معاناة أطفال القمر بالمغرب .. الحياة تبدأ بعد "غروب الشمس"

معاناة أطفال القمر بالمغرب .. الحياة تبدأ بعد "غروب الشمس"

يقدر عددهم في المغرب بحوالي 500 شخص، يختفون عن الأنظار وينطوون على أنفسهم مع كل إشراقة شمس تمثل لهم مصدر رعب وخوف وقد تسبب لهم تقرحات جلدية تصل في بعض الأحيان إلى سرطانات قاتلة إن لم يحموا أجسادهم منها، إنهم "أطفال القمر" أو مرضى "التقرح الجلدي الاصطباغي" أو " Xeroderma pigmentosum ".

تبدأ حياة أطفال "جفاف الجلد المصطبغ" بعد أن تسدل الشمس ستارها، يتقاسمون الألم بكثير من الإرادة. وفي ظل غياب علاج، تبقى الوقاية من أشعة الشمس هي الملاذ الوحيد لهؤلاء الأطفال الذين حرموا من رؤية الشمس والدراسة مثل أقرانهم دون أن يحرموا أحيانا من الابتسامة والأمل الذي قد يخرجهم من عتمة الحياة المظلمة.

"التقرح الجلدي الاصطباغي" مرض غريب ربما لم نسمع عنه من قبل، ويصيب هذا المرض النادر عادة الأطفال من أبوين تجمعهم القرابة، ولا يقتصر على إصابة الأطفال بل يصيب أيضا الأشخاص البالغين، ويصعب على الأشخاص المصابين بهذا الداء التعرض لأشعة الشمس فوق البنفسجية، كما يصعب عليهم الجلوس لوقت أطول أمام بعض الأضواء الاصطناعية مثل ضوء "النيون".

وفي حالة ما إذا تعرض أحدهم لهذه الأضواء أو لأشعة الشمس مباشرة دون استعمال الألبسة الواقية، تظهر بقع حمراء اللون على الطبقة العليا من جسده وتتحول إلى خلايا سرطانية لا يجد صاحبها علاجا وتتفاقم لتعيق حياته وتهدده بل تتوقف حياته قبل بلوغه 20 سنة.

حنان، ابنة مدينة القصر الكبير البالغة قيد حياتها 15 سنة، واحدة من بين الأطفال المغاربة الذين هزمهم هذا المرض بعد إصابتهم بسرطانات جلدية استعصى علاجها وتفاقمت معاناتها بعدما تساقطت أسنانها وتآكل جلد وجهها ونتج عنه ثقب غائر في خدها لم تتمكن من مقاومته والشفاء منه في ظل غياب رعاية طبية من الوزارة المعنية.

ولم تتمكن عائلتها من تخفيف آلامها، بحيث حكت والدتها المسماة فاطمة في حديث لهسبريس عن المعاناة التي عاشتها صغيرتها قبل أن تفارق الحياة قبل سنة ونصف السنة من الآن بتركيا قائلة: "ابنتي عانت الأمرين ببلدها قبل أن تفارق الحياة بسبب الإهمال الطبي الذي قاسته في بلدها"، مضيفة "مررنا عدة نداءات بعد إصابة طفلتي بسرطان جلدي تسبب لها بثقب في خدها الأيسر؛ إلا أن الوزارة المعنية تجاهلت مطلبنا المشروع لإنقاذ حياة طفلة بريئة، واستمرت المعاناة إلى أن تآكل نصف وجهها".

وزادت أم حنان: "توفي زوجي سنة 2010، وأصيبت طفلتي بهذا المرض الخبيث عند بلوغها 3 سنوات؛ غير أنني لم أتعرف على طبيعة هذا المرض إلا بعد فوات الأوان. عندها، طرقت جميع الأبواب؛ لكنها أغلقت في وجه استشفاء طفلتي البريئة"، مبرزة "تدخلت إحدى الجمعيات المهتمة بمثل هؤلاء الأطفال، وتمكنت من إرسالها إلى تركيا لتجري عدة عمليات ترميمية لوجهها؛ إلا أن الوقت تأخر كثيرا وتوفيت ابنتي يوم عيد ميلادها".

حالة أخرى لطفلة مغربية تسمى نعمة لا يتعدى سنها 3 سنوات، تنحدر من بادية تسمى "أولاد الشيخ" ضواحي مدينة آسفي، اضطرت والدتها ذات 22 سنة إلى تركها والبحث عن لقمة العيش بمدينة مراكش بعدما تخلى عنها زوجها وطلقها بسبب مرض ابنته النادر بحجة خوفه من "عدوى المرض" غير المعدي بالأساس.

تحكي الأم الشابة عن ابنتها، التي تعود الابتسامة إلى شفاهها بعد طلوع ضوء القمر، أن "طفلتي مجبرة على قضاء اليوم كاملا داخل البيت خوفا من المشاكل التي تسببها لها أشعة الشمس فوق البنفسجية التي تحرق جسدها الهزيل، بحكم عدم توفرها على الألبسة الواقية أو كريمات الوقاية من أشعة الشمس البنفسجية".

وتوصلت هسبريس بمقطع فيديو وصور للطفلة ذات الـ3 سنوات، بحيث لا تخطئ العين في رصد معاناة الطفلة التي تعيش على أمل العلاج خارج أرض الوطن.

وما يزيد شقاء الأم الشابة هو نظرات الناس وسط المجتمع، خاصة القريبين منها، والتي تلومها على زواج فاشل أثمر طفلة بريئة تقاسي آلام مرض نادر.

في لحظة سكتت هي وتكلمت دموعها الحارقة قهرا على وضع طفلتها "نعمة" التي لا تداعب خيوط الشمس إلا على شاشة التلفاز، استرجعت أنفاسها واستطردت حديثها للجريدة: "طفلتي لا يمكن أن ينير دربها سوى معجزة علمية أو مبادرة من ذي قلب رحيم يأخذ بيدها للعلاج خارج أرض الوطن".

ويؤثر داء "التقرح الجلدي الاصطباغي" بشكل سلبي على نفسية المرضى المصابين به، بحكم التقرحات والتشوهات الجلدية التي تنعكس سلبا عليهم، ويصنفه الأخصائيون ضمن الأمراض المزمنة.

وفي ظل غياب إحصائيات رسمية، يدعو الأخصائيون إلى التشخيص المبكر في دول شمال إفريقيا التي تكثر بها الإصابة بهذا المرض الجلدي الذي لم يتوصل الخبراء إلى احد الآن إلى علاج له، وكل ما يقدمونه هو أساليب وقائية لحماية المصابين من أشعة الشمس فوق البنفسجية لكي لا يتطور المرض ويصبح سرطانا خبيثا ويودي بحياة المصاب به في سن مبكر.

يذكر أن نسبة المصابين بهذا المرض المزمن تختلف حسب القارات؛ ففي أوروبا وأمريكا، توجد حالة واحدة ضمن مليون شخص، وفي اليابان والشرق الأوسط توجد حالة ضمن 100 ألف شخص، أما في المغرب والجزائر فتشير الأبحاث إلى وجود أزيد من 800 حالة، بينما يتراوح عدد المصابين بهذا المرض النادر عالميا بين 300 إلى 400 ألف حالة.