العاملون في "مراكز النداء" .. أوضاع مزرية وعاهات نفسية وجسدية

العاملون في "مراكز النداء" .. أوضاع مزرية وعاهات نفسية وجسدية

مئات مراكز النداء بمختلف ربوع المملكة طرق الشباب المغربي أبوابها لإنقاذه من "شبح البطالة"، إلا أنه وجد هناك مسارا ثانيا مليئا بهضم الحقوق وضياع المستقبل المهني، وأحيانا مرضا جسديا وحتى نفسيا جراء الضغط الكبير، كل هذا نتيجة لغياب المراقبة، وهو ما يجعل من شباب "الكول سانتر" عرضة لمختلف أنواع المعاملات.

وتضم المملكة 500 مركز للنداء متفرقة على 25 مدينة مغربية، وتوظف حوالي 48 ألف شخص دون احتساب المتعاونين، ويقدر رقم معاملات هذه الشركات بحوالي 6 مليار درهم، فيما خدماتها توجه إلى قرابة 20 دولة عبر العالم.

هضم للحقوق

"أ.ب"، شاب في العشرينات من العمر، اختار التوجه على العمل في مركز يعد من أشهر مراكز النداء بالمملكة، ليخرج من ضياع البطالة ويدخل في دوامة من المتاعب اليومية المرتبطة أحيانا بضياع الراتب بسبب عدم استيفاء "الهدف" المتفق عليه، وعدم بيع الكمية المرغوب فيها من طرف المشرفين حتى وإن طالت ساعات العمل لتتجاوز التسع أو العشر ساعات في اليوم.

يقول "أ.ب" في تصريح لهسبريس إنه غالبا ما يتم الاتفاق على تحديد "هدف" للوصول له خلال الشهر، "فإن تحقق هذا الهدف تحصل على راتبك كاملا، إضافة إلى حافز، أما إن لم يتحقق فلن تحصل على الحافز كما سيتم الاقتطاع من راتبك أحيانا".

يؤكد المتحدث أن ثمن ساعات العمل يختلف من مركز إلى آخر. فبالنسبة للمركز الذي يعمل به وعلى الرغم من كونه من أكبر المراكز التي تضمها المملكة، فإن سعر الساعة الواحدة لا يتجاوز 21.21 درهما.

وفي معرض حديثه مع هسبريس، أبرز المتحدث أن تجربته وإن كانت صغيرة، لا تتجاوز ثلاث سنوات في مراكز النداء، إلا أنه خرج بخلاصة مفادها أن "الشركات الكبرى مثل الوحش، كلما ربحت ترغب في الربح أكثر"، بحسب تعبيره، مضيفا أنه اشتغل سنته الأولى بمركز صغير نسبيا إلا أنه كان "يحترم" المشتغلين لديه، على عكس المركز الكبير الذي يعمل به حاليا.

وأكد "أ.ب" أن على المشتغلين في مراكز النداء "عدم المرض"؛ فهناك يطبق مبدأ "الأجر مقابل العمل بحذافيره". "فحتى وإن غاب الشخص بسبب مرض عصيب، فلن يجد من يعوضه وحتى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لن يفي بالغرض؛ إذ إن جل المشتغلين لا يتم تسجيلهم بهذا الصندوق"، مضيفا: "أنا مثلا لم يتم تسجيلي لحد الساعة بـCNSS".

غياب التطور

"ع.ت"، شاب في الثلاثينات من العمر، تجربته في الاشتغال في مراكز النداء تفوق العشر سنوات، إلا أن وضعه ما يزال كما كان عليه منذ أول يوم وطئت قدماه أول مركز للعمل. وقال: "هذه المراكز لا تعير أهمية للأقدمية أو غيرها، فمهما اشتغلت ستظل تتقاضى الراتب نفسه الذي تقاضيته أول يوم؛ فكل ما يهمهم هو الربح أكثر فأكثر".

وأشار الشاب، في حديثه مع هسبريس، إلا أن حياته ظلت كما هي منذ عشر سنوات، لم يشهد أي تطور، والسبب، بحسبه، "الدخول في دوامة تحقيق الأهداف واستيفاء ساعات العمل". أما المقابل، فكان هو "ضياع العمر دون أدنى حافز أو تطور مادي وحتى عملي"، بحسب تعبيره، ناهيك عن أمراض جسدية وأخرى نفسية.

أمراض نفسية وجسدية

من المعلوم أن الغالبية الكبرى من المشتغلين بمراكز النداء يصابون بمرض في آذانهم، إلا أن الغريب أن بعض المشغلين يتوافقون مع كل مستخدم جديد على فسخ عقد العمل معه حال إصابته بأي أذى في أذنه، بل والأدهى أنه لا يتم حتى تعويضه ماديا، ليغادر بعاهته بحثا عن ملاذ له.

يقول "ع.ت" إن "عددا من مراكز النداء باتت تضمن عقود التشغيل بندا ينص على عدم تحملها مسؤولية أي أذى في آذان مستخدميها حتى تخلي مسؤوليتها".

إضافة إلى مرض الأذنين، فغالبا ما يخلف العمل بمراكز النداء تأثيرات نفسية سلبية، خاصة لدى من يمضون بها مددا طويلة. وفي هذا الإطار، يقول هشام العفو، استشاري نفسي مختص في تحليل الشخصيات وتطوير السلوك الإنساني، إن "العاملين بمراكز النداء ينحصرون بشكل كبير في فئة الشباب، خصوصا الذين يتقنون التواصل باللغات الأجنبية، وبما أن الشاب كله طاقة وحيوية وينزع إلى الحركية والتجديد، ناهيك عن كونه يحمل طموحات كثيرة متنوعة، فإن الجلوس في كرسي لساعات طويلة ومحاولة إقناع زبناء لا يعرفهم بقبول شراء منتوج معين أو التعامل مع مصلحة معينة يسقطه في الروتين والممل الكبير، خصوصا حينما يوضع تحت ضغط رفع سعر النسبة من الربح العام الذي يجلبه عبر مكالماته".

ويضيف الاستشاري النفسي في تصريح لهسبريس: "إن كل مهني أو عامل أو موظف مطالب بتجديد نظرته إلى المهنة التي يزاولها كلما أتيحت له الفرصة لفعل ذلك، من منطلق تجديد تصوره لها ثم إعادة تأهيل الجانب النفسي والاستعداد الذهني للقيام بعمله على أحسن وجه، لكن حينما تفشل النفس في تجديد طاقتها وتفقد رغبتها بسبب تكرار الفعل المهني نفسه أو استشعار تبخيس العمل من طرف الجهات المسؤولة عن التوظيف، أو الإحساس بنوع من الرتابة والملل في العمل، فإن الأمر ينعكس بشكل قوي وسلبي على الحالة النفسية العامة للعامل، وبالتالي يدخل في سيرورة تبخيس ذاتي لنفسه ولكل ما يقوم به، ويخسر حتى مشاعر الرضا عن الذات وانتاجاتها".

تبخيس الذات

ويؤكد العفو أن العاملين بمراكز النداء دائما ما يكونون معرضين للتوتر الدائم نظرا لطبيعة العمل الذي لا يؤمن بالترسيم والاستقرار، ثم لطريقة الاشتغال والتسيير التي تعتمد على الصرامة، وقال: "يتطلب الأمر التركيز الكبير واستنزاف المخزون النفسي والذهني، مما يجعل الفرد تحت تأثير القلق والضغط النفسي والجسدي أيضا. وبطبيعة الحال، فإن هذه الوضعية عامة ترهق العامل وتجعله عرضة للاكتئاب في كثير من الأحيان أو لتبخيس الذات بسبب طبيعة ونوعية المكالمات التي يقوم بها، فيضطر إلى تحمل تبعات هذا الإرهاق".

ويرى المتحدث أن الأمر يستدعي من مراكز النداء ضرورة توظيف أخصائيين نفسيين مهنيين لمساعدة مستخدميها على استعادة التوازن والحفاظ على اتزان الشخصية، خاصة أن أغلب الممارسين لهذا العمل في مراكز النداء هم طلبة جامعيون يعملون من أجل تحسين وضعيتهم المادية وتأمين دراساتهم العليا، أو معطلون يحاولون سد فراغ العطالة والهروب من جحيم البطالة، "وهذا ما يدفعنا إلى الاعتقاد على أن الحالة النفسية والذهنية والاجتماعية لعامل النداء تكون صعبة وهشة جدا"، يضيف العفو.