حي "معطى الله" بالعيون .. منبع توترات واحتجاجات لا تنضب

حي "معطى الله" بالعيون .. منبع توترات واحتجاجات لا تنضب

يلقب بحي الفلوجة، تيمنا بالمدينة العراقية التي اشتهرت بمواجهة أهلها للغزو الأمريكي للعراق، فيما يصفه البعض بحي الانفصاليين، على حد تعبيرهم، باعتباره "المعقل الرئيسي" للناشطين الصحراويين، أما البعض الآخر فيراه حيا سكنيا يضم المغاربة من أبناء الأقاليم الصحراوية، إلا أن المثير في هذا يبقى أن المنطقة اشتهرت بكونها نقطة محورية في انطلاق الاحتجاجات الاجتماعية التي تطورت منذ 2005، وحتى 2014، حاملة في طياتها طابعا سياسيا..مرحبا بكم في حي "معطى الله" بالعيون.

على مدخل الحي من جهة شارع السمارة، لا تخطئ العين تواجد قرابة 20 سيارة أمن من مختلف التشكيلات الأمنية، ما تزال متأثرة بضربات الحجارة على واجهاتها حين اندلاع المواجهات، والتي يتخذونها سلاحا للرد على التدخلات الأمنية، فيما ينتشر عدد من الأفراد بالزي الأمني والعسكري في مختلف أرجاء المنطقة، متوجسين بنظرات مريبة من دخول شخص غريب، لم يكشف هويته الصحافية.

وفيما كانت هسبريس تقوم بجولة استطلاعية للحي، الذي يشبه في بناياته أحياء المدن القديمة في مراكش وفاس مثلا، همس رفيق رحلتنا بالقول إن علم بعض قاطني الحي بدخول صحافي مغربي قد يعرضه لمشكلة محتملة، ليؤكد لنا ذلك بقوله إن ادعاء الانتماء إلى صحافة دولية أريح من الصفة الأولى وأنت تدخل حيا يضم منزل الناشطة الانفصالية المعروفة أميناتو حيدر.

وبالعودة إلى قوات الأمن المرابطة على مداخل الحي، عاينت هسبريس كيف أن واجهة مقر الدائرة الأمنية المستقرة وسط "معطى الله" قد أصابها التلف بسبب ما يبدو إصابات مباشرة بالحجارة؛ حتى إنه يصعب على الناظر قراءة ما كتب عليها.

أما المنازل فجميعها مسيجة الأبواب والنوافذ، كإجراء وقائي من لدن القاطنين في حالة اندلاع مواجهات بين أبناء الحي ورجال الأمن، والتي تستخدم فيها الحجارة بشكل كثيف، تنتج معه أضرار مباشرة على واجهات المنازل؛ إلى جانب التخوف من قيام السلطات باقتحام البيوت، كما حصل في أحداث احتجاجية سابقة، وثقت بتقارير رسمية وغير رسمية.

يقول نشطاء مدنيون وحقوقيون، التقت بهم هسبريس، إن الأوضاع داخل الحي تغيرت في الآونة الأخيرة، إذ تراجعت وتيرة الاحتجاجات، خاصة بعد الزيارة الملكية الأخيرة إلى العيون، التي نصبت إثرها الأعلام الوطنية على أسوار وواجهات الأحياء السكنية؛ كما ظهر التغيير بعد اعتماد مقاربة سوسيو-اقتصادية، تمثلت في توزيع عشرات المحلات التجارية على الساكنة منذ عام 2014، وهي السنة التي عرفت زيارة وصفت بـ"الاستثنائية" قام بها كل من والي جهة العيون بوجدور الساقية الحمراء، بوشعاب يحظيه، بمعية رئيس مجلس العيون آنذاك، حمدي ولد الرشيد، دون تعزيزات أمنية بمناسبة عيد العرش.

لكن، ورغم ذلك، يظل حي معطى الله، الذي ترابط به وسائل إعلام مرئية ومسموعة ومكتوبة تابعة وموالية لتنظيم جبهة البوليساريو الانفصالي، موقعا جغرافيا حساسا ومثار تخوف لدى سلطات العيون، بل وحتى سلطات الرباط، إذ إن الأحداث التي عاشتها المدينة الصحراوية خلال العقد الأخير انطلقت من هذه البقعة الصغيرة، رفعت إبانها أعلام الجبهة الانفصالية مرفوقة بشعارات مطالبة بالاستقلال عن المغرب وبتقرير مصير ساكنة الصحراء.

اتهامات بالانتهاكات

ضمن تقاريرها الدورية المرتبطة بالاحتجاجات في العيون، لا تتوانى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عن اتهام السلطات الإدارية والأمنية بما تصفه بـ"انتهاج مقاربة أمنية ضيقة"، و"التحريض المباشر في التعاطي مع الحركات الاحتجاجية والمظاهرات والمسيرات السلمية" التي تشهدها مدن الصحراء، وخاصة العيون، في إطار التفاعل مع مستجدات ملف النزاع حول الصحراء.

وتقول تقارير الجمعية إن السلطات تعتمد تنفيذ "حملة الاختطافات والاعتقالات التعسفية وغير القانونية"، والتي "تقع ضمن خانة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان"، وفق تعبيرها، معتبرة أن تلك الإجراءات الأمنية تأتي "كإجراء عقابي انتقامي للحد من الحركية الاحتجاجية التي تشهدها منطقة الصحراء، والمرتبطة بتطورات النزاع حول الصحراء".

في مقابل ذلك، توصي هيئات حقوقية، بما فيها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، بالعمل على فتح تحقيق نزيه ومحايد لتحديد الأسباب الحقيقية لما يجري من أحداث متكررة، وتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات، إلى جانب "الإسراع بتصفية الأجواء" بالإفراج عمن تصفهم بـ"الصحراويين السياسيين ومعتقلي الرأي"، إلى جانب "البحث عن آليات لبعث جو من الثقة والاحترام بين الساكنة والمؤسسات غير الحكومية من جهة، والسلطات من جهة أخرى..وبعث جو من الحوار لإيجاد الحلول للمشاكل المطروحة".

أعنف حدث في العيون

بعيدا عن حي معطى الله، وبمسافة تبعد عن مركز العيون بحوالي 20 كلم على مستوى الطريق المؤدية إلى مدينة السمارة، تقع منطقة اكديم ازيك الخالية من الناس والحجر والشجر، ماعدا بقايا الحجارة والطوب التي استعملها المعتصمون في أكتوبر 2010 لبناء مخيمهم الاحتجاجي، الذي انطلق سلميا بمطالب اجتماعية، قبل أن يتحول إلى كارثة إنسانية إثر صراعات سياسية داخلية أدت إلى اشتعال مواجهات مع قوات الأمن وأسفرت عن وقوع حوالي 11 قتيلا و70 جريحا في صفوف الأمنيين وعناصر الوقاية المدنية.