ورد قلعة مكونة يتحول إلى "شوك" يُدمي الفلاحين الصغار

ورد قلعة مكونة يتحول إلى "شوك" يُدمي الفلاحين الصغار

خلال افتتاح مهرجان الورود بقلعة مكونة في دورته الأخيرة، قدّمَ عدد من المسؤولين صورة ورديّة عن واقع إنتاج الورود بقلعة مكونة، المنطقة الجغرافية الوحيدة في المغرب التي تُنتج الورد، وتنبّؤوا بمستقبل واعد لهذا القطاع؛ حيث قال إبراهيم حافيدي، مدير الوكالة الوطنية لتنمية الواحات وشجرة الأركان بعد استعراضه لما تحقّق: "إننا نسير في طريق مستقيم".

المحوّلون أكبر مستفيد

حافيدي قال إنَّ الأهداف المرسومة لتنمية قطاع إنتاج الورود تتحقق تدريجيا؛ حيثُ أضحى الهكتار الواحد يُنتج طنّا من الورد، فيما الطموح هو بلوغُ 4 أطنان في أفق سنة 2020، وتمّ رفع المساحة المزروعة إلى 100 هكتار، في أفق بلوغ 400 هكتار سنة 2020، بيْنما انتقل سعر الكيلوغرام الواحد من الورد من ثلاثة دراهم في تسعينيات القرن الماضي، إلى ما بين 16 و20 درهما في الوقت الراهن.

وخلْف هذه المؤشرات الإيجابية التي سردها مدير الوكالة الوطنية لتنمية الواحات وشجرة الأركان، يطرح سؤال: هل يستفيد الفلاحون الصغار بقلعة مكونة من التطوّر الذي يعرفه إنتاج الورد العطري بقلعتهم؟ إبراهيم القاصح، نائب رئيس المجلس الإقليمي لقلعة مكونة، لم يخف أنّ المستفيد الأكبر هم "المُحوّلون" الذين يقتنون الوردَ ويحوّلونه إلى مُنتجات تُستعمل غالبا في صنع موادّ التجميل.

وأشار المتحدّث، في تصريح لهسبريس، على هامش مهرجان الورود بقلعة مكونة، إلى أنَّ هذا القطاع يعرفُ تطوّرا تواكبه استفادة الفلاحين الصغار، وذلك بإنشاء تعاونيات، لكنّ واقعَ العاملين في إنتاج الورد العطري، خاصّة النساء اللواتي يتولّين مهمّة الجنْي في شهر ماي من كل سنة، يُبيّن أنَّ الفلاحين الصغار لا يستفيدون على نحو أمثل من عائدات ما تجود به أرض قلعة مكونة من الورد العطري.

أجرة هزيلة

تشتغل النساء، في الغالب، أربع ساعات في اليوم؛ حيث تتمّ عملية جني الورد ما بين الساعة السابعة والحادية عشرة صباحا، وتُحتسبُ أجرتهن حسب عدد كيلوغرامات الورد التي جنينها، والتي لا تتعدّى درهمين ونصف درهم (2.5) للكيلوغرام الواحد، وهو ما يعني أنَّ التعويض المالي الذي يمكن أن تحصل عليه العاملة لا يتعدى في أقصى الحالات 50 درهما إذا استطاعت جنْيَ 20 كيلوغراما.

لا تُخفي العاملات الزراعيات اللواتي التقيناهنّ في إحدى ضيعات الورد بقلعة مكونة تذمّرهنّ من ضعف المردود المالي الذي يجنينه مقابل الكدّ في الحقول لساعات؛ "إذا بَذَلَت العاملة كل ما في جُهدها، فلن تستطيع ربْحَ سوى ما بين عشرين وخمسة وعشرين درهما على أكثر تقدير، ماذا ستفعل بها؟"، تقول إيطو، وهي سيدة ستّينيّة ما زالت تشتغل في ضيعات الورد، وتستدرك "المال الذي نحصل عليه قليل، ونضطرّ لقبوله، لأننا فقيرات، ولا موردَ ماليا آخر لنا غير هذا".

العين بصيرة واليد قصيرة

وتنطبق مقولة "العين بصيرة واليد قصيرة" على أصحاب الضيعات التي تشتغل فيها هؤلاء النسوة. يقول الصوفي، صاحب ضيعة من ستة هكتارات ومالك تعاونية لتقطير الورد، إنَّ العلاقة التي تجمعه بالعاملات اللواتي يشتغلن في ضيعته قائمة على التعاون، "فنحنُ لا نأخذ أرباحا، وما نجنيه نقوم بإعادة استثماره، وإذا قُمنا نحن الشركاء بتوزيع الأرباح فإننا سنُفْلس"، يقول المتحدث.

وإذا كان مدير الوكالة الوطنية لتنمية الواحات وشجرة أركان يفتخرُ برفْع سعر الورد من ثلاثة دراهم في تسعينيات القرن الماضي إلى ما بين 16 و20 درهما في الوقت الراهن، فإنَّ هذا السعر الذي يتحدّث عنه حافيدي لا يوجد إلا على الأوراق، أمّا واقع السوق فشيء آخر، ما دام أنّ أصحاب المعامل الكبرى هم الذين يحدّدون السعر، والذي لا يتجاوز 13 درهما، بحسب ما أفاد به صاحبُ ضيعة فلاحية.

زراعة تقليدية

وعلى الرغم من أنَّ الورد العطريّ يلقى إقبالا كبيرا، ويصل سعر اللتر الواحد من زيته المُستعمل في مواد التجميل إلى أزيد من عشرة ملايين سنتيم، إلا أنَّ زراعته وجنْيه في قلعة مكونة ما زالا تقليديين، وحتّى السقي يتمّ بطريقة تقليدية، وهو ما يقلّص من الإنتاج. وبالنسبة لضيعة الصوفي، فلا يتعدّى إنتاجها، في أحسن الأحوال، ثلاثة أطنان للهكتار الواحد، "وكايْن العام فاش كاضّربو الجّريحة كايمشي كلشي"، يقول الصوفي.

جلال أشرف، رئيس الفدرالية البيمهنية للورد العطري، قال، في كلمة في افتتاح مهرجان الورود بقلعة مكونة، إنّ تعزيز تنافسيّة قطاع إنتاج الورد على الصعيد العالمي، يقتضي رفع الزيادة الدائمة لكميّة الإنتاج، والبيع بسعر معقول، موضحا: "إذا كنا ننتج طنا واحدا في الهكتار، فليس من الصحيح أن نقول إننا نسير نحو تطوير القطاع".

رئيس الفدرالية البيمهنية لإنتاج الورد العطري أكّدَ أنّ الفدرالية تعملُ على النهوض بقطاع إنتاج الورد؛ حيث تنبني استراتيجيتها بالأساس على رفْع مدخول الفلاحين، وتعزيز تنافسيّة القطاع على الصعيد العالمي، لكنَّ الفلاحين الصغار يقولون إنَّ المستفيدَ الأكبر، إلى حدّ الآن، هم المنتجون الكبار. وقال صاحب ضيعة رفض ذكر اسمه إنّ "الفدرالية تضمّ أشخاصا لا علاقة لهم بمجال إنتاج الورد، في حين إنّ المطلوب هو أنْ تكون إطارا يضمّ الفلاحين وحدهم".