أطفال مغاربة بدون هوية .. "ملائكة تطير بلا أجنحة"

أطفال مغاربة بدون هوية .. "ملائكة تطير بلا أجنحة"

قبل أسبوعين دلف الطفل ريان، 6 سنوات، إلى بهو محكمة الاستئناف بالرباط لأول مرة في حياته. مسح ببصره قاعة الجلسة التي تتابع فيها والدته أباه المفترض بتهم الاغتصاب والتغرير بقاصر، بفضول طفل في سنه، مانحا كل ركن من أركان القاعة حقه الكافي من التساؤل. وفي هذه الأثناء، سيطالع للمرة الأولى في حياته سحنات والده، الذي ظل لسنوات يرفض الاعتراف بأنه جاء إلى هذا العالم من صلبه.

حدّق ريان طويلا في والده؛ إلا أن معاملة هذا الأخير ظلت باردة، ولم تخرج طيلة مدة المحاكمة عن العلاقة التي تجمع المتهم والضحية أمام ميزان العدالة العملاق.

"بعد ما حدث لريان خلال هذه الجلسة، ستتغير حياته برمتها وسيصبح الطفل أمام الحقيقة عارية، مدركا بعقله الطفولي المحدود أنه طفل بدون هوية، شخص غير مرغوب فيه"، تقول (فاطمة. ب)، جدة الطفل من جهة والدته.

وتضيف هذه السيدة، في لقاء مع هسبريس، أن حفيدها لم يذق طعم النوم طيلة الأربعة أيام التي تلت جلسة المحاكمة، بعد أن سمع كل ما يتعلق بأصل قدومه إلى الحياة ومصيره، الذي يناقشه في هذا المكان أناس كبار بلغة قانونية مركبة لم يستوعب جلها، ودون حتى أن يمنحوه فرصة التعبير عن رأيه في ما يراه من أحداث جديدة بحياته التي كانت هادئة إلى حد ما قبل هذا اليوم".

"السيد ف. أنت لست رجلا حقيقيا، انتظرني حينما أكبر لأنتقم منك، سأحتفظ لك بسكين من الحجم الكبير، كن على يقين من ذلك"، تقول جدة ريان، وهي المكلفة برعايته في الوقت الحالي، إنها وجدت هذه العبارات ضمن أخرى عديدة لا تخلو من تهديد صريح، مسجلة على شريحة ذاكرة هاتفها المحمول، يوجهها الطفل إلى أبيه الذي تعرف عليه أمام القاضي، قبل أن تقوم بمسحها تحت وقع الصدمة.

أطفال بلا هوية

يعيش بالمغرب، وفق إحصائيات غير رسمية، 500 ألف طفل رأوا النور خارج إطار مؤسسة الزواج، عدد كبير منهم يعيشون بدون هوية؛ فيما يأتي إلى الحياة كل يوم، حسب إحصائيات جمعية التضامن النسوي، حوالي 153 طفلا من أمهات عازبات، 24 منهم يتم التخلي عنهم في الشارع؛ وهي الأرقام التي تؤكد الجمعية المذكورة، في دراسة لها، أنها ستعرف ارتفاعا كبيرا في العقدين المقبلين.

"من المؤكد أن تكون هذه الأرقام قد زادت إذا ما تم تحيين نتائج الدراسة"، تقول عائشة الشنا، رئيسة جمعية التضامن النسوي، التي تقدم خدمات كبيرة للأمهات العازبات اللائي يعشن وضعية صعبة بسبب رفض المجتمع والعائلة.

وتضيف الشنا، في تصريح لهسبريس، أن الوقت قد حان لكي يسير المغرب في ركب الإنسانية، وأن يعتبر المصلحة الفضلى للطفل فوق كل اعتبار.

من جانبه، دق المصطفى الرميد، وزير العدل والحريات في حكومة تصريف الأعمال، في آخر تفاعل له مع الموضوع داخل قبة البرلمان، ناقوس الخطر، مقدما أرقاما صادمة بخصوص هذه الفئة. وأفاد الوزير، في جلسة للأسئلة الشفهية بتاريخ 15 أكتوبر 2014، بأن الحكومة عالجت حوالي5377 حالة أطفال غير معترف بهم، بمعدل 15 حالة يوميا.

وأبرز الرميد أن الحكومة تحارب ظاهرة الأطفال بدون هوية بـ"تشجيع الأسر على التكفل بهم لإتاحة تسجيلهم في الدوائر الرسمية".

"من أنت أيها الملاك؟"

في رواية حزينة للكاتب الليبي إبراهيم الكوني، أطلق عليها "من أنت أيها الملاك؟"، يحكي الكاتب تفاصيل معاناة بطلها "مسي" الذي يريد منح اسم "يوغرتن" لابنه الذي رأى النور حديثا، إلا أن السلطات ترفض في كل مرة تسجيل الابن تحت هذا الاسم بسبب سياسة الدولة التي لا تعترف بالأسماء الأمازيغية؛ غير أن قصة الطفل ريان تختلف عن هذه القصة في عدد من التفاصيل، محتفظة بوجه الشبه في كل ما له صلة بالحزن والمعاناة والتشظي.

ففي حالة ريان، سيكون منسوب الحزن مضاعفا، عندما علم بأن والده، وليست السلطات، هو الذي يرفض الاعتراف به، ومنحه هوية ستمكنه من حقوقه كاملة داخل مجتمع لا يرحم.

بسبب عدم توفره على شهادة ميلاد، لم يلتحق ريان بالصف الابتدائي في الموسم الدراسي الحالي؛ بل ظل حبيس جدران البيت، بعد أن تجاوز سنه مرحلة الروض وأصبح لزاما عليه أن يجلس على مقاعد الدراسة لتلقي أبجديات المعرفة.

ترجع جدة الطفل هذا الأمر إلى عدم قبول مديرة مدرسة خاصة بحي يعقوب المنصور الشعبي بالرباط تحمل مسؤولية تسجيله. وتزيد في التوضيح : "أخبرتني المديرة بأن أوراق الطفل الثبوتية أصبحت ضرورية في مسطرة التسجيل، مشددة على أن لجان تفتيش تابعة لوزارة التربية الوطنية تقوم بزيارة هذه المدارس بشكل دوري، وتبحث في ملفات التلاميذ؛ وهو ما جعلها تتهرب من تحمل المسؤولية".

هذه المعطيات تؤكدها المحامية والناشطة الحقوقية خديجة الروكاني معتبرة، في تصريح لهسبريس، أن هذا نوع من التمييز في حق الأطفال بدون هوية، بحيث يتم رفض تسجيلهم من لدن عدد من المؤسسات التعليمية، وعندما تدخل جمعيات حقوقية على الخط، تقوم هذه المؤسسات ببعض الاستثناءات؛ وهو ما وصفته بغير المقبول من الناحية الحقوقية والإنسانية.

"أعتبر هذا الأمر تعسفا، فمن واجب الدولة ضمان كافة الحقوق للأطفال كيفما كان وضعهم الاجتماعي، وعلى رأسها حق التوفر على هوية وحق الاستفادة من التعليم"، تبرز المحامية.

فسحة أمل

على غرار ريان، ظل الطفل عبد الحق، 12 سنة، لأزيد من سنتين حبيس منزله الكائن بحي دوار الحاجة الشعبي بالرباط، بدون أن يستفيد من حقه الدستوري في التعليم؛ غير أن استشارة قانونية قدمتها جمعية نسائية لوالدته غيّرت مسار حياة الطفل نحو الأفضل.

"أخبرتني الجمعية بأن هناك طريقة ليست بالمستحيلة لإعطاء هوية لابني؛ وذلك عبر رفع دعوى أمام المحكمة لتسجيل ابني في سجل الحالة المدنية"، تقول لطيفة، التي أبرزت، في شهادة قدمتها لهسبريس، أن هذا الأمر تجهله عدد من الأمهات العازبات، خاصة من تكون منهن في وضعية اجتماعية هشة.

بفضل هذه المسطرة القانونية، نجحت لطيفة التي أنجبت طفلها في إطار علاقة غرامية مع مغربي مقيم بالخارج، قبل أن يختفي عن الأنظار فور علمه بموضوع حملها تاركا إياها في دوامة لا تنتهي من المشاكل النفسية والاجتماعية؛ في ضمان التعليم الضروري لابنها مجنبة إياه الوقوع بين مخالب الهدر المدرسي التي تحكم قبضتها على أزيد من مليون طفل مغربي في سن التمدرس.

ولشرح أكثر تبسيطا لهذه المسطرة، تقول المحامية الروكاني: "عندما تنتهي مدة شهر على ولادة أيّ رضيع بدون أن يتم تسجيله في الحالة المدنية، يسمح القانون برفع دعوى أمام المحكمة من لدن الأم لتدارك الأمر"، وتضيف المتحدثة: "تختار الأم العازبة حينها أيّ اسم عائلي أرادت لطفلها بما فيه اسمها العائلي؛ غير أن الاسم الشخصي للأب يبقى محدودا في أسماء العبودية كعبد الرحمان وعبد الصمد وغيرها".

وأبرزت الروكاني أن هذه المسطرة تطلب تحقيقها مراحل عديدة من النضال الحقوقي، بعد أن كان يتم تسجيل الأب تحت اسم "مجهول" و"X" قبل ذلك، أو يتركون مكان اسم الأب فارغا في وقت أسبق.

إصلاح القوانين

وعادت المحامية والناشطة الحقوقية خديجة الروكاني إلى تسليط الضوء على ما يجب تحيينه من قوانين، لكي تنسجم مع المواثيق الدولية ذات الصلة التي صادق عليها المغرب، وأهمها اتفاقية حقوق الطفل.

وفي هذا السياق، أشارت المتحدثة إلى أن القانون الجنائي، في حالة الحمل الناتج عن الاغتصاب كما هو الحال في قصة ريان، لا يحمي الحق في الهوية؛ وهو ما اعتبرته أمرا متجاوزا على الحكومة أن تستجيب بخصوصه لمطالب الحركة النسائية والحقوقية.

وتساءلت المحامية والناشطة الحقوقية ذاتها باستنكار: "كيف يعقل أن تجرم الحكومة الحق في إجهاض الحمل الناتج عن اغتصاب، وبعد أن يرى الطفل النور يتم التنكر له وعدم إعطائه الحق في الحصول على هوية؟! ".

تقول عائشة الشنا، وهي من أبرز النساء المدافعات عن حقوق الأمهات العازبات، إن المجتمع المغربي لا يزال يعيش حالة من النفاق كلما تعلق الأمر بالعلاقات الجنسية خارج إطار مؤسسة الزواج، مشددة على أن الطبيعية الإنسانية تقتضي الاعتراف بنسب الأطفال سواء تم إنجابهم خارج إطار الزواج أو في علاقة غرامية أو بسبب جريمة اغتصاب أو غيرها.

وطالبت المتحدثة باحترام المساطر القانونية التي أقرها المغرب في هذا المجال، وعلى رأسها إثبات النسب على ضوء نتائج تحليل الحمض النووي؛ وهي العملية التي يبقى هامش الخطأ فيها جد ضئيل لا يتجاوز 0.1 في المائة.

ووجهت رئيسة جمعية التضامن النسوي، التي تقدم خدمات كبيرة للأمهات العازبات اللائي يعشن وضعية صعبة بسبب رفض المجتمع والعائلة، عبر هسبريس، رسالة إلى كل الأمهات والآباء تحثهم خلالها على تحصين أبنائهم من خطر الوقوع ضحية لهذا النوع من العلاقات التي تنتهي بولادة أطفال بدون هوية، لا ذنب لهم في المشاكل التي عاشها آباؤهم، مشددة في المقابل على ضرورة تدريس التربية الجنسية للأطفال الصغار لكي يتجنبوا الوقوع في أي مشكل من هذا النوع.

في هذا الوقت الذي تطالع فيه هذه السطور، يصرخ عشرات الأطفال المغاربة خارج إطار مؤسسة الزواج صرختهم الأولى بمختلف جهات المملكة.. وبعد شهر من الآن، سيكون عدد منهم قد فاته أجل التسجيل في الحالة المدنية، ليصبحوا بذلك بشكل رسمي: "ملائكة" بدون هوية.