من الإسلام والإلحاد إلى "الإنجيل" .. قصص مغاربة اعتنقوا المسيحية

من الإسلام والإلحاد إلى "الإنجيل" .. قصص مغاربة اعتنقوا المسيحية

يعرفون أنفسهم بالإنجيليين، فليسوا كاثوليك ولا أرثوذكس ولا بروتستانت، ويرون أنهم متمردون على تعاليم الكنائس المسيحية في العالم، ويعيشون حياة عادية وسط الناس في معظم المدن، لأنهم مواطنون مغاربة لغة وهوية وتقاليد.. لا يشكون التضييق ولا يفكرون البتة في تنظيم ندوات ووقفات أمام البرلمان للمطالبة بحرية المعتقد..هم مسيحيون مغاربة وفقط..مرحبا بكم في رحلة "الإيمان بالمسيح" بالمغرب.

بكل عفوية ودون تردد، مع تحفظ في كشف هويتهم الكاملة للرأي العام، لتفضيلهم العيش "بعيدا عن الأضواء والجدل"، اختار شبان مغاربة هسبريس لحكي قصة اعتناقهم للمسيحية بكل تفاصيلها، التي تنوعت بين من كان ملحدا وترعرع وسط أسرة ماركسية، ومن كانت متدينة مسلمة واختارت في الأخير اعتناق المسيحية باقتناع...

كيف يعتقد "الإنجيلي" المغربي

يشدد كل من ياسر وحياة ووفاء، وهي أسماء مستعارة لثلاثة شبان مغاربة مسيحيين، على أن كل واحد منهم "كتابي إنجيلي"، بمعنى أنه "لا يعبد الصليب ولا يؤمن بشفاعة مريم العذراء ولا بصكوك الغفران ولا بقداسة البابا ولا بوساطة الكاهن ولا بوجود كنيسة توجه"، بل يؤمن بما وصفوه بـ"السيادة المطلقة لله وبالكتاب المقدس"؛ فيما يعتقدون أن الدين المسيحي تعرض للتحريف بعد الحروب الصليبية الأولى.

وحسب المعلومات التي توصلت إليها هسبريس، فإن المسيحيين المغاربة متواجدون في معظم المدن، فيما يفضلون إقامة شعائرهم التعبدية في المنازل أو ما يطلقون عليه "الكنائس البيتية"، كما يحصلون على الأناجيل إما بالمجان عبر إرساليات قادمة من الخارج أو عبر شرائها من مكتبات عمومية تتوفر على رخص لبيعها.

من المعتقدات التي كشفها المسيحيون المغاربة المعنيون باللقاء مع هسبريس أنهم يرحبون بما يصفونه بـ"التبشير"، "أي الدعوة للمسيحية"، مشيرين إلى أن الأمر جار به العمل في المغرب، فيما ينفون أن يكون أي تحرك من هذا القبيل أو اعتناق أي مغربي للمسيحية داخلا ضمن أجندة خارجية تستهدف الأمن الروحي للمغاربة.. "نعم هناك حالات يتم استغلال فقرها لإقناعها بالمسيحية بمقابل مادي..لكنها حالات قليلة ومعزولة"، يقول أحدهم لهسبريس.

وخلافا للمسلمين، يصوم المسيحيون المغاربة دون تحديد فترة زمنية معينة، وعن ذلك قال أحد المتحدثين لهسبريس: "إذا أحس أحدنا بالذنب وارتكاب خطيئة يصوم وقتما شاء من 12 ساعة إلى ستة أيام متتالية يشرب فيها فقط الماء"، مضيفا أنهم يحتفلون طيلة السنة بعيدين رئيسيين؛ الأول يدعى "عيد القيامة"، ويحل يوم 24 أو 25 دجنبر سنويا، ثم "عيد الفصح"، الذي يتحدد حسب التقويم العبري في الغالب خلال شهر مارس وأبريل، فيما عبر عن أنهم يحترمون السيادة الوطنية، قائلا: "الكتاب المقدس يدعونا للخضوع إلى السلطة".

إعلام وكنائس منزلية

وفيما يؤكد المتحدثون ذاتهم أن تعبدهم في "الكنائس المنزلية" يتم بعيدا عن أي تضييق وتحت أعين السلطات، كشف المعنيون أن هذه المجالس يؤمها "الراعي"، الذي يعد بمثابة "الشيخ" عند المسلمين، والذي "له دراية بالتعاليم المسيحية وإدراك متقدم بالكتاب المقدس ويحوز شهادة طيبة من الناس"؛ فيما تتم فيها قراءة أجزاء من الإنجيل، وتقديم موعظة، وترتيل أناشيد دينية تدعى "ترانيم"؛ مضيفين أنها عبارة عن مناسبات أسبوعية تحضرها فئات مجتمعية مختلفة.

إعلاميا، تم تأسيس العديد من المنتديات والمواقع الإلكترونية الخاصة بالمسيحيين المغاربة، إلى جانب صفحات ومجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي؛ فيما يحتضن الفضاء الافتراضي إذاعات إلكترونية يديرها مسيحيون مغاربة، وهي الوسائل الإعلامية المتعددة التي تتيح تعاليم وكتبا مجانية عن الدين المسيحي، إلى جانب توفير نسخ إلكترونية مجانية من الإنجيل.

ويأتي هذا الواقع في وقت تكشف تقارير دولية، من قبيل تقرير الخارجية الأمريكية، حول "حريات الأديان في العالم"، وجود أزيد من 25 ألف مسيحي في المغرب، بينهم 5 آلاف أجنبي، منهم كاثوليك وبروتستانت، على أن غالبيتهم يقيمون في مدن الرباط والدار البيضاء وطنجة.. بينما يرى المتحدثون لهسبريس أن تلك الأرقام لا تعبر عن الواقع، الذي يحيل على أضعاف تلك الإحصائيات، حسب تعبيرهم.

حياة.. إلحاد ثم فضول

تقول حياة، البالغة 28 سنة، وهي طالبة باحثة في حقوق الإنسان، إن حياتها قبل "الإيمان"، وتقصد الإيمان بالمسيح عيسى عليه السلام، كانت عادية ويعمها الإلحاد، بعيدا عن الاعتقاد بأي معتقدات دينية، مضيفة: "ترعرعت وسط عائلة صغيرة وجو عائلي عادي..لم أكن مسلمة رغم أن والدتي كانت تصلي وتصوم؛ بينما والدي كان عكس ذلك"، وزادت أنها كانت تثور دوما على التقاليد والأعراف "رغم الجو المحافظ الذي كان يحيط بها".

وتتابع حياة قصتها مع المسيحية بالقول: "لقد اقتنعت وأنا في سن صغيرة بأن الكون مادة ولا وجود لإله، في وقت لم أجد جوابا على أسئلتي الدينية التي كنت أطرحها على والدتي وأساتذة التربية الإسلامية في مشواري الدراسي"، قبل أن تصل إلى مرحلة الدراسة الجامعية بمدينة الرباط في تخصص القانون بكلية الحقوق، مضيفة: "في العام الثاني طرح علينا الأستاذ في حصة همت علاقة الدين بالدولة سؤالا عمن يحوز كتاب الإنجيل".

هذا الطلب الأخير كان المنعطف الحقيقي في مسار حياة العقدي، إذ توجهت إلى صديق لها في مدينة سلا قالت إنه ملحد ويتوفر على نسخة من "الكتاب المقدس"، موضحة أن هدفها من طلبه كان "الفضول والدراسة والمقارنة بينه وبين القرآن الكريم"، ومضيفة: "كنت أرغب أن أظهر كطالبة مجتهدة في البحوث التي يطالبنا بها الأساتذة"، ومشيرة إلى أن مغربيا اتصل بها هاتفيا بعد ثلاثة أسابيع من طلبها نسخة من الإنجيل على الإنترنت.

"كنت ألتقي به ثلاث مرات في الأسبوع، وكان يجيبني عن أسئلتي الكثيرة، فوجدته متمكنا من تعاليم المسيح وحافظا للكتاب المقدس"، تقول الشابة المغربية ذاتها، مضيفة أنها لم تكن لتجد إجابات معمقة حين طرحها للأسئلة ذاتها على مغاربة متدينين إسلاميا، وزادت: "كانت إجاباته تقنعني، ومنحني معنى آخر للمسيحية، مفاده أن الله محبة وسلام وليس إرهاب. واكتشفت أن المسيحيين لا يحللون أمورا راجت ضدهم، مثل المثلية وغيرها، كما تعرفت من خلاله على حقيقة الوصايا العشر للمسيح".

بعد ذلك، دعا الشخص المذكور حياة لحضور جلسة داخل كنيسة منزلية، وعن ذلك قالت: "اعتقدت أني سأجد أمامي بناية دينية وأجراسا وصليبا معلقا.. فإذا بي أحضر في منزل عادي يحضره شباب وعائلات وأطفال، رغم ترددي في قبول الدعوة.. بعد حضوري إلى جلسات اقتنعت في الأخير وآمنت وصرت عضوا في الكنيسة"؛ فيما تورد أن أبرز القناعات التي باتت حقيقة بالنسبة إليها تكمن في "كيف أننا أبناء الله، وهو معنى مجازي يعبر عن قوة علاقتنا بالله وليس علاقة الرب بالعبيد"، وأن "الله يحبنا دون أن ينتظر منا مقابلا".

وفاء..من الحجاب إلى المسيحية

أما قصة وفاء فمختلفة تماما عن حياة، فهي تبلغ 25 سنة وتشتغل في ميدان الصحة، ولم يمر على اعتناقها للمسيحية سوى عام ونصف.. كانت مسلمة بل ومرت من مراحل ارتدت فيها الحجاب والتزمت بتعاليم الإسلام، "لكن بشكل سطحي دون اقتناع تام"، حسب تعبيرها، مضيفة لهسبريس أنها ترعرعت وسط أسرة غير مستقرة، وزادت: "والدي كان ملحدا شيوعيا ووالدتي إنسانة عادية في تدينها.. بينما لم أكن أطبق من تعاليم الدين سوى ما أتعلمه من المدرسة، كتقليد وليس كاقتناع".

"بعد مسار ديني غير مستقر في فترة الصبا، بين ارتداء الحجاب تارة ونزعه تارة أخرى وعدم الانضباط في أداء الصلاة، التزمت دينيا حين فشلي في الالتحاق بإسبانيا للحصول على باكالوريا إسبانية، إذ شعرت أن فشلي مرتبط بغضب الله علي لأني لم أطعه"، تقول وفاء، مضيفة أن تجربتها الدراسية اللاحقة قادتها للعيش في بلد آخر لمدة بلغت سبع سنوات.

وتروي وفاء كيف أن عدم الاستقرار في الالتزام بالتعاليم الإسلامية صاحبها أيضا في فترة دراستها الجامعية، قائلة: "ارتديت الحجاب وفرح الجميع وأخبروني بأن وجهي بات منيرا، وتساءلت مع نفسي هل كان غير ذلك من قبل..كما كنت أشعر على الدوام بأني لا أعرف من الإسلام سوى القشور"، لتردف بأنها لم تكن متعصبة لدين أو طائفة بعينها، وزادت: "أكثر الناس الذين ارتحت معهم كانوا مسيحيين، لا يتعاملون لمصلحة أو لرغبة منهم في كسب عطاء.. أحسست معهم بالنقاء والصفاء والمحبة".

بعد عودتها للمغرب عام 2013 ستتعرف وفاء على صديق دراسة قديم عبر موقع "فيسبوك"، سيخبرها باعتناقه للمسيحية، قبل أن يدعوها إلى إحدى غرف الدردشة بموقع "بالتوك" الخاصة بالمسيحيين العرب.. "تحولت صداقتنا إلى إعجاب، واقترح علي اعتناق المسيحية كشرط للارتباط ضمن مشروع للزواج، قبل أن يحيلني على تجمع للمسيحيين، لتبدأ هناك قصة اعتناقي للمسيحية"، تورد وفاء.

بعد دخولها في نقاشات مع مسيحية سعودية وأخرى عراقية، فيما أخذها فضولها للاطلاع على تعاليم الدين المسيحي، تروي وفاء كيف أن اللحظة الحاسمة جاءت "حين سمعت في إحدى الليالي صوتا يهمس في أذني قائلا كلمة الخلاص لأكثر من مرة، فطلبت الله وقتها أن يلهمني ذلك وأن يظهره لي"، على حد قولها، قبل أن تقودها الأقدار، وفق تعبيرها، وهي تعتنق المسيحية للتعرف إلى شابة مسيحية مغربية مهدت لها الطريق لحضور "الكنائس المنزلية" في العاصمة الرباط.

ياسر.. الشيطان "666"

أما قصة "إيمان" ياسر، البالغ 26 سنة، والحاصل على دبلوم في الاقتصاد، فلم تختلف عن حياة، إذ تربى هو الآخر على الإلحاد منذ صغره، وعن ذلك يقول: "كنت أنتقد الأديان وأرى فيها رجعية، وتلقنت هذا الأمر باعتبار وجود أفراد ملحدين ماركسيين في أسرتي..كان معنى الله غائبا في حياتنا، إلى أن بلغت سن 16 عاما، فبدأت رحلة بحثي عن الله، فلم أجد في الدين الإسلامي جوابا عن أسئلتي، من قبيل لماذا لا نرى الله؟ ولماذا خلق الشيطان؟..واستمر بحثي لعامين متتاليين، إلى أن وجدت الكتاب المقدس الذي وجدته مختلفا بخطابه الديني، كما أنه مبني تاريخيا ويورد معلومات مضبوطة في تفاصيلها".

ويقول ياسر وهو يروي قصة صدفة وقعت معه وهو في السنة 18 من عمره، إذ اطلع بفضول على كتاب "يوحنا" من "الكتاب المقدس": "قرأت في الفصل 13 أن رقم الشيطان الشرير هو 666، وهو رقم أول بريد إلكتروني أنشأته حين كان عمري 11 سنة.. فصدمت وفتح الأمر عيني على الماضي الذي عشته سيئا كثيرا في دراستي وحياتي العامة".

ويكشف الشاب المغربي كيف أنه، وبتاريخ أبريل 2008 اعتنق المسيحية: قائلا: "آمنت ليلتها وفتح الله عيني على حقيقة المسيح، وأنه خلق الإنسان ليعكس صورته في الكون، ووجدت أن المسيحية ليست دينا بل علاقة بين الإنسان والله، الذي أرادني أن أكون أحد أبنائه، ليس حقيقة، بل مجازا يعبر عن قمة العلاقة التي تجمع الإنسان بالله، بعيدا عن علاقة الرب بالعبيد".

ويقر الشاب المغربي ذاته بأن رحلة اعتناقه المسيحية كانت فردية قائلا: "لم يساعدني أحد ولم توجهني جمعية أو جماعة معينة"، نافيا ما يروج من أن وراء كل مغربي يعتنق المسيحية أجندة أو جماعة تبشيرية؛ فيما أورد أنه ظل محتفظا بمسيحيته لأشهر، وزاد: "كنت أفضل أن أبقى بعيدا عن أصدقائي الملحدين، كما قاطعت الجمعيات التي كنت أنشط فيها. ومع الوقت تحسنت علاقتي مع الله وعلمت بوجود مغاربة مسيحيين ومواقع إلكترونية مغربية مسيحية".