شباب يلجؤون إلى الشمس لمواجهة عطش سكان توغليت بزاكورة

شباب يلجؤون إلى الشمس لمواجهة عطش سكان توغليت بزاكورة

لا يزال سكان قرية تغُوليت يتذكرون بكثير من اللوعة والأسى حادث سقوط سيدة في بئر، بعد أن كانت تحاول جلب المياه إلى بيت أسرتها. مرّ وقت طويل على وقوع ذلك الحادث الأليم، الذي أودى بحياة واحدة من نساء القرية؛ إلا أن مشكل الحصول على المياه ظل يذكرهم بتلك المأساة لسنوات، لا سيما أن السيدة المتوفاة خلّفت، وقتها، صبيا عمره أربعون يوما فقط..

ليس وحده حادث السيدة التي توفيت هو ما يذكر مواطني تغوليت بجماعة تاغبالت الحدودية بمشكل لم يستطع مسؤولو الجماعة المذكورة إيجاد حل له لسنوات؛ بل خصومات كثيرة، ومعاناة بعدد أيام السنة.. ووحدهن نساء هذه البلدة، اللواتي فُوّضَ لهن توفير الماء للشرب ولغسل الملابس ولباقي الحاجيات، من يتذكرن بالكثير من الحزن الممزوج بالسخرية سنوات خلت من معاناة يومية مع جلب الماء.

تبعد قرية تغوليت، التي تنتمي إلى جماعة "تغبالت" التي توصف بأنها أفقر جماعة في أفقر جهة بالمغرب، عن مدينة زاكورة بـ120 كيلومترا عبر تازارين؛ إلا أن تعبيد الطريق رقم 12 مؤخرا جعل هذه القرية لا تبعد عن زاكورة سوى بـ70 كيلومترا فقط. كما سَهّلت عملية تعبيد هذه الطريق على سكان مجموعة من الدواوير المتراصة في وادي تاغبالت الوصول إلى الإدارات المحلية الموجودة بزاكورة، بعد أن كانوا يقطعون مسافة طويلة متعرجة بالمرور عبر تانْسّيختْ.

على بُعد 30 كيلومترا عن مركز تازارين بإقليم زاكورة، تصطف بيوت طينية وأخرى إسمنتية لأسر تخفي العديد من القصص عن مشكل قديم اسمه العطش، لم يتغلبوا عليه إلا هذه السنة؛ وذلك بفضل مجهودات شبابية كرّست كل طاقتها لقرية نائية، لتحقيق الاكتفاء الذاتي لأهلها من هذه المادة الحيوية.

مواجهة العطش

بدأت مجابهة المعاناة اليومية لأزمة الماء، كما وضح مواطنون من تغوليت لهسبريس، بتأسيس جمعية تعنى بالتنمية؛ وذلك بمبادرة من شبان القرية الذين يحملون غيرة على بلدتهم، ويرغبون في تنميتها.

سعيد أكونتر، نائب رئيس جمعية تغوليت للتنمية، أوضح، في حديثه لهسبريس، أن "الانطلاقة بدأت بجمع مبلغ مالي من مساهمين خواص. وبتعاون من القيادة والجماعة، من حيث تبسيط المساطر، تم الشروع في حفر بئر لا تبعد كثيرا عن قريتنا، وفي أرض تعد من أملاك قبيلتنا".

طرق القائمون على هذه المبادرة مجموعة من الأبواب، من أجل جَمع المُساهمات، "وإن كُنّا لم نستفد من أي دعم عمومي؛ إلا أننا نلنا ثقة مجموعة من الخواص، الذين سَاهمُوا بأموالهم، إذ كلفتنا البئر لحفرها مبلغ 5 ملايين من السنتيمات"، يضيف أكونتر.

استبشر الناس خيرا عندما لاحظوا أن كمية المياه مهمة، وأن تخمينات المهندس الذي أرشدهم إلى مكان الحفر لم تذهب سدى؛ وهو ما شجع السكان على المضي قدما في المشروع الذي سوف يخفف من معاناتهم اليومية في التزود بالماء الشروب، حسب توضيحات الذين التقتهم هسبريس بتغوليت.

"شرعنا في جمع دعم آخر من مساهمين آخرين، لتزويد البئر بألواح الطاقة الشمسية" يوضح شاب اسمه عزيز، وهو أيضا عضو بالجمعية، ثم يضيف: "كلفنا الأمر مبلغ 25 مليون سنتيم، وربط المنازل بالأنابيب كلفنا 9 ملايين سنتيم، فيما كلفتنا مصاريف البناء وغيرها 3 ملايين أخرى؛ لكن كل ذلك يهون، خاصة عندما يتدفق الماء في الصنابير داخل البيوت، ونرى الرضا في عيون أمهاتنا وأخواتنا اللواتي عانين لسنوات عديدة جراء قطع مسافات طويلة في سبيل جلب الماء إلى البيوت".

وإذا كانت عديد من القرى التابعة لإقليم زاكورة، والتي تعتمد الطاقة الشمسية في ضخ المياه من الآبار نحو الصهاريج الكبيرة، قد استفادت من مبادرات منظمات دولية قامت باقتناء الألواح المخصصة لهذه الغاية؛ فإن شبان قرية تغوليت تمكنوا من تحقيق المبتغى اعتمادا على مساهمات الميسورين في المنطقة وكذلك مساهمات خواص من مناطق أخرى.

ولتغطية تكاليف تزويد القرية بالماء الصالح للشرب، وإعفاء الساكنة من أداء تكاليف هذه المادة الحيوية مستقبلا، قام هؤلاء الشبان بغرس 120 نخلة من نوع الفقوس قرب مقر الجمعية، ويستعدون لغرس 200 نخلة أخرى من نوع المجهول، وقرروا تخصيص عامل دائم يهتم بهذه الأشجار، في أفق أن يتم بيع غلة هذه النخيل لتخصص لتغطية تلك التكاليف.

وبعد نجاحهم في توفير المياه لقريتهم، يطمح هؤلاء الشبان إلى إيجاد حلول أخرى لمشاكل كثيرة؛ ومنها عزمهم بناء مركب سوسيوثقافي، بإيجاد شركاء من المؤسسات العمومية ومن الخواص لتنفيذ هذا المشروع الذي سيكون متنفسا للشباب والنساء ويساعدهم في إبراز قدراتهم ومواهبهم. كما أن الوضع الصحي يدفعهم إلى اقتناء سيارة إسعاف خاصة بالقرية، لتكون سندا للمرضى في الحالات الحرجة والعاجلة، خاصة الولادات العسيرة ولدغات الأفاعي والعقارب.

طموح الشباب

لا يختلف الوضع الصحي بقرية تغوليت عن غيره بباقي قرى زاكورة والجنوب الشرقي عموما؛ فأقرب مستوصف يوجد في مركز تاغبالت، وهو يفتقر للتجهيزات الضرورية للمرضى في هذه الربوع من المغرب، و"في سنة 2016 وحدها توفي صبيان بسبب لسعات العقارب، وغياب الأمصال الضرورية لمواجهة السم، قبل أن يسري في الجسم ويؤدي إلى وفاة المصاب"، يؤكد مواطن من تغوليت.

يقاطعه مواطن آخر ليضيف متحدثا عن الوضع الصحي بالمنطقة أن "سيدة توفيت في غشت الماضي في دوار تَارڭا نَايت إيزو، في الجماعة ذاتها بسبب نزيف الوضع، ومعاناة الأمهات في المنطقة معروفة منذ زمن"، ويتم في الغالب إرسال الحالات الخطيرة نحو مركز زاكورة أو نحو ورزازات ومراكش طلبا للاستشفاء.

إن النجاح في توفير المياه لهذه القرية أكسب هؤلاء الشبان ثقة مجموعة من الشركاء، وكما يؤكدون "إذا وجدنا الدعم والمساندة من الهيئات المختلفة، فلدينا أفكار كثيرة نسخرها في خدمة ساكنة قريتنا وأجيالها".