نساء يهربن من "مكائد الجن" إلى "محكمة عبد الرحمان" بالسراغنة

نساء يهربن من "مكائد الجن" إلى "محكمة عبد الرحمان" بالسراغنة

عندما تلج ضريح سيدي عبد الرحمان بإقليم قلعة السراغنة، تقع عيناك على مشاهد لا تخطر على بال أحد؛ نساء باختلاف أعمارهن رمى بهن القدر بعيدا عن أسرهم، لتجدن أنفسهم في غرف صغيرة للعلاج من "المس".

10 دراهم للمبيت

من كل حدب وصوب حللن بالضريح، ولكل واحدة حكايتها وقصتها التي قادتها صوب "سيدي عبد الرحمان" طلبا للعلاج من "مس الجن". قصص هؤلاء تعيد إلى الأذهان تلك الروايات المتواترة عن ضريح "بويا عمر" الذي لا يبعد كثيرا عنه، باختلاف بسيط، أن نزلاء "سيدي عبد الرحمان" لا يكبلون ولا يسجنون.

"منذ ثلاث سنوات، أقطن بهذا الضريح، ولم أبرحه"، هكذا تحدثت إلينا سيدة عجوز، أنهكها الزمن، ورمى بها القدر بقلعة السراغنة للعلاج في ضريح سيدي عبد الرحمان. تروي الحاجة العيدية القادمة من مدينة سلا أن وفاة ابنها قبل ثلاث سنوات جعلتها تعيش اضطرابات نفسية دفعتها إلى هجران المنزل الذي كانت تقطن به رفقة ولدها وأبنائه.

"كان ولدي كيف تايدخل من الخدمة تايسلم عليا ومهلي فيا بزاف، وما مخليني مخصوصة من حتى حاجة، ولكن من نهار مات، ما بقيتش حاملة الدار بلا بيه"، تقول هذه السيدة وهي تتحدث لهسبريس، ثم تضيف: "أشعر بغصة في قلبي، عندما تصل الساعة التي كان يدخل فيها إلى المنزل وسؤاله عليّ، يخفق قلبي، لم أعد أطيق العيش في المنزل دون وجوده".

وبالرغم من كونها تؤكد أن علاقتها بزوجة ابنها جيدة، إلا أن هذه السيدة العجوز أصرت على مغادرة المنزل والقدوم إلى ضريح سيدي عبد الرحمان، بحثا عن العلاج حتى تعود يوما ما إلى هناك.

وللمكوث في الضريح، بحسب ما أكدته هذه السيدة وباقي النزلاء، ضمنهم رجلان، الذين تحدثنا إليهم، وجب دفع عشرة دراهم مقابل المبيت بالغرفة كل ليلة، وهو ما يجعل هؤلاء البالغ عددهم 19 شخصا، بحسب عدد الغرف الموجودة، يخرجون عادة إلى الشارع طلبا ليد المساعدة.

وبحسب ما أكدته للجريدة، فإن زوجة ابنها تبعث لها مبلغا ماليا تدفع منه سومة الكراء كل شهر منذ ثلاث سنوات، حتى لا تجد نفسها مضطرة إلى ترك الغرفة لنزيل آخر سيدفع هذه الأجرة، لكنها تعتمد في عيشها على جزء من هذا المبلغ إلى جانب ما يقدمه المحسنون وزوار الضريح.

سيدة أخرى، في الغرفة المقابلة لها، تتحدث إلينا، والدموع تنهمر من عينيها، وجدت في الضريح مكانا لها للعيش، بعد أن تكالب عليها الزمن ورمت بها أسرة زوجها وتركتها أسرتها.

تروي أمينة المتحدرة من مدينة الدار البيضاء أن قدومها إلى هذا الضريح بقلب مدينة قلعة السراغنة جاء بعدما "توفي زوجي إثر سقوطه بأحد الجبال، لتبدأ معاناتي مع أسرة زوجي"، مضيفة: "لقد تم طردي من المنزل حتى لا أستفيد من الإرث".

وتروي السيدة معاناتها، خاصة أن أسرتها تخلت عنها بعد زواجها، وتقول: "تخلت عني أسرتي ورمتني بعد زواجي؛ لأنهم كانوا يرفضون هذا الزوج، لكنه بالنسبة لي إنسان طيب والله يعمرها دار".

لم تتوقف هذه السيدة طوال حديثنا لها عن البكاء، كانت تشعر بالوحدة، وبعد الأهل والأسرة عنها، إلى جانب ضيق ذات اليد. وتؤكد هذه النزيلة بضريح سيدي عبد الرحمان أنها تبذل جهدا كبيرا في الحصول على مبلغ عشرة دراهم لدفعه للمشرفين على المكان مقابل مبيتها فيه، مناشدة المحسنين بتقديم يد المساعدة لها ولباقي القابعين في الضريح.

الضريح.. مكان للعلاج

خلال حضورنا بحفل خيري بضريح سيدي عبد الرحمان، إثر إعادة تهيئته من طرف مجموعة من الفاعلين والنشطاء من أبناء مدينة قلعة السراغنة، تم خلاله تقديم ملابس وأسرّة وأغطية وأحذية لفائدة النزلاء، تحدثنا إلى أحمد الفضل، وهو من حفدة الولي سيدي عبد الرحمان، الذي أكد أن "النزلاء بالضريح يتم التعامل معهم تعاملا جيدا، وبمستوى يشرح صدورهم كي يشعروا وكأنهم داخل أسرهم ومنازلهم".

وأوضح المتحدث نفسه لجريدة هسبريس أن النزلاء المتواجدين بالضريح "مصابون بأمراض الجن، التي لا يحكم فيها إلا أولياء الله الصالحين الذين يسايرون هذه المحكمة"، مشيرا إلى أن "منهم من يقضي فترة بالولي الصالح، ثم يأمر بنقله إلى محكمة أخرى، منها بويا عمر أو سيدي عبد العزيز، ويظل هناك مدة معينة، ثم ينتقل إلى مكان آخر إلى حين تعافيه".

من جهته، مصطفى الزين، فاعل جمعوي بالمدينة، أكد ضمن تصريحه أنه "تم إدخال إصلاحات على الضريح؛ إذ قمنا بإصلاحه بمساعدة من طرف بعض المحسنين، كما قمنا بطلاء الغرف، وهو ما جعله يتغير جذريا".

وأضاف المتحدث أن هذه التغييرات التي طرأت على المكان تظهر على نزلاء الضريح ووضعيتهم التي تحسنت، مشيرا إلى أن النزلاء "ماشي مراض، هؤلاء خاصهم الحنان لأنهم بقاو وحدانيين، خاص ناس يزوروهم، وأكيد هؤلاء غادي يتشفاو لأن الوحدانية تقتل".