جيران مقالع "الذهب الأبيض" بخريبكة يعيشون أوضاعا سوداء

جيران مقالع "الذهب الأبيض" بخريبكة يعيشون أوضاعا سوداء

عُرفت مدينة خريبكة، والمناطق المجاورة لها، منذ زمن بعيد، ولا زالت، بتوفّر باطن أراضيها الشاسعة على ثروة منجمية مهمة، تتمثل في المخزون الكبير من مادة الفوسفاط، أو ما يُعرف لدى الاقتصاديين بـ"الذهب الأبيض"، الذي منح المدينة لقب "عاصمة الفوسفاط"، وبوّأها مكانة مهمة ضمن المناطق الصناعية الكبرى على الصعيد الوطني.

وبقدر ما يحاول المكتب الشريف للفوسفاط، بصفته المؤسسة المسؤولة عن استخراج وإنتاج وبيع الفوسفاط ومشتقاته، المساهمة المادية والمعنوية في التنمية المحلية بمختلف مجالاتها الثقافية والاجتماعية والرياضية والفنية والصحية...، تُوجّهُ للمؤسسة ذاتها انتقادات لاذعة من طرف السكّان القريبين من مقالع الفوسفاط، خاصة الدواوير الواقعة بتراب الجماعات القروية منها المفاسيس والفقراء وأولاد عزوز، وباقي القرى المنجمية المحاذية لمدينة خريبكة، ومنها بولنوار وحطان وبوجنيبة.

تراكم المشاكل

في الوقت الذي أعلنت مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط تسطير عدة برامج، محليا وإقليميا وجهويا ووطنيا، لفائدة سكان المنطقة عموما، والمتضررين من أشغالها ومخلفاتها بشكل خاص، تتعالى، بين الفينة والأخرى، أصوات سكان جماعة المفاسيس، للتعبير عن المعاناة التي يعيشونها منذ سنوات، متهمين مجموعة OCP، باعتبارها واحدة من الشركات الرائدة على المستوى العالمي في سوق الفوسفاط، والتي يصل نشاطها إلى القارات الخمس، بالتقصير الكبير في حق الساكنة ماديا ومعنويا.

وفي لقاء لهسبريس مع بعض ساكنة الدواوير التابعة للجماعة القروية المفاسيس، القصيّة عن مدينة خريبكة بـ10 كيلومترات، عبر الطريق الوطنية رقم 11، في اتجاه مدينة الفقيه بن صالح، استعرضوا مجموعة من المشاكل المرتبطة بمقالع الفوسفاط وأحواضها المائية، كاستعمال المتفجرات وما يتسبب فيه من تشقق وانهيار مبانيهم، إضافة إلى تضرر المواشي، وضياع الموارد المائية.

محمد الدجلي، أحد سكان دوار أولاد حماد الطاهر، جماعة المفاسيس بإقليم خريبكة، لخّص معاناة قاطني الدوّار، في تصريح لهسبريس، بالتأكيد على أنهم "تضرروا من الغبار المحمّل بالمواد الفوسفاطية، وما أسفر عنه من تلوث الماء والهواء وتسمم المواشي، إضافة إلى تسبب المتفجرات المستعملة في استخراج المواد الباطنية في تشقق أغلب المساكن، وانهيار بعضها بشكل تام"، مشيرا إلى أنهم كلما حاولوا التعبير عن استيائهم من الوضع تلقوا الجواب: "سيروا ديرو شغلكم".

تعويض هزيل

بموازاة مع مطالبة المكتب الشريف للفوسفاط بإصلاح المباني المتضررة، أوضح الطاهر زهيري، الذي يقطن بالدوار ذاته، أن "OCP لا يرغب في تعويض المعنيين بما يعادل حجم الضرر"، قائلا: "أساوَم شخصيا بـ20 مليون سنتيم فقط كتعويض عن منزلي المنهار".

المتحدث ذاته أضاف أنه فقدَ في السنة الماضية 6 هكتارات من المزروعات، وتلقى وعودا من المكتب الشريف للفوسفاط بالحصول على تعويض عن الخسارة، "إلا أن تماطلا كبيرا عرفه الملف، بمبررات عديدة، بعضها مرتبط بالعُطل التي يستفيد منها المسؤولون، وأخرى تفيد بأن المتضررين حصلوا على التعويض الخاص بالأراضي"، مطالبا بضرورة إيجاد حل للغبار الذي أفسد الزرع، وأثر سلبا على حياة السكان، "خاصة أن المجمع يرفض تشغيل أبناء المنطقة، كمبادرة رمزية لجبر الضرر"، وفق المتحدث.

وأشار الطاهر إلى أن المواشي تنفق تِباعا، رغم الأدوية التي يتحمل الفلاحون ثمنها الباهظ، في ظل الجفاف الذي يطبع الموسم الفلاحي الحالي، والحصار الذي يضربه المجمع على مناطق الرعي، مضيفا في تصريحه لهسبريس: "الغُبار قهرنا، والمجمع الشريف للفوسفاط لا يجري أي محاولات للتخفيف من انبعاثه من المقالع، إذ يتساقط على المنازل بالليل والنهار، ولا سبيل للمتضررين إلا الصبر على ما يصيبهم"، خاتما كلامه بالمطالبة بمنزل يعيش فيه ما تبقى من عمره بعيدا عن هذه المعاناة.

أما محمد زهيري، القاطن بدوره بدوار أولاد حماد الطاهر، فأوضح أن "سكان القرية يعانون من الجوع، كما أن مرض السيليكوز قضى على عدد منهم، في حين حاصرت مقالع الفوسفاط المنطقة من جميع الاتجاهات، وتضررت مياه الآبار بشكل كبير، بينما عرض المجمع تعويضا بقيمة تتراوح بين 12 و14 مليون سنتيم عن المنازل التي يفوق ثمنها 30 مليون سنتيم، لكن البعض أجبروا على قبول التعويض، بسبب قلة ذات اليد"، وفق تعبير زهيري، الذي وصف الوضع الذي يعيشه سكان المنطقة بـ"الكارثي".

وغير بعيد عن التجمع السكني ذاته، أنشأ المجمع الشريف للفوسفاط أحواضا كبيرة لتجميع المياه المستعملة في غسل ومعالجة الفوسفاط، قال عنها أحمد رقبي، وهو من سكان المنطقة: "OCP استغل مساحة الأحواض بحجة المنفعة العامة، المتمثلة في استخراج الفوسفاط، غير أنه استعملها في التخلص من المياه الملوثة، وأحاطها بأكوام من الأتربة لمنع المياه من الوصول إلى التجمعات السكنية، غير أن الوضع يوحي بعكس ذلك"، وفق المتحدث.

وأوضح رقبي أن المواد المستعملة في غسل الفوسفاط، والمتجمعة في الأحواض المائية الكبيرة، تتسرب إلى الفرشة المائية، ما أسفر عن تلوّث مياه أغلب الآبار، وحرمان فئة عريضة من السكان من المياه، مضيفا أن هذه الأحواض الممتدة على مساحات شاسعة تساهم، خلال الفترات الصيفية، في انتشار البعوض والذباب والضفادع، إضافة إلى الروائح الكريهة التي تقلق راحة السكان، واصفا المنطقة بـ"الأغنى في المغرب بثروتها، والأفقر بوضع سكانها".

المتحدث ذاته أكّد أن عددا من السكان أجروا تحاليل مخبرية على مياه آبارهم، فاكتشفوا أنها لم تعد صالحة للشرب، في الوقت الذي يضطر آخرون، نظرا لغياب البديل، لشرب الماء الملوث، غير آبهين بإمكانية إصابتهم بالأمراض، مشيرا في هذا الصدد إلى أن عددا من الحيوانات، خاصة الكلاب والأغنام، أصيبت بتشوهات وأمراض أدت إلى نفوقها، مستدركا بأن الجهات المعنية عازمة على جلب الماء الصالح للشرب على بُعد 27 كيلومترا، غير أن الوضعية المادية للسكان لا تسمح لهم بأداء مستحقات الاستهلاك.

تلوث وسيليكوز..ومطرح نفايات

وبعدما أكّد أحمد رقيبي، القاطن بدوار أولاد محمد بن قاسم، جماعة المفاسيس، أن مرض الربو والسيليكوز ينتشران بشكل مقلق في المنطقة، وأن السكان تضرروا بفعل التلوث الناتج عن الفوسفاط، استنكر "إقدام المكتب الشريف للفوسفاط على منح 48 هكتارا من الأراضي البعيدة عن منزله بعشرة أمتار لـ35 جماعة محلية، لتحويلها إلى مطرح للنفايات".

وفيما أشار رقيبي إلى أن المطلوب هو تشغيل أبناء المنطقة في OCP عوض توفير فرص الشغل بمطرح للأزبال، أوضح أن "المجمع انتزع الأراضي لاستغلالها وإرجاعها إلى أصحابها في ما بعد، غير أنه فضل منحها للجماعات لكي تتخلص فيها من نفاياتها على حساب سكان متضررين أصلا من مخلفات الفوسفاط، دون أن يحصلوا على تعويضات عن ذلك"، مطالبا بتدخل ملكي بالقول: "إن لم ينصفنا ملك البلاد فلا منصف لنا، وذلك بعدما فقدنا الثقة في الحكومات التي توالت دون أن تلتفت للمتضررين من الفوسفاط".

أما محمد راكيب، أحد ساكنة دوار أولاد محمد بن قاسم، فأشار في تصريح لهسبريس إلى أن والده "توفّي إثر إصابته بمرض السيليكوز الناتج عن الفوسفاط"، مستغربا إقدام الجهات المعنية على إضافة مشكل جديد بالمنطقة، متمثل في "إنشاء مطرح للنفايات على بعد حوالي سبعة أمتار من المنازل، دون أدنى تعويض أو دعم لفائدة المتضررين من هذا المشروع الجديد"، على حد تعبيره.

وأشار رقيبي إلى أن "الإهمال طال المدرسة الوحيدة بالدوار، حيث عجز المسؤولون عن نصب علم وطني لائقٍ، دون الحديث عن حالة مرافقها، كما أن أستاذة واحدة تُدرّس متعلمي جميع المستويات. ونظرا لقرب المؤسسة التعليمية ذاتها من مقالع الفوسفاط، فإن استعمال المتفجرات يثير هلع الأطفال من جهة، ويشوش على العملية التعلمية من جهة ثانية، كما يتسبب في أضرار على مستوى البنية التحتية للمؤسسة".

وأجرت هسبريس محاولات، طيلة الأسبوع الماضي، لربط الاتصال بإدارة المجمع الشريف للفوسفاط، في شخص مديرها المحلي بخريبكة، غير أن الهاتف الثابت للإدارة بسيدي شنّان ظلّ يرن دون مجيب، فيما باءت محاولات أخرى لاستقاء رأي مسؤولي OCP حول أوضاع الدواوير المتاخمة لمقالع الفوسفاط بالفشل.