مغربيات يهربن البضائع بمعبر باب سبتة .. العبودية تغتال الأنوثة

مغربيات يهربن البضائع بمعبر باب سبتة .. العبودية تغتال الأنوثة

هُنَّ نساءٌ فقيرات يتحدّرن من الهامش المَنسيِّ، وينتسبْن إلى الطبقة الاجتماعية الهشة. لكلّ واحدة منهنّ حكاية خاصة، لكنَّ الأسبابَ التي دفعتْهُنَّ إلى الاشتغال في تهريب البضائع مُوحّدة جميعُها تحت عنوان واحد: الفَاقة. لا يحتاج المرْءُ إلى أن يُنصت إليهنّ ليسمعَ ما يمُور في دواخلهنَّ من آهات. قسماتُ وجوههن تقول كلّ شيء، وتُفْصح تجاعيدُها عن معاناة قاهرة ترزحُ تحتَ وطأتها مَن هي منهنّ في مقتبل العُمر ومَن تعدّتْ سنوات عُمرها سقف خمسين أو ستّين عاما، على حدّ سواء.

مهنتهنّ التي لا يعترف بها القانون ويُقرّ بها الواقع المرير هي تأجيرُ ظهورهنَّ لتهريب عشرات الأطنان من البضائع كلّ يوم من مدينة سبتة المحتلة من طرف إسبانيا إلى مدينة الفنيدق المجاورة. البضائع المهرّبة من سبتة على متن ظهور هؤلاء النساء الفقيرات المعروفات بـ"الحمّالات"، أو "مهرّبات البضائع"، لا تخضع للرسوم الجمركية، وهو ما يجعل التجار الكبار يستعينون بهنّ لجلْب البضائع من المدينة المحتلة، مُستغلّين عِوَزَهُنّ وحاجتهنَّ إلى المال مهما شقَّ طريق الوصول إليه وعَسُر.

لُقمة عيش بطَعم العَلْقم

هَبّاتُ البرد القارس المُنسكبةُ من قمّة الجبل المقابل لمَعبر "طاراخال" بين مدينة الفنيدق ومدينة سبتة تلفحُ الوجوه وتُرعِّش الأطراف وتجمّدُ الأصابع. مؤشّر الحرارة مُستقرٌّ تحتَ حاجز عشْر درجات مئوية لا يتزحْزح، ورقّاص الساعة لم يبلغ بعدُ الساعة السادسة صباحا، والخيْط الأبيض لمْ يتبيّن من الخيط الأسود بعد.

تحت رحمة هذه الظُّلمة المُبدَّدة بنور مصابيحَ أصفر فاقعٌ لونه، وتحتَ رحمة البرد القارس الذي يزيدُه رذاذ أمواج البحر المتكسّرة على الرصيف قسْوة، كانتْ مئاتُ النساء، تختلفُ أعمارهنَّ ويوحّدهنَّ الفقر، يتجرّعْنَ مرارةَ حياة قاسية دأبْن على تجرّعها على الرّيق في هذا المكان من شمال المملكة كلَّ صباح منذ سنوات، وما زلْن يتجرّعْنها، فهي فطورهنَّ اليومي قبل تناوُل قهوة الصباح.

تقصد آلاف النساء مَعْبرَ باب سبتة المُحتلّة، أو "الديوانة"، كما يُطلق عليه سكّان مدينة الفنيدق والمناطق المجاورة، منذ الساعة الخامسة أو قبْلها من صباح كل يوم، من الإثنين إلى الخميس، وهي الأيام التي يُفتح فيها المعبر كلّ أسبوع، بحثا عن لُقمة عيش أجمعتْ آراء كلِّ اللواتي والذين تحدّثنا إليهم، على وصفها بأنّها "مغموسة في المرارة والمَهانة والمعاناة والألم".

النساء اللواتي يقْصدنَ هذا المكان، واللواتي يشتغلْن في نقْل البضائع المُهرّبة على ظهورهنَّ من سبتة إلى الفنيدق، يرزحْنَ تحتْ وطْأة المعاناة، النفسيّة والجسدّية، سواء عندَ عبورهنّ أو في رحلة العودة؛ فإذا كانتْ أجسادهنّ قد ألِفتْ تعبَ ومشقّة حمْلِ رُزم ضخمة من البضائع يتراوح وزْنها بين 50 و90 كيلوغراما، وتلقِّي ضربات عصيّ حرّاس الحدود في ضفّتيْ المعبر، بحسب تقارير عدد من المنظمات الحقوقية، فإنَّ آذانهنَّ ألفتْ، بدورها سماعَ عبارات السبّ والشتم وكلماتٍ تحطّ من كرامهتنَّ وآدمتيهنّ.

أمامَ بابٍ حديدي ضيّقٍ تحرُسه عناصر الأمن المغربية على تراب مدينة الفنيدق، تنتظمُ مئات النساء في صفٍّ طويل، مُنتظراتٍ، تحتَ رحمة برد شهر دجنبر القارس فُرصة العبور إلى مدينة سبتة. عند فتْح المَعبر على الساعة السادسة صباحا يندفعْن زرافي، وحينَ يتخطّين عتبة الباب الحديدي يشرعْن في الجري لِلّحاق ببوّابة المعبر في الضفّة الأخرى، المحروسة من طرف الحرس المدني الإسباني.

وبعد تجاوُز بوّابة المعبر يتوجّهنَ إلى مخازن البضائع الضخمة المنتشرة على طول مدخل مدينة سبتة، وهناكَ تُحمَّل كلّ واحدة منهنّ بعشرات الكيلوغرامات من البضائع على ظهرها، وتعْبُر بها إلى مدينة الفنيدق، عبْر معبر "BIUTZ"، مقابلَ عمولة تختلفُ قيمتُها حسب وزن البضاعة ونوْعها، ومنهنَّ من يُعاودْن الدخول أكثرَ من مرّة، حسبَ ما تسمحُ به قوّتهنّ الجسدية ويسمح به حرَّاس الحدود، لكسْب ربْح إضافي، قبل إغلاق أبواب المعبر عند الساعة الواحدة زوالا.

لكنَّ أداءَ هذه المهمّة لا يتطلّب فحسْبُ أن تكون المرأة قادرة على حمْل أحْمالٍ ثقيلة يستدعي نقلها قوّة جسمانية كبيرة وجَلَدا بلا حدود، بل يتطلب، أيضا، قُدرة هائلة وصبْرا لا ينفذ لتقبّل كافّة ضُروب الإهانة والتنكيل. فَأنْ تُنعتَ المرأة هنا بأبشع النعوت وأفظعِها، وتُسَبَّ بأقبح الألفاظ الجارحة أمرٌ دارج؛ "سِيري ألْخْـ.."، يصرخُ شرطي مغربي في وجْه سيّدة لم يجدْ وصْفا آخرَ يعبّر به عن غضبه تجاهها سوى نعْتها بالفَضْلة.

تقهقرت السيّدة التي توحي ملامحُ وجهها بأنّ عُمرها جاوَز الخمسين حَوْلًا خَطوات إلى الخلف، لكنّها سرعان ما استجمعت أنفاسها وانفجرت في وجه الشرطي الذي شتمها، دفاعا عن كرامتها، دُون أن تبادرَ أيّ من زميلاتها اللواتي كنَّ يُتابعن المشهد بلا مبالاة إلى التدخّل؛ ففي هذا المكان كلٌّ يفكّر في نفسه وفي مصيره، كـ"يوم القيامة"، كمَا وصفتْه إحدى الحمّالات.

قالت السيّدة لرجل الأمن بغضب طافح: "احترمْني، أنا قْدّْ يْمّاك"، فردَّ الشرطي مُلوّحا بيده في الهواء بحركة عصبيّة: "انتِ اللي خاصّكي تحتارميني، راكي طْلّْعتي لي السكّر"، ازداد غضبُ السيدة بعد سماع هذه العبارة ولم تجد ما تردّ به سوى: "ها البحر سير شْربو"، رمقها الشرطي بنظرة تفيض غضبا، وعادَ يتحدّاها: "الله يْغرّقك فيه".

اقتربْتُ منهما أكثر لمعرفة سبب الشجار، لكنَّ الشرطي صدّني بيده قائلا بصوت عال: "سير بْعّْد من هنا الله يرحْم بّاك"؛ ثمَّ انسحبَ متوجّها إلى شابة أخرى آمرا إياها بالتزام الصفّ، فرجَعتْ إلى الخلف دون أن تنبسَ بكلمة. كانَ المكانُ غارقا في الفوضى؛ الأرجل تتخبّط في الأوحال التي خلَّفتْها الأمطار، وصُراخ البشر يختلط بزعيق منبّهات مئات السيارات وأزيز محركاتها، فيعمُّ المكانَ ضجيج لا يُحتَمل.

غيْرَ بعيد عن البوّابة المخصّصة لدخول النساء، توجدُ بوّابة خاصّة بالرجال، وبوابة تعبُر منها السيارات، وأخرى يلجُ عبرها أصحاب الدراجات النارية والعادية؛ أمامَ هذه البوّابة كانَ المئات من أصحاب الدراجات ينتظرون فرصة العبور، المتواجدون في مقدّمة الطابور الطويل كانوا يُفاوضون رجل الأمن المكلّف بالحراسة للسماح لهم بالمرور، ومن بعيدٍ لاحَ مشهدٌ آخرُ من مشاهدِ المعاناة الإنسانية التي تجري أطوارُها على معبر باب سبتة كلَّ يوم.

كانَ شخصٌ طاعن في السنِّ يصارعُ على متْن كرسيّه المتحرّك مُحاولا استغلالَ حديث رجُل الأمن مع أصحاب الدراجات للدخول، لكنَّ رجل الأمن انتبهَ إليه وبحركة سريعة جرَّ الحاجزَ الحديدي وأغلقَ البوابة في وجهه. انتفضَ الشيخُ غاضبا لكنَّ الشرطيَ لمْ يلتفتْ إليه، قبل أن يقوم من على كرسيّه المتحرّك مستعينا بعُكازيْه، ودلف من شِقٍّ ضيّق بين الحواجز الحديدية، ومدّ إليه شخص آخرُ كرسيّه المتحرك، فانطلق يُسابق الزمن للوصول إلى سبتة.

آدميّة مهدورة

وسطَ الحشود البشرية التي تعُبرُ كلَّ صباح من مدينة الفنيدق إلى مدينة سبتة ثمَّة أشخاصٌ، ذكورا وإناثا، ذَوُو إعاقة حركية، ومكفوفون، ومُسنّون في أرذَل العُمر، دفعتْهم الحاجة إلى امتهان هذه المهنة الشاقّة، والتي يزدادُ شقاؤها خاصة بالنسبة للنساء، اللواتي تتضاعف معاناتهنّ بعْد العبور إلى الضفّة الأخرى من المعبر الحدودي؛ ذلك أنّهنّ يتعرّضن لاعتداءات من طرف حرّاس الحدود مِن كلا الجانبيْن، حسبَ إفادات عدد منهن، وحسبَ تقاريرَ لجمعيات حقوقية.

لكنَّ عائشة، ذات الأربعة والثلاثين ربيعا، والتي تشتغلُ "حمّالة" بمعبر باب سبتة، تُحمِّلُ لزميلاتها الحمّالات نصيبا من مسؤولية الاعتداءات والإهانة التي تطالهنّ، "خاصّنا نعتارفو أنّنا حتى حْنا كنديرو الفوضى، وما مْنضّمينش، هادشي علاش كيتعدّاو علينا.. ما كنْقلوشي هادشي حيتْ خايفة، ولكن هادي هي الحقيقة"، تقول عائشة لهسبريس بعْدَ أن أوصلتْ حُزْمةَ بضائع إلى تاجر كانَ ينتظرها في معبَر "BIUTZ" حيثُ تخرجُ البضائع.

في هذا المعبر "تفْقد النساء المشتغلات في نقل البضائع آدميّتهنّ وكرامتهنّ"، وفْقَ توصيف محمد بنعيسى، رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان. المَعبرُ عبارة عن مَمَرٍّ لا يتعدّى عَرْضه أربعة أمتار، جُدرانه وسقْفه مبنية بشبابيكَ حديدية فقدتْ صباغتَها ذات اللون الأبيض وحلَّ محلّها الصدأ بلوْنه البنّي الغامق، ومُقسّم إلى أربعة ممرات بالكاد يَسعُ كل واحد منها لمرور شخص واحد إذا كان حاملا حُزمة بضائع، ثلاثة منها مخصّصة للرجال وممرّ واحد للنساء.

حواليْ الساعة الثامنة صباحا يتدفّق مئاتٌ من حمّالي البضائع، نساء ورجالا، من مختلف الأعمار، بعد أن يفتَح حرّاس الحدود الإسبان والمغاربة، الذين لا تفصل بينهم سوى أقلّ من عشرة أمتار، أبوابَ المعبر، في سباق محموم لإيصال البضائع المحمولة على الظهر إلى أصحابها المنتظرين عند البوّابة الخارجية لمعبر "BIUTZ".

على واجهة بوّابة المعبر الغارقة في الأوحال عبارة لا يُعرف كاتبُها: HOMBRES DE COSTA، ومعناها بالعربية "رجالُ الساحل"، لكنَّ حوالي نصف عدد الحمّالين هنّ نساء (45 في المئة، حسب تقريرٍ لجمعية الأندلس لحقوق الإنسان صدرَ متمَّ شهر نونبر الماضي)، وأمامه درّاجاتٌ نارية ثلاثية العجلات وسيارات لنقل البضائع، وفي ساحة تقع على تَلٍّ مُطلّ على المعبر سياراتُ أجرة وسيارات عادية ينتظرُ أصحابُها وصولَ البضائع المهرّبة من مدينة سبتة لنقْلها إلى مدينة الفنيدق، وإلى مُدن أخرى بالشمال.

بيْنَ ممرّات الشبّاك الحديدي المُسيِّج للمعبر الحدودي تظهرُ معاناة النساء المشتغلات في حمْل البضائع في أوضح تجلّياتها. بظهورٍ مقوّسة من شدّة ثقل حُزم البضائع التي ينقلْنها يقطعنَ المعبر، ورغم أنّ الطقسَ بارد جدّا والسماء ملبّدة بالغيوم، إلا أنَّ جباهَهُنّ كانتْ تنزُّ عرَقا، وأمَلهنَّ الوحيدُ بلوغ البوّابة، للتخلّص من عبْء الأثقال، ونيْل مقابلٍ مادّي لا يتأتّي إلا بمشقة شديدة.

هنا، ثمّة مساواة حقيقيّة بين النساء والرجال، ليس في الحقوق الأساسية كمَا تطالبُ بذلك الجمعيات المدافعة عن حقوق المرأة، بلْ في الشقاء والمعاناة والعذاب، فلا فرْقَ هُنا بين ظهْرِ ذكرٍ وظهر أنثى، كلُّ الظهور مُلْزمة بأنْ تستحملَ حمْلَ رُزم من البضائع قدْ تجد الدوابّ مشقّة في حمْلها.

"مَعبر باب سبتة مُصَنَّف كنقطة سوداء في مجال انتهاك حقوق الإنسان، وخاصة حقوق النساء، والعملُ به مقترن بالخضوع لمختلف أنواع الاستعباد"، تقول مريم الزموري، رئيسة جمعية توازة لمناصرة المرأة بمرتيل، مضيفة: "هؤلاء النساء يُقاسين شتّى أنواع المعاناة، بدْءً من هدْر كرامتهنّ، وتعرّضهن لمعاملة قاسية، وصولا إلى التحرّش والابتزاز...".

رقيّة.. مثال صارخ للمعاناة

حسبَ تقاريرَ أنجزتْها جمعية توازة لمناصرة المرأة، فإنّ أغلب النساء المُمتهنات للتهريب بمعبر باب سبتة ينتمين لشرائح فقيرة أو مُعدمة، ويتحدّرن من أسر مهاجرة، سواء من مدن الداخل أو من البوادي القريبة من إقليم المضيق والفنيدق وتطوان، وأغلبهن يشتركن في أسباب مرتبطة بوفاة الزوج أو عطالته أو ضعف مدْخوله. وتوضّح رئيسة الجمعية، مريم الزموري، أنّ هذه العوامل "فرضتْ على هؤلاء النساء الخروج للعمل الاضطراري بالمعبر الحدودي رغم كل الأهوال الموجودة به".

رقيّة، واحدة من النساء المشتغلات في التهريب بمعبر باب سبتة، حَكتْ لنا أنها منذ شهريْن وهيَ تسعى جاهدة إلى إخراج حُزمة بضائعَ من أحد مستودعات مدينة سبتة، علّها تحصلُ على أجرٍ تعيل به أسرتها الفقيرة، دُونَ أن تفلح؛ ذلك أنَّ جسدها النحيلَ لمْ يسعفها طيلة هذه المدة في إيجاد موطئ قدمٍ بيْن الحشود الهائلة للمهرّبات العابرات، فكانتْ تنتظرُ عسى أن تجدَ ثغرة تنفذ منها، إلى أنْ تُغلَق أبوابُ المعبر على الساعة الواحدة، فتعودُ أدراجها خائبة.

في اليوم الذي زُرنا فيه معبر "BIUTZ"، ابتسمَ الحظّ لرقية، وأفلحتْ في إخراج حُزمة بضائع من سبتة. بَدَتْ فرحةً حينَ اقتربنا منها أنا ومرافقي. قالتْ، وهي تدسُّ النقود التي حصلتْ عليها: "صْوّْرتْ خمسين ألف فرنك (500 درهم)، هادي شهرين ما قدرتشي نخرّْج شي حاجة، البْناتْ الصّْحاحين كيشبّرونا ويسيّبونا"؛ سألتُها عنْ وزْن حزمة البضائع التي أخرجتْها، فردّت: "شْكون عارفْ أخايْ ديالي".

تبلغ رقية من العمر خمسين عاما، لكنَّ التجاعيد لم تترك مكانا على وجهها إلا وغزتْه؛ تقولُ ردّا على مرافقي الذي استبقَ جوابَها حين سألتُها عن عُمرها، وقالَ إنها قد تكون في الستّين من العمر: "ما زال ما عنديش سْتّين عام، يالله طالعة فخْمسين، تَمارة شْرّْفاتني"، ثمّ انطلقتْ تسردُ جزءً من واقعِ حياتها المريرة حيثُ تحملُ على كاهلها إعالة أسرةٍ ربُّها مريض وأبناؤها عاطلون عن العمَل أكبَرُهم يرفضُ امتهان مهْنةَ أمّه.

"الرّاجْل (تقصدُ زوجَها)، مريض، خاصّو يدير العملية (عملية جراحية) بثلاثة دْ الملايْن، وانا ما عندي حتى ما نْعطي لولادي"، تقولُ رقية بمرارة، وتضيف: "أقسم بالله إيلا راجلي مسكين أنا سامْحة فيه، خلّيتو فالدار البيضاء، تمّا غايدير العملية.. أنا اللي خْدّامة، عندي العايْل (الإبن) ما بغاشي يْجي يخدم هنا، غا كالسْ فالدار".

تعْبُرُ رقية إلى مدينة سبتة مساء كل يوم، وتبيتُ عنْد قريبةٍ لها تقطن هناك، قبْل أن تجرّب حظها في الصباح لإخراج حزمة من البضائع عبرَ معبر طاراخال، وتحْكي أنَّها وزميلاتها الحمّالات يتعرّضنَ لكل أنواع الإهانة. تقول: "كلّ واحْد كيْدفع من جِيهْ، كيْقولو لينا حِيّْدي أبْنتْ القـ... (العاهرة).. النّصارى (تقصد الحرس المدني الإسباني) كيْضرْبونا وكيْتعدّاو عْلينا.. والناس اللي دراوْش ما يقدروشي يخرجو، خْدّامينْ غير الصّْحاحين".

المعاناة التي تُكابدها رقية في سبيلِ التمكّن من تهريب حُزمة من البضائع من سبتة إلى الفنيدق، قدْ تكونُ أهونَ من معاناة بعض زميلاتها الحمّالات، فهي، على الأقلِّ تبيتُ في بيْت قريبتها في المدينة المحتلّة، بيْنما عدد من زميلاتها يضطررنَ إلى المبيت في الشارع هناك، بالقرب من مخازن البضائع؛ حيث يفترشن قطع الكارتون، ويلتحفْن بأغطية بلاستيكية، وحينَ يشتدُّ البرد يلجأن إلى النوم في مرائب البيوت المجاورة لمخازن البضائع، مقابل أربعين أو خمسين درهما، يدفعْنها لأصحابها.

ممنوع التصوير

بعيْن متوجّسة ينظرُ التجار الكبار المستفيدون من تهريب البضائع من مدينة سبتة، وكذا حَرسُ الحدود ورجال الجمارك، إلى كلّ غريبٍ وافد على المعبر الحدودي الرابط بين مدينة الفنيدق ومدينة سبتة المحتّلة. قبل الذهاب إلى هناك، قدّمَ لي أحدُ أبناء المنطقة مجموعة من النصائح: "لا تلتقط صورةً، حاولْ أن تتصرَّف وكأنّك تاجرٌ ينتظر بضاعة، حتّى المطريّة لا تحمْلها".

قبلَ مباشرة مهمّتي، قمتُ بزيارة استطلاعية إلى معبر "طاراخال" المخصّص للعبور إلى مدينة سبتة بعد مغرب يوم الأحد؛ أيْ عشيّة فتْح أبواب المعبر التي تُغلق أيام الجمعة والسبت والأحد في وجْه المهرّبين. وجدتُ طابورا طويلا جدّا من السيارات على طول الطريق المؤدّي إلى المعبر، نصفُ الطريق محتلٌّ من طرف أصحاب السيارات، "هَا انتْ أخويا، عْمّرك شفتي فوْضى بحال هادي؟" يقول سائق التاكسي.

أصحابُ السيارات يأتون إلى المَعبر بعد العصر، ويقضون الليل هناك، أمَلا في الظفر بالعبور إلى سبتة في الصباح الباكر من اليوم الموالي، فكلما كان صاحبُ السيارة في مقدمة الطابور، يكونُ أوَّل الداخلين إلى المدينة المحتلّة، وبالتالي سبّاقا إلى مستودعاتِ تخزين البضائع الإسبانية؛ حيثُ يُستخرجُ ما قيمته 400 مليار سنتيم (400 مليون يورو) من البضائع سنويا؛ أي 50 في المئة من صادرات سبتة المحتلة، حسبَ تقرير جمعية الأندلس لحقوق الإنسان الصادر متمّ شهر نونبر الماضي.

في اليوم الموالي عدتُ إلى المكان نفسه قبل الساعة السادسة صباحا، حاولْتُ أنْ أطبّق النصائح التي زوّدني بها دليلي. كنتُ أتابع ما يجري وأسجّلُ مقاطع الفيديو خُفْية، تفاديا لإثارة انتباه حرَس الحدود. وبعْد أن أتْممْتُ مهمتي، انتقلتُ، عند الساعة الثامنة، إلى معبر "BIUTZ" حيثُ تُستخرجُ البضائع. نهجتُ الخطة نفسها، وتمكّنتُ من توثيق معاناة النساء الحمّالات بالصور ومقاطع الفيديو، دونَ إثارة انتباه أحد، وإنْ كان عناصر القوات المساعدة الذين يحرسون المكانَ يرمقونني بنظرات مريبة، خاصّة وأنَّ مَقامي هناك دامَ أكثر من ثلاث ساعات.

حينَ أوشكتُ على إنهاء مهمتي، بَدَا لي أنّه سيكون من الأفضل أن ألتقط صورا عامّة للمعبر الحدودي من أعلى. صعدتُ إلى الجبل المحاذي والتقطتُ صورا للمعبَر ولمخازن البضائع الإسبانية المشكّلة لحزامٍ طويل يطوّق السياج الحديدي الفاصل بين الفنيدق وسبتة، وما أنْ بلغتُ سفْحَ الجبل وهممْتُ بالانصراف بحْثا عن النساء المهرِّبات في مكان آخر للاستماع إليهنّ حتّى وقف عليّ أحدُ أعوان الجمارك.

طلبَ بطاقة هويتي. دقّق فيها، وحينَ علمَ بأنني صحافي قال: "أجي معايا واحد دقيقة"؛ سألْتُه: "هل ارتكبتُ عملا مخالفا للقانون؟"، فردَّ باقتضاب: "التصوير هنا ممنوع، هذه منطقة عسكرية"، ولإضفاء طابع التأكيد على كلامه أردف: "قبل مدّة جاء طاقم صحافي من قناة فرنسية إلى هنا ومنعناهم من التصوير"، ثمَّ نادَى على مسؤولٍ أمني كانَ يراقبُ عمليّة عبور حمّالي البضائع ويرتدي زيّا مدنيّا.

التحق بنا المسؤول الأمني بسرعة، صوّرَ بطاقة هويتي وبطاقة الصحافة، ورخصة الأمر بمهمة، Ordre de mission، بهاتفه المحمول، ثم ابتعد خطوات وأخذ يتحدث في جهاز اللاسلكي، قبل أن يلتحق بنا مسؤول جمركي آخر، حاولتُ أنْ أشرحَ له أنني صحافي أقوم باستطلاعٍ ولم يبدُر مني تصرُّف مخالف للقانون، فردَّ بحزم: "أنا حاصل على الماجستير من كليّة الحقوق، ومُلمٌّ بالقانون جيّدا، وبقانون الصحافة".

ثمَّ تحرّكت الهواتف، ولمْ تمْض سوى بضْع دقائق حتى وفَد على المكان ضبّاط شرطة، ومسؤولو السلطة المحلية، ومسؤولو الجمارك. كلهم يقولون الكلام نفسه: "نحنُ لا نريد مصادرةَ حقك في القيام بعملك الصحافي، ولكنْ لا بدَّ من الحصول على ترخيص من السلطات المعنيّة"، ولأقتنع بهذا الكلام قالَ لي مسؤول من السلطة المحلية: "إذا حصلْتَ عل الترخيص نحن مستعدون لمساعدتك في أداء مهمتك".

لكنَّ مكالمة هاتفية من مسؤول أعلى درجة بدّدتْ أيّ أمَل في الحصول على الترخيص المطلوب، قالَ لي وهو يخاطبني من هاتف المسؤول الأوّل: "لا يحقّ لك التصوير في محيط المعْبر إلا إذا حصلتَ على ترخيص"، سألته: أيْن يمكنني الحصول عليه؟ هل من العَمالة؟ فردَّ: "لا، عليك أن تقدّم طلبا إلى وزارة الداخليّة"، وهو ما يعني قطع مسافة أكثر من 317 كيلومترا، والعودة إلى العاصمة الرباط، دون توفّر ضمانة للحصول عليه، فصرفْتُ نظري عن الموضوع.

دام "الاستنطاق" ما يناهز ساعة ونصف، وكانَ المطلبُ الأساس للضباط ومسؤولي السلطة المحلية، هوَ مسْحُ جميع الصور ومقاطع الفيديو التي التقْطتُها، بداعي عدم حصولي على ترخيص للتصوير. وفي لحظة اندفعَ أحدُ التجّار المستفيدين من التهريب، وشرعَ يحتجُّ على مسؤولٍ جمركي، بعد أن عَلم بأنني صحافي، قالَ له: "خاصّكم تديرو شْغلكم"، فسحبه المسؤول الجمركي وكأنّه شعر بالحرج، وأكمل معه الحديث بهمْسٍ بعيدا عني.

عددٌ من الحمّالين كانوا يُطلّون ويُراقبون المشهدَ من خلف السياج الحديدي. قالتْ سيّدة ذات ملامحَ ضامرة تشتغل في التهريب "حْنا غير بوفريّة (فقراء) آش بْغيتي عْندنا"، وقال آخر مُستنكرا "بْنّا ليك غيرْ حْنا باغي تخرج لينا على رزقنا"، فيما انبرى عدد من التجار المستفيدين من التهريب في الاحتجاج بشكل جماعي: "الصحافي سِيرْ فحالك.. الصحافي سيرْ فْحالك..".

وعلى وقْع هذه الشعاراتِ المهدّدة كانَ المسؤولون الذين حلّوا بعيْن المكان يُلحّونَ على مسْح الصور ومقاطع الفيديو التي التقطتها، ولمْ أجد بُدّاً من الانصياع لهذا المطلب، كنوْع من المُقايضة، بعد أنْ أصبحَ التعرّض لاعتداء من طرف تجّار التهريب الغاضبين واردا، فمسحْتُ الصور والفيديوهات، وغادرتُ المكان على متْن سيّارة أحد مسؤولي السلطة المحلية، وعيُون تجار التهريب الغاضبين تُلاحقني.

لا بديلَ عن التهريب

يصلُ عدد مهرّبي البضائع الذين يفِدون على مدينة سبتة من شمال المغرب، وخاصّة من مدينة الفنيدق، إلى 20 ألف شخص، إضافة إلى عشرة آلاف سيّارة، حسبَ مصدر مسؤول من الجمارك المغربية، بيْنما تقدّر أرقام حكومة سبتة المحتلّة أعدادهم بما بين 20 ألفا و25 ألف شخص، و15 ألف سيّارة.

لكنّ هذه الأرقام، حسب تقرير جمعية الأندلس لحقوق الإنسان، تظلُّ أرقاما تقريبية، لاعتباريْن؛ أوّلهما أنَّ مهرّبي البضائع يدخلون أكثر من مرّة إلى سبتة، وثانيهما أنَّ القاطنين بإقليم تطوان لا يخضعون لختْم جوازاتِ سفرهم حين عبورهم إلى سبتة، ولا توجدُ عدّادات أوتوماتيكية لعدِّ عابري المعبر، وبالتالي يصعب إعطاء رقم دقيق حول عددهم.

وبحسب معطيات تقرير جمعية الأندلس لحقوق الإنسان، فإنَّ أعمارَ النساء المغربيّات اللواتي يمتهنَّ تهريب البضائع من مدينة سبتة تتراوح ما بين 35 و60 عاما، لكنَّ التقرير أشار إلى أنَّ هناك نساءً تجاوزن 60 عاما، وأخريات صغيرات في السنّ، مشيرا إلى أنَّ الشابات الصغيرات يكنَّ في الغالب عرضة للتحرش الجنسي، أمَّا حُزَمُ البضائع التي ينقلنها، وهي عبارة عن أغطية وملابسَ وأحذية وعطور وأجهزة إلكترونية وحتى الخمور... فمُعدّل وزْنها يتراوحُ بين 50 و90 كيلوغراما.

الطريقةُ التي تُحمَلُ بها حُزم البضائع تشكّل خطرا مُحدقا بحياة الحمّالات؛ إذْ يتمّ ربْطها بحبالٍ تلتفُّ حول أكتافهنّ وأعناقهنّ، وإذا حدث وسقطت الحمّالة تصبح معرّضة للاختناق شنْقا، خاصّة وأنَّ المعبر يشهد ازدحاما شديدا، وقد أدّى التدافع بيْن الحمّالات في سنة 2009 إلى وفاة سيّدتيْن كانتا تُدعيان قيْد حياتهما زهور وبشرى، لهذا تتوفر أغلبُ المهربات على سكاكينَ صغيرة تُستعمل لقطع الحبال عند الضرورة.

لا جوابَ آخرَ عن سؤال: "لماذا تشتغلُ النساء في هذا المجال رغم مشقّة العمل الذي يزاولْنه وتَعرُّضهنّ لاعتداءات ومضايقات وتحرّش جنسي؟"، سوى: "لا بديل". تقول مريم الزموري، رئيسة جمعية توازة لمناصرة المرأة بمرتيل: "هؤلاء النساء مضطرات للعمل في حمْل البضائع لعدم وجود بديل، خاصة وأن أغلبهن نساء غير متعلمات ولا يتوفرن على شواهد ودبلومات".

كلام مريم الزموري تزكّيه رشيدة، هذه الأخيرة لمْ تجدْ حرجا في الحديث عن ظروف عملها ووضعيتها الاجتماعية، لكنّها اشترطتْ التأكّد من هويتي بعدما أخبرتُها بأنني صحافي، وحينَ تأتّى لها ذلك قالتْ بلكْنة غير شمالية "كانْعانيو من بزّاف دْالمشاكل، ولكن ما عندناش حْلّ آخر.. كُونْ لْقيتْ شي خدمة نْصوّر فيها غير مْية وخمسين ألف فرنك فالشهر ما نجيش لْهنا".

تُعيلُ هذه السيّدة أسرتَها الصغيرة بما تجنيه من تهريب البضائع من سبتة، ورغم قسْوة ظروف عملها، إلا أنّها تؤكّد "اللهمّ هادْ تمارة ولا نْدير شي حاجة أخرى.. أنا بْنتْ تْسعود وثمانين، ما زالا صغيرة"، في إشارة إلى أنَّ بإمكانها، لو أرادتْ، أن تشتغلَ في الدعارة، كما تفعلُ أخريات.

يُشيرُ تقريرٌ أصدره المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، شهر ماي الماضي، حول "المساواة بين النساء والرجال: الجانب الاجتماعي"، إلى أنّ النساء يمثّلنَ 52.8 في المئة من العُمّال والمستَخْدمين في المغرب، لكنّ حُضورهنّ يظلّ، حسب التقرير، منحصرا بصورة قويّة في القطاعات التي تعرف تشغيلا هشّاً وظروفَ عملٍ صعبة للغاية، كالفلاحة والعمل المنزلي والنسيج، والاقتصاد غير المنظم بصفة عامّة.

ويُقدّر عددُ الأسَر التي تُعيلها النساء في المغرب بحوالي 1.2 مليون أسرة، من أصل 6.8 ملايين أسرة مغربية؛ أيْ حواليْ 17.7 في المئة، حسبَ نشْرة أصدرتْها المندوبية السامية للتخطيط سنة 2014، بعنوان "النساء المغربيات وسوق الشغل: الخصائص والتطوّر". وحسب المُعطيات الواردة في النشرة، فإنّ 55.1 في المئة من النساء المغربيات المُعيلات لأسرهنّ أراملُ، و26.6 في المئة متزوجات، و11.1 في المئة منهنّ مطلقات، في حين إنّ 6.8 في المئة عازبات، ولا تتوفّر 86 في المئة من مجموع هؤلاء النساء على أيّ شهادة دراسية.

وفيما تستمرٌّ معاناة حمّالات البضائع بمعبريْ "طاراخال" و"BIUTZ" في رحلتيْ الذهاب والعودة، تتوالى نداءات جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان بإغلاق المعبر الأخير، "الذي لا يتوفّر على الحدّ الأدنى من شروط السلامة وصوْن كرامة الحمّالين"، حسبَ وصْف جمعية حقوق الإنسان بالأندلس، داعية إلى عدم السماح للحمّالات بنقْل حُزم يفوق وزنُها 20 كيلوغراما، كما دعتْ إلى فتْح معبر "طاراخال 2"، الذي انتهتْ أشغالُ بنائه، وأفادَ مصدرٌ جمركي هسبريس بأنَّ المعبرَ سيُفْتحُ خلال السنة القادمة.

وبينما لا يُعرفُ ما إنْ كانَ المعبرُ الجديد سيخفّف، ولو قليلا، من معاناة آلاف "الحمّالات"، بعد سنوات طوالٍ من الرّزوح تحت وطأة "شتى الممارسات الحاطّة بالكرامة الإنسانية"، وفق تعبير محمد بنعيسى، رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان، تظلُّ الأمنية الوحيدة لرقيّة هي التخلّص من شرنقة استغلال تجّار البضائع المهرّبة الكبار لضُعفها وعوزِها. أمنيةٌ تُعبّر عنها برفْع كفّيْها إلى السماء داعية: "الله يْغْنينا عليهم.. يا رْبي يا رْبّي تْغنينا عليهم".