سجينات معتقل "عكاشة".. وجوه باسمة تخفي قصصا مأساوية

سجينات معتقل "عكاشة".. وجوه باسمة تخفي قصصا مأساوية

هن نسوة من فئات ومراحل عمرية مختلفة ومستويات تعليمية متفاوتة، إلا أن ما يجمعهن هي أسوار مكان واحد. إنه سجن عكاشة، أكبر السجون المغربية. هنا توجد، حاليا، حوالي 377 امرأة، لكل منهن قصتها، بداية ممن قتلت زوجها في لحظة غضب، مرورا بمن أطلّت من الشرفة فتم اقتيادها إلى مركز الشرطة بتهمة قالت إنها "ملفقة"، وصولا إلى أخريات روجن المخدرات أو نظمن عصابات للسرقة.

قتلت زوجها وحرمت من أبنائها

وأنت تتجول في عنبر النساء بسجن عكاشة، قد تنخدع، للوهلة الأولى، بابتسامات السجينات، لكنهن تخفين قصصا بعضها مأساوي، مثل تلك التي ترويها مريم، 31 سنة، والتي في لحظة انفعال قتلت زوجها لتيتم أبناءها الأربعة وتخسر أسرتها.

تحكي مريم قصتها لهسبريس وهي تحبس دموعها، قائلة: "كان يخونني ويعتدي علي، يأتي بصديقاته إلى البيت أمام عيني وبحضوري ويمنعني من الخروج أو القيام بأي شيء، اسودت الدنيا في عيني فقتلته".

رفضت مريم الإفصاح عن طريقة قتلها لزوجها بمبرر أنه تحاول أن تنسى، وهي الآن محكوم عليها بثلاثين سنة، قضت منها خمس سنوات. طيلة هذه المدة لم تنعم ولو بنظرة واحدة إلى أبنائها الذين هم في كفالة عائلة أبيهم، ولدان وفتاتان، أكبرهم عمره 15 سنة وأصغرهم في الخامسة.

توجه مريم، ذات الشعر البني والبشرة الفاتحة والملامح الجميلة التي أذبلتها سنوات السجن، رسالة إلى كل النساء، وقد انهمرت الدموع من عينيها بعد أن حاولت جاهدة إخفاءها: "لا تتركن الرجال يستقوين عليكن أو أي شخص كيفما كان نوعه، أعطين لأنفسكن قيمة ولا تطأطئن رؤوسكن، فحينما تقمن بذلك يحاول الجميع الاستقواء عليكن"، مردفة: "أتمنى أن لا يتكرر ما قمت به مع نساء أخريات"، مضيفة: "نحن أناس من دم ولحم ولدينا إحساس. زوجي كان يعتقد أنني مجرد حجر لا يملك أي إحساس، ويظن أنني سأظل صابرة إلى أبد الآبدين".

حكاية تشبه المسلسلات

قصة "بشرى. ق" مختلفة تماما عن حكاية مريم، فهذه السيدة ذات البشرة السمراء، والملابس التي توحي بأنها من طبقة ميسورة، متهمة بالتسبب في شلل نصفي لشخص لم يسبق أن قابلته يوما في حياتها، أمضت، إلى حد الساعة، سنة حبسا ولم يحكم في قضيتها بعد.

لهسبريس، تروي بشرى قصتها التي تشبه إلى حد ما رواية خيالية، فتقول إنها، وفي يوم عطلة، استفزها ضجيج أطفال كانوا في رحلة مدرسية إلى عين الذئاب حيث تقطن، فأطلت من شرفتها لتعرف مصدر الأصوات.

وبينما هي تطل من شرفة بيتها الذي يقع بعمارة جديدة غير مكتملة السكان، رأت زجاجة تصيب رأس أستاذ مرافق للتلاميذ، تسببت له في شلل نصفي، وحينما رفعت أستاذة ثانية رأسها لترى مصدر الزجاجة لم تجد غير بشرى تطل من الشرفة، فاتهمتها بكونها الفاعلة.

بصوت مرتفع وبانفعال كبير، تواصل بشرى رواية قصتها فتقول: "نظرت الأستاذة إلي وبدأت تصرخ (قفرتيها قفرتيها) وهو ما دفعني إلى الخروج والسؤال عن سبب ما تقوله، وحين قدوم الشرطة، بقيادة ضابط الشرطة ع.ع، لم يفحص البصمات من على بقايا الزجاجة، واعتمد فقط على أقوال الأستاذة ليعتبر أنني المتهمة الرئيسية في القضية". مؤكدة أنها حينما طلبت منه أن يأخذ بصمات الزجاجة أجابها بالقول: "هل تعتقدين أنك بالولايات المتحدة".

وزادت بشرى التي تركت ابنتها الصغيرة وحيدة خارج السجن: "الضابط اصطحب الجميع إلى مركز الشرطة وسأل جل التلاميذ ما إذا كان أحدهم رآني وأنا أقذف بالزجاجة، فكانت إجاباتهم جميعا بالنفي، إلا أنه كتب في المحضر أنه لم يجد أداة الجريمة، وبأن هناك شكوكا حول كوني الفاعلة".

قصة بشرى لم تقف عند هذا الحد، فلحسن حظها أن أحد الأطفال المشاركين في الرحلة كان يصور بواسطة هاتف محمول ووثق لحظة إصابة الأستاذ، وهو الفيديو الذي حملته أخت بشرى القاطنة بأمريكا لتقوم بتمحيصه لدى خبير أمريكي أصدر شهادة تفيد بأن الزجاجة قادمة من مكان ثان غير الذي توجد به شقة بشرى.

ما تزال أطوار القضية مستمرة، إلا أن بشرى تنوي مقاضاة ضابط الشرطة "ع.ع" بسبب "خطأ مهني وتزويره في المحضر بالقول إنه لم يجد أداة الجريمة"، مضيفة بصوت مخنوق وانفعال شديد: "أنا الآن أتقاضى عقوبة شخص لن يتم الإمساك به على الإطلاق، لأن الشرطة لم تقم بالتحريات كما هو لازم"، حسب تعبيرها.

السجن "يربي" أيضا

وفي الوقت الذي قد يعتبر فيه البعض أن السجن يعيد إنتاج أشخاص أكثر إجراما، فالحال مختلف بالنسبة لنوال التي دخلته تاجرة في الأقراص المهلوسة معترفة بجريمتها، لتنوي البحث عن عمل شريف بعد مغادرة أسواره، "الله أراد أن أسجن لأتبع المسار الصحيح، هنا أديت أول صلاة في حياتي وتقربت إلى الله، وعدت إلى جادة الصواب".

نوال وحين اعتقالها كانت حاملا بطريقة غير شرعية، فأنجبت ابنها بالسجن، ويمضي معها مدة عقوبتها، إذ يتوفر بـ"عكاشة" جناح خاص بالأمهات، يوجد به، حاليا، 18 طفلا، ثلاثة منهم وصلوا سن التمدرس تحرص مديرة المؤسسة السجنية على أن يتوجهوا إلى مدارسهم ويعودون بعدها إلى أمهاتهم، مثلهم مثل باقي الأطفال خارج السجن.

حمل نوال غير الشرعي تسبب لها في مشاكل مع عائلتها التي لم تكن على علم بذلك، إلا أن مديرة سجن عكاشة، التي تناديها السجينة، كالكثيرات، بـ"ماما حادة"، تدخلت لتصلح ذات البين وتقنعهم بتقبل الابن، إضافة إلى وساطة مؤسسة محمد السادس للرعاية اللاحقة.

تقول نوال إنها دخلت السجن وهي مدانة بست سنوات، تقلصت بعد الاستئناف إلى ثلاث سنوات، خفضت في ذكرى المسيرة الخضراء إلى سنتين، قضتهما في تربية ابنها، وحصلت خلالهما على شهادتين؛ الأولى في مجال الخبازة والثانية في خدمة الطوابق، وهي الآن تستعد لمغادرة "عكاشة" بعد شهر تقريبا.

وأشارت المتحدثة إلى أنها سجلت نفسها هذا العام لاجتياز امتحانات الباكالوريا حرة، بإقناع من مديرة السجن، موضحة أنها ستعود إليه في نهاية السنة الدراسية لتمتحن من هناك.

السجن والأمومة كانا عاملين أساسيين في تغيير نظرة نوال إلى الحياة، إذ تحولت من متاجرة في الأقراص المهلوسة إلى أم تطمح إلى تربية ابنها بشكل "شريف"، "كنت أتبع مسارا خاطئا من قبل، إلا أن السجن والأمومة غيراني، هنا ربيت ابني وأنا أيضا بدأت أتربى من جديد".

نوال التي لم تتجاوز العشرينيات بعد، ذات الشعر الأسود الداكن والملامح البريئة، متخوفة من مغادرتها للسجن، بحيث "أشعر بالخوف من العالم الخارجي، دخلت لوحدي وسأخرج رفقة ابني، أخاف من نظرة المجتمع الذي لا يرحم ومن رد فعل إخوتي والجيران"، مشيرة إلى أن مؤسسة محمد السادس للرعاية اللاحقة قدمت لها وعدا بمساعدتها على الحصول على عمل، مردفة: "أريد أن أحصل على عمل شريف وأربي ابني بمال حلال وأن لا أعود إلى السجن"، تتمنى نوال.