسمن ولا تغني من جوع.

رئيسة من مالي

بعد 24 سنة من رئاسة عبد الحي القباج لجماعة بوروس، كانت الساكنة تمني النفس بقدوم شخص آخر يخرجها "من الظلمات إلى النور"، وينفض عنها الغبار.

خلال الانتخابات الجماعية لسنة 2015، طفا إلى السطح اسم محجوبة التريدي، التي تمكنت من الظفر بمقعدها باسم حزب العدالة والتنمية، بعدما أعطت وعودا لساكنة المنطقة بأنها ستعمل على جلب استثمارات من دول إفريقية، خاصة أنها كانت تقيم في دولة مالي.

في تلك الفترة، عمل بعض أعضاء حزب العدالة والتنمية المقربون منها على الترويج لاسمها، لتظفر بذلك برئاسة الجماعة وتكون أول امرأة تنال الرئاسة في إقليم الرحامنة، والأكثر من ذلك باسم حزب "البيجيدي".

مع مرور الأيام، بدأت الصراعات تظهر داخل المجلس الجماعي وداخل الأغلبية نفسها؛ ما سيجعل الرئيسة تطرد أحد نوابها، العربي أنزال، من المكتب المسير، ليصل "صراع الإخوة" إلى القضاء بسبب المادة 69 من القانون التنظيمي للجماعات المحلية.

وبالرغم من مرور أزيد من سنتين من التدبير الجماعي، فإن جماعة بوروس ما زالت تراوح مكانها، والمشاريع التي قدمت في الحملات الانتخابية للساكنة من طرف الرئيسة وباقي المرشحين تبدو بعيدة المنال عن التحقيق.

ولعل ما يزيد من تعميق الأزمة في هاته الجماعة أن رئيستها، محجوبة التريدي، التي كانت قد ظهرت في صورة رفقة عبد الإله بنكيران ألهبت مواقع التواصل الاجتماعي، متوعدة بهزم حزب الأصالة والمعاصرة بمعقله بالرحامنة، تقضي أغلب أوقاتها في دولة مالي رفقة أطفالها، فيما تبقى الجماعة مشلولة التسيير لكون الرئيسة تتحكم في التفويضات.

رد "الرئيسة"

رئيسة الجماعة محجوبة التريدي اعتبرت أن مسألة تسييرها من دولة مالي غير صحيحة، حيث قالت "هناك محاضر تدل على حضوري للاجتماعات، وأتواجد بشكل مستمر في مقر العمالة للبحث عن مشاريع وحلول لمشاكل الساكنة، أما ما يتردد فهو ادعاءات كاذبة".

وتابعت المتحدثة نفسها متسائلة: "كيف أقطن بمالي وأنا أحضر الاجتماعات والجلسات بالجماعة والمجلس الإقليمي؟"، مضيفة "أبنائي يتابعون دراستهم خارج التراب الوطني، وإن أخذت أياما لزيارتهم فهذا من حقي".

وأضافت في حديثها لهسبريس: "نفترض أن هناك تسييرا فرديا، فما تحقق أفضل من الفترة السابقة في جميع المجالات، سواء الطرق والمدارس والماء والكهرباء وغيرها"، لافتة إلى أنه "لا يمكننا خرق القانون، وإن تم ذلك فنحن مستعدون للمثول أمام القضاء".

وبخصوص الوضع في الجماعة لا سيما ما تعلق بمقالع الرمال، فإن الرئيسة تؤكد على وجود لجنة تسهر وتتابع الأمر، كما أن "المجلس أجبر الشركات على دفع ستة دراهم بدل خمسة لكل متر مربع، وأجبرنا جمعية بدورها على ذلك"، بالرغم من إقرارها بكون الجماعة لا تتوفر على الإمكانات التقنية لمراقبة هاته الشركات.

الهشاشة والسياحة!

في الوقت الذي تعاني فيه ساكنة جماعة بوروس، ومعها جماعات أخرى، من أبسط شروط الكرامة المتمثلة في الماء والصحة والتعليم والبنية التحتية، فإن عبقرية السلطات الإقليمية، في شخص عامل إقليم الرحامنة، تفتقت هاته الأيام بتطبيق المثل القائل "آش خاصك العريان، خاصني خاتم يا مولاي".

فقد أعلن عامل الإقليم، عزيز بوينيان، خلال حضوره أشغال دورة المجلس الإقليمي للرحامنة قبل أيام، عن تنظيم يوم دراسي نهاية الشهر الجاري حول السياحة، لإبراز ما يزخر به الإقليم من مناطق سياحية.

ولعل السلطات الإقليمية التي سارعت إلى عقد مجموعة من اللقاءات، خلال الفترة القليلة على تنصيبها على رأس هذا الإقليم المهم الذي يحتاج إلى النهوض به وإخراج المشاريع التي وقعت أمام الملك محمد السادس، تناست أن الرحامنة، وضمنها جماعة بوروس، ما زالت تعاني من الهشاشة والتهميش، ما يجعل الاعتماد على قطاع السياحة للنهوض بالمنطقة بعيد المنال.

وما يبرز ذلك أن عامل الإقليم السابق، فريد شوراق، الذي خبر المنقطة ومشاكلها طوال السنوات التي قضاها، قبل أن يتم تنقيله إلى مدينة الحسيمة التي تعيش على وقع الاحتجاجات، كان قد أكد في مناظرة سنة 2012 بمدينة مراكش أن الرحامنة تحتاج إلى الطرق والماء وأولويات أخرى، أما السياحة فلا تتوفر المنطقة على مناخها.

لا تتمنى الساكنة اليوم، في 2018، سوى الحصول على الماء وبنية تحتية وطرقات ومرافق اجتماعية تمكنها من الخروج من عزلتها التي تدفعها إلى الهجرة صوب مدينة مراكش بحثا عن حياة جديدة وشروط تضمن الكرامة المنتهكة داخل تراب جماعة بوروس، وكذا تحرك المسؤولين لوضع مخططات تنموية جدية قابلة للتحقيق قبل التفكير في أنشطة سياحية ليست من أولويات الإقليم، بحسب ما ذهب إليه مسؤول بالإقليم سابقا.