محاولة انتحار "مي عيشة" تسائل شهادة الزور وأحكام الجَوْر

محاولة انتحار "مي عيشة" تسائل شهادة الزور وأحكام الجَوْر

تحولت محاولة انتحار "مّي عيشة"، التي تمسكت بلاقط هوائي قَدر تمسُّكها بأرضها، إلى قضية رأي عام أماطت اللثام عن ملف شائك ظل يجوب أروقة محاكم القنيطرة لأزيد من عَقد من الزمان، قبل أن يستقر حكم نهائي بالحجز على أرض تضم 7 هكتارات ونصف تعود ملكيتها إلى محمد البوزياني وعيشة البوزياني وبيعها في المزاد العلني.

الزمان: عام 2001، المكان: دوار أولاد نعيم نواحي القنيطرة، حين أقدم المهاجر المغربي المستقر في الديار الفرنسية، خليفة بلقراشني، على توكيل صهره محمد الرفاقي، من أجل اقتناء 3 هكتارات من أرض فلاحية تدعى بلاد عشرة، وهو ما تم في غياب بلقراشني الذي كان خارج أرض الوطن، فيما اتفق مع محمد البوزياني، شقيق "مي عيشة"، على حراستها وفق عقد بينهما، اطلعت عليه جريدة هسبريس الإلكترونية.

مهاجر بين حلم وكابوس

حُلم المهاجر المغربي بالعودة صوب أرض الوطن علَّه يستثمر في الأرض المقتناة بمبلغ 60 مليون سنتيم والمشيَّدِ عليها إسطَبْلان لتربية الدجاج بالإضافة إلى بئر ومنزل، من صاحبتها فاطمة. أ، التي ظلت طيلة عشر سنوات تعمل على تربية الدجاج قبل أن تَعمَد إلى بيع الضيعة ذات الهكتارات الثلاث لخليفة بلقراشني، وفق ما هو موثق ضمن وثائق تتوفر عليها جريدة هسبريس الإلكترونية، تَحوَّل إلى كابوس عقب اكتشافه "خيانة صِهره محمد الرفاقي الذي قام بحيازة هكتار ونصف يضم البنايات والاسطبلات والبئرين، وتفويته لفائدة أبنائه"، وفق بلقراشني.

"عقدٌ يجمع بيني وبين محمد البوزياني يؤكد أني كلفته بحراسة الضيعة بما عليها، بحكم أنه جار لي ويقطن في بيت مُشيَّد على مستوى أرضه وأرض أخته مّي عيشة المُجاورة، إلى حين عودتي من فرنسا، لأًخبَر بمطالبته بمغادرة الضيعة وعدم حراستها؛ ذلك أن الرفاقي الذي يملك بدوره أرضا مُحاذية تبلغ هكتارا ونصف، يطالب الحارس بالإفراغ بدعوى أن الضيعة تعود له وليس لي"، يقول المهاجر المغربي.

كانت هذه الخطوة كفيلة باندلاع حرب دعاوى قضائية متبادلة بين الأطراف الثلاثة: بلقراشني الذي اكتشف "خيانة أمانة قريبه وتسجيله العقار باسم بناته"، متهما إياه بالنصب، والرفاقي الذي بادر إلى رفع دعوى قضائية ضد الحارس محمد البوزياني وشقيقته "مي عيشة" وزوجته، متهما إياهم بالارتماء على ملك الغير والمنع من الاستغلال.

"الرفاقي استولى على أرضي وضيعتي عبر طرق احتيالية، ولما رفض المكلف بحراسة الضيعة والوقوف على شؤونها تسليمه المفاتيح إلى حين عودتي من فرنسا، أقام عليه دعوى قضائية وعلى أخته التي تملك بدورها جزء من الهكتارات السبعة ونصف التي ورثوها عن والدهم، حتى يبسط يده على الأرض كلها، رغم أن مّي عيشة لا علاقة لها بالموضوع لا من قريب ولا من بعيد"، يؤكد بلقراشني.

وتساءل المتحدث عن مكانة الشهود في هذه القضية؛ حيث "قدَّمت صاحبة الضيعة شهادتها بكونها باعت الأرض لي بما عليها، وقدمت صاحبة الأرض التي باعت صهري هكتارا ونصف، وقدِم الجيران ليشهدوا أمام المحكمة، إلا أن الحكم القضائي النهائي لم يأخذ بعين الاعتبار أقوال كل هؤلاء الشُّهود ولا الوثائق المقدمة، واستبعد هذه الوقائع".

قضية وحُكمان

جريدة هسبريس الإلكترونية حصلت على نسخة من ملف تحقيق موقّع من طرف قاضي التحقيق لدى المحكمة الابتدائية بالقنيطرة، يؤكد استماعه لصاحبة الضيعة فاطمة. أ ولمُسيِّرها سعيد.ح و، اللذان أكدا أن "المهاجر خليفة بلقراشني هو من اقتنى الضيعة بما عليها من إسطبلات وآبار، مشيرين إلى أن البيع تم بواسطة وكالة لكون المشتري كان يتواجد بالديار الفرنسية"، وفق الوثيقة.

بناء على ما سبق، قضى قاضي التحقيق "بمتابعة المتهم محمد الرفاقي من أجل النصب طبقا للفصل 540 من القانون الجنائي، وعدم متابعته من أجل التزوير وخيانة الأمانة طبقا لمقتضيات الفصلين 354 و547 من القانون الجنائي"، بالإضافة إلى "إحالة الرفاقي على الغرفة الجنحية لدى المحكمة لمحاكمته في حالة سراح"، وبتبليغ الأمر إلى وكيل الملك، قبل أن يتفاجأ الجميع ببراءة الرفاقي لاحقا.

لن يكون بلقراشني هو الوحيد الذي سيفقد أرضه، لكن اللائحة لا زالت مفتوحة، لتتجه الأنظار صوب 7 هكتارات ونصف هكتار في ملكية الحارس محمد البوزياني وشقيقته "مّي عيشة". وإن كان المدخل هو اتهامات بالارتماء على أملاك الغير والمنع من الاستغلال، فإن أول خطوة للفَقْد كانت المطالبة بأداء واجبات استغلال عقار ليس في ملكيتهم قصد استنزافهم ماديا وإجبارهم على تفويت الأرض.

بحسرة كبيرة تحولت إلى دموع تُذرف من عيني الرجل، تساءل محمد البوزياني: "أين سأذهب بأبنائي الستة وشقيقتي الأرملة، بعد أن حجزت المحكمة على أرضنا وبيعت بالمزاد العلني وسُلم المبلغ للرفاقي دون وجه حق؟"، وتابع: "ألأننِّي حافظت على الأمانة التي في ذِمَّتي إلى حين عودة صاحبها من الخارج أفقد أرضي؟".

"أنا غير مْقابَل، واخْتي امرأة أرملة عايشة معايا، ما علاقتنا بالقضية التي هي في الأصل بين خليفة وصهره؟"، يقول البوزياني الذي أكد أن الخبير المحلف حدد مبلغ التعويض أول مرة زار فيها الضيعة في 45 مليون سنتيم، قبل أن يرتفع المبلغ إلى 240 مليون، ويعود إلى مبلغ 92 مليون سنتيم، ويتم الحجز على الأرض وتعرض للبيع في المزاد العلني بمبلغ 95 مليون.

ويرى صاحب الأرض الضائعة أن الرفاقي أدخله في هاته الدوامة لعلمه بالهكتارات التي يملكها، علَّه ينال جزء منها أو كلها، مستدلا على ذلك بإقحامه لاسم شقيقته "مّي عيشة" في الدعوى التي لا علاقة بها البتة، "هو عارْف غادي يْدِّي منّا شي حاجة، داكْشي عْلاش دْعانا"، وفق تعبير البوزياني الذي أكد أن هذا الملف استنزف وقته وأمواله ودفعه إلى التعامل مع 5 محامين قبل أن تباع أرضه أمام أعينه ظُلما.

ويختم المتحدث المُلتاع حديثه قائلا: "غدا أمام الله غادي نعْطيوْ الشهادة كاملين، وفالدنيا شهادة الزُّور صعيبة، وكل ما نطلبه من المحكمة هو التَّبيُّن، وإذا كنا ظالمين فمستعدون لخسارة الأرض وللسجن أيضا، أهذا هو العدل؟ أهذه هي دولة الحق والقانون التي يريدها سيدنا؟".

كَيْل اتهامات

كل هذه الاتهامات التي كالها كل من البوزياني وبلقراشني، نفاها محمد الرفاقي جملة وتفصيلا، مؤكدا أن أبناءه هم مالكو العقار بما فيه رسميا، مشيرا إلى أن أحكام المحكمة الابتدائية والاستئنافية والنقض كانت جميعها لصالحه، وكل ما يقال بخصوص النصب والاحتيال والتزوير غير صحيح ولا مُثبَت بوثائق رسمية.

ويؤكد الشيخ البالغ من العمر 78 سنة، الذي يعاني من عدد من الأمراض المزمنة، أن البوزياني محمد وزوجته مشيشو نزهة وأبناءهما وأخته عيشة، "احتلوا ضيعة أبنائي منذ سنين"، موضحا أنه كان يمتهن تربية الدجاج في الضيعة نفسها، إلا أن "سنوات الجفاف خلال ثمانينيات القرن المنصرم دفعته إلى التوقف عن مزاولة المهنة، ما جعل الضيعة خاوية على عروشها إلا من حارس تابع له"، وفق تعبيره.

"استنفذت جميع الخطوات الحِبيَّة، احتراما للجيرة التي جمعت بيننا، من أجل إفراغ المحل دون مقابل، في وقت استغلوا فيه المحل وسرقوا رؤوسا من الماشية، لكني سامحتهم، واضطررت بعدها إلى إقامة دعوى قضائية ضدهم من أجل الإفراغ لتحكم ابتدائية القنيطرة بذلك، فيما حكمت الاستئنافية بتعويضي عن استغلال ملك الغير، وتم تنفيذ الإفراغ عبر القوة العمومية، فيما لجأت المحكمة إلى حجز على العقار وإخضاعه للمزاد العلني وفق القانون".

"عيشة ولاَّ خُوها لا مِلك لهم ولا أرض لهم، أما بلقراشني خليفة فأؤكد أنه كلفني بشراء قطعة أرضية بـ 60 مليون وهو غير حاضر، ولو أردت النصب فعلا لكان العقد في اسمي أو اسم أحد آخر دون تحديد اسم المالك بكونه خليفة بلقراشني الذي أقام دعوى قضائية ضدي بتهمة النصب دون توفره على أي وثيقة تثبت أني نَصَبت عليه"، على حد قوله.

الرفاقي استطاع تحفيظ الضيعة باسم أبنائه بتاريخ 27 يناير 2016 لدى الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية، وفق وثائق تتوفر عليها الجريدة. ليبقى السؤال المطروح: كيف لقاضيين اثنين أن يحكما بحكمين مختلفين؛ قضى الأول بمتابعة الرفاقي بتُهمة النصب، والثاني بببراءته وحكَم لصالحه بتعويض نهائي وصل إلى 92 مليون سنتيم؟