العطش ينغّص حياة سكان "دوار صفيحي" في قلب عاصمة المملكة

العطش ينغّص حياة سكان "دوار صفيحي" في قلب عاصمة المملكة

ظل عمر الراوية، رجل مسن يعيش في منزل صفيحي بالرباط، يدير بحزن باد صنبور الماء، لعله يحصل على بعض القطرات ليبلل بها ريقه، لكن هذه العملية التي ظل يقوم بها الرجل لسنوات طويلة لم تفض اليوم إلى أي نتيجة؛ وكأن الماء، الذي يعتبر أصل الحياة، لم يصل إلى هذا المكان يوما.

في ظل هذا الوضع، يعيش هذا الرجل، إلى جانب أفراد عائلته الصغيرة والكبيرة، منذ أزيد من أسبوع، ما يشبه "الموت" داخل هذا الكوخ الصفيحي، بعد أن تم وقف خدمة تزويدهم بالماء، لتنتفي بذلك أبسط شروط العيش الكريم. ومع ذلك يظل سكان هذا الحي متشبثين بآخر رمق من حياتهم هذه، قاطعين مئات الأمتار لجلب ماء شرب صالح لإطفاء شرارة "الحكرة" داخل نفوسهم.

كانت هنا حياة

قبل نصف قرن من الآن، غير بعيد عن شارع الحسن الثاني الأكبر من نوعه بالعاصمة، وفي أحد أركان حي يعقوب المنصور، وضع مهاجرون بسطاء رحالهم وشيدوا دورا صفيحية باحثين عن حياة أفضل. لعقود طويلة قطنوا في هذه الدور راضين بقسمة الحياة، قبل أن يعودوا قبل أيام من الآن إلى المواجهة مع السلطات المحلية بسبب الماء.

"جاءت السلطات المحلية وقامت بهدم مخزن للسلع قريب من هنا، إلا أنها لم تكتف بهذا القدر، بل قامت بهدم مخزن الماء الذي كنا نتزود منه، بالإضافة إلى مسجد الحي"، يقول خالد المذكوري، أحد سكان الحي، قبل أن يزيد: "عندما قمت بالاحتجاج إلى جانب عدد من السكان على هذا القرار، قام رجال السلطة بالاعتداء عليّ وأهانوا كرامتي".

وعاينت هسبريس المكان المهدم الذي كان مخزن الماء مشيدا به في السابق؛ بحيث يظل الماء منهمرا من المنبع لأمتار قبل أن يختفي داخل بالوعة للمجاري. "الماء كيضيع فالقادوس أكثر من سيمانة هادي وحنا عايشين بلا ماء فديورنا، ولينا كنمشيو نسعاوه من عند الناس، مرة نجيبوه ومرة منلقاوش"، يضيف المذكوري معلقا.

المثير في التصريحات التي استقتها هسبريس هو إقدام السلطات على إنهاء تزويد 11 عائلة بالماء، فيما ظلت أخرى بالحي الصفيحي المقابل تتزود بالماء بشكل عادي.

"هذا الأمر وسيلة ضغط لكي نغادر هذا الحي؛ فهو قطعة ذهب بالنسبة للخواص وسط هذا الركام وهذه المعاناة"، يقول شاب من الحي لهسبريس، قبل أن يضيف: "يضيقون عنا الخناق في كل مرة لطردنا إلى ضواحي مدينة الرباط، بدون تعويض يلبي حاجياتنا".

تمييز في التعويض

ويشتكي السكان، بحسب تصريحات متطابقة استقتها هسبريس، مما اعتبروه شططا في استعمال السلطة من طرف بعض المحسوبين على السلطات المحلية، فيما يعتبر بعضهم أن الإحصاء الذي تقوم به وزارة السكنى وسياسة المدينة من أجل تعويض سكان دور الصفيح يستثني عددا منهم، مقابل استفادة آخرين لا علاقة لهم بالمكان، مطالبين بفتح تحقيق لرفع اللبس عن هذه الوضعية.

محمد النوري، الذي يعيش بهذا المكان لأزيد من ثلاثة عقود، واحد ممن يشتكون ما اعتبروه ظلم السلطات المحلية، قال لهسبريس: "لقد تم إحصاء بعض أفراد عائلتي، واستثنيت أنا لسبب أجهله"، قبل أن يضيف: "يريدون حرماني من حق الاستفادة بالرغم من توفري على كافة الوثائق التي تثبت ذلك".

ولتأكيد كلام الرجل، يستدل النوري بشهادة عمل قدمتها له الملحقة الإدارية السابعة التابعة للدائرة الحضرية يعقوب المنصور، تتوفر هسبريس على نسخة منها، تشهد خلالها مصالح الدائرة المذكورة بأن النوري يقطن في البيت رقم 20، فيما يقطن الرجل في بيت آخر يحمل الرقم 64 بحسب شهادة سكنى سابقة، ويصرح بأنه لم يسبق له يوما أن قطن في المنزل المشار إليه في شهادة العمل حديثة الصدور.

وصرخ النوري بكل ما أوتي من قوة وهو يوجه كلامه إلى المسؤولين: "نريد حلا لرفع الظلم عنا، نحن نعيش بدون أن نعرف أي مستقبل ينتظرنا وينتظر أبناءنا".

من جانبه، ناشد خالد الصباح، أب لطفلين، في تصريح لهسبريس، بالتحقيق في ملفه، بعد أن أقدمت السلطات، الأسبوع الماضي، على هدم الكوخ الذي يعيش فيه دون أن يحصل على تعويض إسوة بأخيه ذي الاحتياجات الخاصة ووالدته التي تهتم به.

وأبرز خالد في شكاية موجهة إلى المديرية الجهوية للسكن وسياسة المدينة بالرباط، تتوفر هسبريس على نسخة منها، أنه متزوج وأب لطفلين، وأنه كان يعيش في غرفة مستقلة في "البراكة" رقم 69 بالحي المذكور سابقا، دون أن تحصيه السلطات إسوة ببقية أفراد عائلته. وناشد المديرية بالتدخل لتعويضه هو الآخر كباقي الأسر القاطنة بالدوار.