سكانٌ في "سيدي موسى" بسلا .. السجن أمامهم والشارع وراءهم

سكانٌ في "سيدي موسى" بسلا .. السجن أمامهم والشارع وراءهم

بينما كانت سماء سلا تمطر بغزارة طيلة مساء الخميس، ظل عدد من سكان سانية الحاج المعطي بحي سيدي موسى، المكان الذي أتت فيه ألسنه اللهب على مصنع للخشب الأحد الماضي، مفترشين الأرض وملتحفين السماء. وإذا كان بعض أولئك السكان قد نجح في الاحتماء عند الجيران من تقلبات الجو الذي تحالف ضدهم، فإن بعضهم الآخر بقي بدون مأوى، في انتظار ما ستسفر عنه الساعات المقبلة من مستجدات.

"على هذه الحالة، ظللنا طيلة أيام الأسبوع الماضي، لا مكان نبيت فيه ولا مساعدات قدمت لنا، والسلطات تريد أن تفرغنا من منازلنا بدون أن تقدم لنا أي بديل"، تقول حليمة، وهي شابة تقطن بزقاق العياشي، في بيت تفصله أمتار قليلة عن مصنع الخشب الذي حولته النيران إلى مساحة ضخمة من الركام.

حليمة ليست إلا واحدة من أفراد 20 أسرة مطالبة بإفراغ المكان الذي يقطنون فيه لعقود، بسبب ما تعتبره السلطات المحلية خطرا يحدق بسلامتهم. الشابة تقول في تصريح لهسبريس: "توصلنا، زوال الخميس، بالتزام من السلطات المحلية، تدعونا فيه إلى التصريح بأن منازلنا آيلة للسقوط وتطالبنا بالالتزام بعدم الولوج إليه مجددا".

وتضيف ربة هذا البيت، وهي تشير بيديها إلى خسائر العائلة: "إلى خرجنا من ديورنا فين غادي نمشيو، عندنا ناس مراض وكبار فالعمر وأطفال صغار شكون غادي يشوف من حالنا؟!"..

في مقابل ذلك، علمت هسبريس بأن قائد المنطقة اقترح على السكان المتضررين المكوث بشكل مؤقت في "دار الشباب" التي تبعد عن الحي بأقل من كيلومترين؛ غير أن السكان رفضوا ذلك، مرجعين السبب إلى وجود أناس مسنين وأشخاص مرضى وأطفال صغار من بين المتضررين، لا يمكنهم التنقل لقضاء الليل هناك والعودة صباحا لحماية أمتعتهم والوقوف على ما يمكن القيام به من تدابير مسطرية.

مطر ودموع

رقية الوردي سيدة تعيش في مخزن سلع محاذ لمصنع الخشب، الذي حلت به الكارثة. منذ أزيد من 40 سنة وهي تعيش رفقة عائلتها المكونة من 11 فردا داخل هذا المكان، وجدت نفسها اليوم مطالبة بالبحث عن مكان جديد تحتمي داخله من قساوة العيش. تصرح لهسبريس مغالبة دموعها : "فقدنا جزءا مهما من ممتلكاتنا القليلة، بسبب الحريق.. وها نحن مهددون بفقدان المكان الذي عشنا فيه لعقود".

وتضيف هذه السيدة، التي انهار جزء من سقف بيتها بسبب ألسنة اللهب: "بين ليلة وضحاها وجدنا أنفسنا مشردين، المحسنون وحدهم من يمدوننا بالأكل والأغطية"، قبل أن تزيد: "نريد من سيدنا محمد السادس أن يزورنا وأن يملأنا بعطفه ويحن علينا بقلبه أطال الله عمره ورفع مقامه".

بالرغم من حجم الكارثة التي حلت بهذه السيدة وأفراد عائلتها، فإنها رفضت التخلي عن توأم روحها، القطة "دينا"، حملتها بين يديها في مشهد مفعم بالمشاعر الإنسانية، وهي تقول لها: "احكي لهم كيف فقدت أنت الأخرى صغارك تحت الأنقاض، احكي لهم يا صغيرتي عن معاناتنا".

خسائر

غير بعيد عن هذا المكان، وفي الزقاق المعروف بـ"درب الحمّام"، اجتمعت نساء الأسر المتضررة من تداعيات الحريق، تحصين خسائرهن وتتداولن في مصائر عائلاتهن التي لا تزال مظلمة إلى حد الآن. تشرح خديجة، وهي سيدة حامل من ضمن النساء المتضررات، تفاصيل أزيد من 5 أيام من العيش بدون مأوى، قائلة: "تركنا منازلنا على الساعة السادسة صباحا. بعضنا نجح في حمل ما أمكنه حمله، وأغلبنا ترك بيته بدون ملابس ولا يزال مشردا إلى اليوم".

"كناكلو ونشربو فالزنقة، كلنا مشردين والمسؤولين باغيين يهدمو الديور لي آيلة للسقوط. وكيقولو لينا سيرو فحالكم أنتوما غير كاريين"، تضيف خديجة حامية بطنها بيدها، قبل أن تستطرد: "نحن فقراء لا نملك مكانا آخر نأوي إليه، وأغلبنا عائلاتهم بعيدة عن سلا ليقطنوا عندهم بشكل مؤقت".

بعد أن تضرر منزلها بشكل كبير لم يعد قابلا لأن تعيش فيه، تطالب سيدة تجاوز عقدها الثامن بمكان آمن تأوي إليه. "منذ عودة الملك محمد الخامس من المنفى وأنا أعيش هنا، ما عندي لا ولد لا بنت لي يخدم عليا، وما عندي فين نمشي، كلما ضاقت بي السبل أجد في هذا المكان ملاذا وحيدا"، تقول هذه السيدة.

وبخصوص الحصيلة النهائية لضحايا الحريق، علمت هسبريس بأن شخصين لقيا مصرعهما، بينهما رجل الوقاية المدنية الذي انتشلت جثته من تحت الأنقاض الأحد الماضي؛ فيما انتشلت عناصر الوقاية المدنية جثة ثانية، يوم الأربعاء الماضي، تعود إلى رجل يدعى (ع. ب) تطوع رفقة سكان آخرين لمساعدة رجال المطافئ على إخماد الحريق، قبل أن تباغته ألسنة اللهب ويختفي عن الأنظار إلى الأبد.

إلى جانب ذلك، يرقد 3 من سكان الأحياء المجاورة في مستشفى ابن سينا بالرباط، بينهما شخصان مصابان بحروق خطيرة، فيما أصيب شخص آخر برضوض على مستوى الذراع.

المثير في الأمر، حسب حسن بنساسي، أحد المعنيين بقرار الإفراغ، هو متابعة عدد من المصابين بحروق بتهم تتعلق بالسرقة، بحيث شهدت اللحظات التي تلت الحريق استنادا إلى ما صرح به المتحدث لهسبريس تعاون عدد من شباب الحي "الذين يقدموا يد المساعدة لصاحب المصنع، من أجل إخراج بعض المعدات الثمينة قبل أن تأتي عليها النيران".

بين الشارع و"تهديدات بالسجن"

صرح عدد كبير من سكان الدور المتضررة بشكل متطابق لهسبريس بأن "مسؤولة تابعة للسلطات المحلية حلت بالمكان وتهدد كل من يواجهها بضرورة توفير بديل للسكان قبل أن يتم إفراغهم بإدخالهم للسجن". وأضاف المتضررون أن "المسؤولة تدعي أنها مبعوثة من جهات عليا، وأنها تحاول حل المشكل بشكل ودي قبل أن يتطور الأمر إلى ما لا تحمد عقباه".

في ظل هذه التهديدات، لم يجد سكان هذا الحي الشعبي، القريب من الشريط الساحلي لسلا، من باب لطرقه سوى باب القصر. "جلالة الملك هو من يستطيع أن يرفع عنا هذا الظلم، فنحن لا نريد شيئا سوى بديل للبيوت التي نقطن فيها لعقود طويلة"، يقول صلاح الدين، أحد شباب الحي.

وأضاف المتحدث: "هذه السيدة جاءت رفقة القائد وأمرتنا بإمضاء التزامات الإفراغ، وأمهلتنا 24 ساعة كآخر آجل لتسليمها إلى السلطات"، قبل أن يرد على هذا الاقتراح بالقول: "نحن لا نعاكس مصلحة الدولة ولا مصلحة المواطنين المتضررين من الحريق؛ لكننا نطالب ببديل ليس إلا، فلا يقبل أن يقذف بنا للشارع بهذا الشكل".

في ظل هذا الوضع، لا يزال سكان الحي ينتظرون ما ستسفر عنه الساعات المقبلة من مفاجآت، بين حل ودي يعوّضهم عما خسروه جراء الحريق ويُمكنهم من إيجاد مكان آخر يأوون إليه، وبين تنفيذ قرار السلطات الذي يقض مضجعهم ويجعل المستقبل أمام أعينهم مائلا إلى السواد.