قرية "السّواكْن" .. بؤس الحياة أمام أطلال معركة وادي المخازن

قرية "السّواكْن" .. بؤس الحياة أمام أطلال معركة وادي المخازن

لا تبعُد جماعة السّْواكن عن مدينة القصر الكبير سوى بحوالي عشرين كيلومترا. على أرْض هذه الجماعة القروية وقعتْ معركة وادي المخازن الشهيرة عام 1578 ميلادية، وانتهتْ بوضع الجيش المغربي نقطة النهاية لمسيرة الإمبراطورية البرتغالية بزعامة الملك دوم سيباستيان، التي كانت تسيطر، آنذاك، على أجزاء من العالم في الشرق والغرب.

تاريخ مَنسيّ

غير بعيد عن مبنى الجماعة الترابية للسواكن يوجد نُصب تذكاري صغير للملك البرتغالي سيباستيان، وغيْرَ بعيد عنه يوجد في منتصف تَلٍّ تحيط به أحواشٌ ضريحٌ يُروى أن جثمان السلطان عبد المالك السعدي، الذي كانَ يَحكم المغرب خلال تلك الحقبة التاريخية وَوَضع خُطة هزم الجيش البرتغالي في معركة وادي المخازن، دُفن فيه لفترة من الزمن قبْل أن يُنقل إلى مدينة مراكش، عاصمة دولة السعديين.

عدا هاتيْن المَعْلمتيْن البسيطتيْن لا شيء يُوحي بأنّ أرض جماعة السواكن كانت مَسرحا لواحدة من أكبر وأهمّ المعارك الحربية في تاريخ المغرب، وفي تاريخ العالميْن العربي والإسلامي؛ ذلك أنَّ مسارَ الدول العربية والإسلامية، حسب أحمد الخاطب، أستاذ باحث في التاريخ بمؤسسة دار الحديث الحسنية، كان سيتحوَّلُ، لو حالَف النصر الجيش البرتغالي وهزمَ نظيره المغربي في معركة وادي المخازن التي وقعت في فترة كان فيها الصراع محتدّا بين القوى الكبرى، يومئذ، لتقاسُم العالم.

أما حاضرُ جماعة السواكن، فلا شيء يدلُّ على أنّ هذه البلدة تنتمي إلى القرن الواحد والعشرين سوى خط السكك الحديدية الذي يخترق البلدة. أمّا الطريق المؤدّية إليها فمليئة بالحُفر وضيّقة، إذا التقت على قارعتها عربتان لا بدَّ أن تزيغ إحداهما عن الطريق لتمرّا بسلام نظرا لضيْقها.

ويبدأ شريط المشاهد الدالّة على التهميش الذي ترزح تحت وطأته هذه البلدة الواقعة في شمال المملكة من لوحةٍ في مدخلها مكتوب عليها "جماعة السواكن"؛ إذ "طار" الحرف الأخير من الاسم بعد أن كسَر أحدهم عقبَ اللوحة، وجرى تعويضه بحرف صغير مكتوب بخط أسود على القائم الذي يحملها.

ويتواصل شريط "مشاهد التهميش" بالمرور من قنطرة صغيرة فوق وادٍ في مدخل البلدة، "طارَتْ" بدورها أجزاء من الإطارات الحديدية المبثوثة على حوافّها، دونَ أن يُبادر أولو الأمر من مسؤولي الجماعة إلى تعويضها بإطارات جديدة. وكلما غاص المرْءُ أكثر في عُمق البلدة تُطرح أمامه علامات استفهام حول نجاعة سياسة المملكة في صيانة تاريخها، كما تفعلُ أمَم أخرى، علما أنَّ معركة وادي المخازن تعتبر نقطة مفصلية في تاريخ المغرب الحديث.

شباب "ضائع"

أمام محلّ لبيع المواد الغذائية خلْف مبنى جماعة السواكن، يتحلّق مجموعة من اليافعين حول طاولة للعب "البيار" تحت أشعة شمس غشت الحارقة. لا توجد فضاءات ترفيهية في البلدة، ولا أماكنُ يمكن أن يصرف فيها شباب البلدة وقت فراغهم الطويل. يلخّص شابٌّ وضعيته ووضعية أقرانه بجماعة السواكن في جُملة معبّرة "حْنا غي ضايْعين هنايا وصافي".

يقول يافعٌ آخر لم يبلغ الثامنة عشرة من العمر بعد: "كنْعانيو، والله إيلا كنعانيو أخويا". ويأتي على رأس المشاكل التي يعاني منها الشباب هنا، يردف المتحدث، مشكل البطالة، خاصّة وأنّ أغلبهم ينقطع عن الدراسة بعد إتمام التعليم الإعدادي، في أحسن الأحوال، بعد تشييد ثانوية إعدادية بتراب الجماعة قبل عامين، وبعد الانقطاع عن الدراسة يسقطون في أحضان البطالة، والمحظوظ منهم يشتغل في الفلاحة.

لا ينقطع أبناء جماعة السواكن عن الدراسة من تلقاء أنفسهم، بل يغادرون فصول الدراسة مُكرهين، "انت كتقرا ولكن ملي تحوّْل للقصر الكبير وبَّاك ما خدامش وما فحالوش شكون غادي يصرف عليك وْباش أتكْسا؟ كيضطرّ يخرّْجك من القراية تسرح الغنم ولا تخدم فالفلاحة"، يقول شاب من أبناء البلدة، ويضيف: "بزاف د الشباب تشردوا، وآخرون هربوا إلى التدخين والمخدرات، وكاين اللي مشا حرك ومات".

يلتقط صديقه المراهق كلمة "الحْريكْ" ويقول: "أنا واحْد من اللي باغين يْحركو". نسأله: لماذا؟ فيردُّ بتلقائية: "لَا والدين، لا تَّا حاجة ما كايناش. ما كاين لا شغل، لا والو. انت عايش بحالَّا ما عايش..."، ثمَّ يعيد التأكيد على تشبثه بفكرة "الحريك"، وكانت أحاديث سكان البلدة تدور حينها حول مأساة غرقِ قارب كان يقلُّ عشرات الشباب من المهاجرين السرّيين من أبناء المنطقة، كانوا في رحلة إلى إسبانيا، لقيَ بعضهم مصرعه: "خْصّْنا نْحركو".

فقدان الثقة في المنتخبين

بسُخط كبير، يتحدّث شباب جماعة السواكن عن عمَل منتخبي المجلس الجماعي المسيّر لبلدتهم؛ "الواد الحار النصّْ ديال الدوار عندو والنص ما عندوش، حيتْ كلّ منتخب باغي يدّيه للدوار ديالو. عندنا مشكل كبير فالصبيطار (ستعود هسبريس إلى هذا الموضوع لاحقا)، وعندنا شْلّا مشاكل أخايْ". يقول شاب يبدو أنّه متابع لما يجري في الساحة السياسية. يصمت للحظات ويتابع "سِيدنا (يقصد الملك)، هْضر فالخطاب ديالو (خطاب عيد العرش) على هاد المشكل ديال الإدارة، أوْ لا أخاي؟".

يحكي شابّ آخرُ أنّ المنازلَ المحيطة بمقر الجماعة الترابية السواكن تصيرُ عندما يهطل المطر عُرضة لسيول جارفة تتدفق من التلال المحيطة بها وتهدّد حياة قاطنيه. ورغم كثير من الوعود التي تلقّاها السكان من طرف المجالس الجماعية المتعاقبة، بإنشاء السواقي لصرْف مياه الأمطار، إلا أنّ شيئا من هذه الوعود لم يتحقّق. وعلّق على هذا التسويف بالقول: "كلّ مرة كيقولونّا راه خرجات ميزانية، وما بغاوش كاع يعدّلوه. كاينة الهضرة والتطبيق ما كايْنشي".

من سخرية الأقدار أنّ جماعة السواكن خدمها الاستعمار الاسباني أكثر مما خدمها مسؤولو المجالس الجماعية المتعاقبة عليها، بحسب إفادات مواطنين من أبناء الجماعة، ويستشهدون بكون المدرسة الابتدائية بالبلدة تعود إلى عهد الاستعمار، لكنَّ هذه المدرسة باتت تشكّل خطرا على حياة التلاميذ في فصل الشتاء حين يسقط المطر، بسبب تهالك بنائها.

يتساءل شابٌّ بحنق وهو يتحدّث عن المنتخبين الذين يصوّت لهم السكان في الانتخابات الجماعية، قائلا: "نْعياو ما نرشحوهم وندعْمُوهم وما يديرو لنا والو؟ ما يْمكنش". ويقول آخر: "الجماعة ما قايْماش بالواجب ديالها، وخصهم يديرو معانا شي حل"، ويضيف ثالث: "الجماعة عايشين فيها غي اللي خدامين فيها. الرئيس حيت هو رئيس ما كايعانيش، واخا تجي تشكي عليه ما يتسوقش لك".

وتتجلّى أهمّ مطالب أبناء جماعة السواكن، من الشباب، في توفير فرص الشغل، وتوفير النقل لتمكين تلاميذ الثانوي من متابعة دراستهم في أولاد الشويح، بالقرب من القصر الكبير، وتوفير فضاءات للترفيه، وملاعبَ رياضية، ولكنّهم لا يعتقدون أنّ منتخبي جماعتهم سيستجيبون لمطالبهم.

يلخّص أحدهم هذه القناعة بالقول: "كانْ عْندنا مرشح كان ديما كايْدّي الرئاسة (رئاسة المجلس الجماعي) هادي خمسة وعْشرين عام، هاد المرّة ما دّاهاش، وما دار والو"، وحين سألناه لماذا يصوّت له الناس، أجاب: "ما عرفتش، أنا ما كنصوّتش، مْقاطعهم بمَرَّة".