ًسد الوحدة .. لوحة طبيعية سعيدة تخبئ قصصا اجتماعية تعيسة

ًسد الوحدة .. لوحة طبيعية سعيدة تخبئ قصصا اجتماعية تعيسة

يقف الزائر لمنطقة الورتزاغ بإقليم تاونات مشدوها أمام اللوحة الأخاذة التي ترسمها حقينة سد الوحدة بين جبال المنطقة؛ وذلك في تناغم بديع مع المناظر الخلابة للمكان، الذي اكتسى حلة خضراء استعدادا لاستقبال فصل الربيع.

خلف هذه اللوحة الطبيعية البديعة، تختبئ حكايات وحكايات لمواطنين شكل زحف حقينة سد الوحدة على منطقتهم نقمة على حياتهم؛ فقد أصبحت قراهم شبه معزولة عن محيطها بعد أن كانت تنعم، قبل بناء سد الوحدة في تسعينيات القرن الماضي، بمسالك طرقية معبدة، خلفها الاستعمار الفرنسي، كما هو الشأن بالنسبة إلى دواوير أولاد حمو والدكارة وتارسالت وعين ليهودي والدهار، التابعة لجماعة الورتزاغ والتي لم يعد سكانها بمقدورهم قضاء مآربهم الإدارية والاجتماعية إلا عبر ركوب أمواج حقينة سد الوحدة على متن قوارب خشبية، في رحلة لا ترافقها دائما السلامة.

حين تلد النساء على متن القوارب

"نساء كثيرات وضعن مواليدهن على متن هذا القارب"، حسب صاحب أحد المراكب الذي كان ينتظر عودة زبنائه من السوق الأسبوعي سبت الورتزاغ، ليقلهم نحو الضفة الأخرى للحقينة، وهو الذي كان يدردش مع هسبريس وعيناه ترقب من بعيد سيارات النقل السري التي كانت في طريقها إلى "محطة كرباب" القريبة من الطريق المعبدة، والتي منها تنطلق رحلة العودة إلى القرى على الضفة الأخرى، على مسافة تزيد عن ثلاثة كيلو مترات فوق أديم المياه الزرقاء لحقينة سد الوحدة.

وما هي إلا لحظات حتى امتلأ القارب بالركاب الذين كانوا يصعدون إليه بحذر شديد خوفا من السقوط في المياه العميقة للحقينة. وكان الشباب منهم يساعدون الشيوخ والنساء على امتطاء المركب بينما كان صاحبه، الذي كان يمسك بمقود محرك القارب، ينبه زبنائه إلى الانتباه لأغراضهم حتى لا تتبلل بالماء المتجمع على أرضية المركب. كما كان يطلب منهم ضرورة التوزع على الكراسي بجهتي القارب للحفاظ على توازنه.

وكان ركاب هذا القارب الخشبي، شيوخا ونساء وشبابا، محملين بأغراضهم التي اقتنوها من السوق في قفف مملوءة بمؤونة الأسبوع وأكياس للدقيق وأعلاف للمواشي وشتلات للزيتون.

وبعد أن أخذ كل واحد منهم مكانه، وجه رب المركب دعوة لهسبريس لمصاحبته في هذه الرحلة، قبل أن يدير المحرك وينطلق بـ"سفينته" نحو عمق الحقينة يمخر عبابها، في رحلة استمرت حوالي ساعة من الزمن، ذهابا وإيابا.

ركوب القوارب مغامرة حقيقية

"نحن نعيش في العذاب، ركوب هذه القوارب مغامرة، وخاصة في فصل الشتاء"، هكذا وصفت سيدة، كانت على متن هذا المركب، معاناتها مع التنقل باستعمال هذه الوسيلة للنقل، والتي أوضحت، متحدثة لهسبريس، أن العديد من النساء العجزة بدوار أولاد حمو، حيث تقيم، يكتفون بتكليف جيرانهم بشراء ما يحتاجونه من مؤن.

شيخ، من ركاب القارب، البالغ عددهم 16 شخصا، أكد بدوره أن قطع حقينة سد الوحدة يشكل محنة لهم، ملوا منها بعد أن لازمتهم لما يقارب من 20 سنة، دون أن يلوح، في الأفق، أمل لوضع حد لعزلتهم.

وأوضح الشيخ أن الخطر يتهددهم دائما بركوب القوارب، قائلا: "عندما تهب الرياح، ونلاحظ قاربا وسط الحقينة، نعتقد، في كل لحظة، أن ركابه قد غرقوا بفعل اختفاءه بين الأمواج العاتية، قبل أن يظهر من جديد، ونحمد الله على سلامتهم".

راكب آخر ذكر أن سكان الدواوير التي عزلتها حقينة سد الوحدة "مقطوعين"، ويغامرون بحياتهم مضطرين بركوب مثل هذه القوارب.

وأكد أنه، في بعض الأحيان، عندما يصل المركب إلى وسط الحقينة وتتلاطمه الأمواج، ترتعش فرائسهم من الخوف.

وأبرز، كذلك، أن الكثير من الناس يلازمون بيوتهم عندما تسوء الأحوال المناخية، فيحرمون من قضاء مآربهم، كزيارة الطبيب، أو حضور جلسة في المحكمة، أو لقضاء غرض إداري.

ويتذكر مستعملو القوارب حوادث الغرق بحقينة السد، والتي وقعت جراء تسرب الماء إليها ومصرع ركابها؛ من بينها حادث المركب الذي نجم عنه هلاك عون سلطة ومرافق له، وهما من المنطقة ذاتها، حين كانا عائدين إلى منزلهما على متن قارب اعترته التصدعات.

الحقينة "تمنع" الحق في التمدرس

"اضطررت إلى توقيف ابنتي عن الدراسة، لما وصلت إلى المستوى الأولى إعدادي، لأنه لا يمكن لها أن تذهب يوميا إلى الإعدادية باستعمال القارب"، تقول السيدة سعيدة الشعايبي من دوار الدكارة بجماعة الورتزاغ، والتي ذكرت أن الحالة الاجتماعية لزوجها المعاق لم تشفع لها بتسجيل ابنتها بدار الطالبة.

وأكدت الشعيابي، في حسرة، أن ابنتها كانت ترغب في استكمال مشوارها الدراسي. وأضافت سعيدة قائلة: "ابنتي حين تشاهد بنات وأطفال الدوار عائدون من الإعدادية، تجهش بالبكاء لحرمانها من متابعة الدراسة".

وتساءلت المتحدثة ذاته: "ماذا علي أن أفعل، لو كانت هناك طريق ووسيلة نقل مدرسي كباقي الدواوير، لما توقفت ابنتي عن الدراسة".

امرأة أخرى أكدت قول سعيدة، وذكرت أن أغلب سكان الدواوير، التي تعاني من العزلة بسبب حقينة سد الوحدة، يضطرون لوقف مسيرة أبنائهم الدراسية في المستوى السادس ابتدائي، كما هو حالها هي، كذلك، التي لم يكن بوسعها تسجيل ابنها، أمين المقراج، في السلك الإعدادي نظرا لغياب دار للطالب، ولعدم قدرتها على توفير غرفة مكتراة له بالمركز الذي تتواجد فيه المؤسسة.

وأبرزت أمّ أمين على أن ابنها، الذي كان يحتل دائما المرتبة الأولى في مدرسته الابتدائية، بالرغم من معاناته من إعاقة على مستوى عينيه، عندما يرمق أقرانه عائدون من الإعدادية، نهاية الأسبوع، يعمد الاختباء داخل المنزل، قائلا لها: "أنا الذي كنت مجتهدا خرجت من المدرسة، وأقراني لا زالوا يدرسون".

تلميذة كانت على متن القارب، تمكن والديها من أن يجدا لها مقعدا بدار الطالبة، عبرت عن معاناتها مع قطع حقينة سد الوحدة كل نهاية الأسبوع، وقالت لهسبريس: "في الحقيقة، نعاني مع هذه المراكب، خصوصا في فصل الشتاء، حيث الأمطار والبرد الشديد والرياح، أشعر بالخوف الشديد حينما أستقل القارب".

وأضافت التلميذة قائلة: "لو كانت هناك طريق لكان الأمر أفضل، غالبا عند عودتنا إلى المؤسسة، يوم الاثنين، لا نتمكن من الوصول إليها في الموعد، فتفوتنا بعض الحصص بسبب تأخر وصول المركب إلى الضفة الأخرى".

الحنين إلى الماضي

وأجمع الركاب، الذين رافقتهم هسبريس على متن القارب، على أن الوضع كان أفضل بمنطقتهم قبل إحداث سد الوحدة، وأجمعوا على أن حقينة السد لم تجلب لهم إلا الشقاء والمعاناة؛ فبسببها أصبحوا يعيشون عزلة قاتمة، بعد أن كانت مساكنهم على مرمى حجر من الطريق المعبدة، التي غطتها مياه الحقينة وجعلتها اثر على عين.

"قبل بناء سد الوحدة، كانت هذه الأراضي المغمورة بالمياه عبارة عن حقول شاسعة للبرتقال والعنب ولمختلف الزراعات"، يشير شيخ من دوار أولاد حمو، والذي أضاف قائلا: "الفقراء كانوا يعملون في هذه الأرضي الفلاحية، الكل كان يشتغل، المرأة والرجل؛ وكان الخير متوفرا"، فقاطعه مرافق آخر مبرزا على أنه، بعد بناء السد، رحل عن المنطقة العديد من سكانها، ولم يبق فيها إلا الفقراء منهم، قبل أن يتساءل: "لقد بدؤوا فتح طريق غير معبدة لفك العزلة عنا، لكن أوقفوا الأشغال قبل إتمامها، لا نعرف لماذا؟".