السموم الفطرية.. القاتل الصامت الذي يتجوّل في الأغذية بالمغرب

السموم الفطرية.. القاتل الصامت الذي يتجوّل في الأغذية بالمغرب

يشهد المغرب سنويًا حالات إصابة بالسرطان تصل إلى 30 ألف حالة حسب إحصائيات رسمية من مؤسسة للا سلمى للوقاية وعلاج داء السرطان، بينما ترفعه مصادر أخرى إلى 50 ألف حالة، وقد قَتل هذا المرض العام الماضي 22900 مغربيً وفق أرقام منظمة الصحة العالمية. تتعدد أنواع السرطان من الثدي والمعدة والقولون والكبد والجهاز التنفسي وغيرها، كما قد تتعدّد الأسباب من تدخين وتعرَّض لأشعة خطيرة وعوامل وراثية و.. تغذية، حتى منها ما نظنه سليمًا.

كثيرًا ما قيل إنّ صحة الإنسان توجد فيما يتناوله، لكن كثيرًا ما كان موت الإنسان يكمن فيما يُقبل عليه من مأكولات ومشروبات، إذ تؤكد عدد من الأبحاث وجود ارتباط بين حالات كثيرة من الإصابة بالسرطان وبين سلوكياتنا الغذائية. لكن أحيانًا، قد يتتبع الواحد منا كل أنواع النصائح التي تجعله يتجنب بعض المأكولات السرطانية، دون أن يعلم أن هناك موادًا "صحية" نستهلكها بكثرة، تُخفي داخلها مكوّنات سرطانية نشأت عن طريق ظروف تخزين ونقل غير صحية.

الوكالة الدولية لأبحاث السرطان أكدت أن هناك سمًا فطريًا يوجد في المواد الغذائية التي لا تحترم شروط النقل والحفظ، يسمى "الأفلاتوكسين"، هو المسبّب الأوّل للكثير من أنواع مرض السرطان عند الإنسان، ممّا حذا بالكثير من البلدان إلى محاربته، خاصة وأنه حاضر في 25% من المنتجات الغذائية عبر العالم، وفق تأكيدات منظمة الفاو.

أما في المغرب، فالملاحظة الأساسية التي تسترعي الانتباه، هي عدم وجود أيّ نص تنظيمي يحدّد الحد الأدنى من مثل هذه السموم في المواد الغذائية، ممّا يثير الكثير من الشكوك حول إمكانية استحواذ السموم الفطرية على نسبة مهمة من خارطة المصابين بهذا المرض القاتل في المغرب، وإمكانية تناول المغاربة يوميًا لسموم فطرية، تُجهز رويدًا رويدًت على صحتهم.

السم الذي ينمو ببطء

السموم الفطرية هي مواد سامة تُنتجها بعض الأنواع من الفطريات في المواد الغذائية من قبيل الحبوب والأعلاف المرّكبة تحت ظروف معيّنة، يمكن أن تسبّب الموت مباشرة بعد تناولها، وهي حالة نادرة عند الإنسان، ويمكن أن ينمو خطرها سنة بعد سنة إلى أن يكتشف الإنسان أنه مصاب بالسرطان ذات يوم، وهي الحالة الشائعة. الأسباب الأساسية في تكوّن هذه المواد السامة تبقى هي ظروف النقل والتخزين، إذ تُنقل الحبوب في معدات غير صالحة لنقلها، أو تخزّن في أماكن مرتفعة الرطوبة. لذلك تعمد الدول إلى إتلاف المواد الغذائية التي تحتوي نسبة كبيرة من هذه السموم، بما أن وجود مادة غذائية لا تتضمن سمومًا فطرية، يعد أمرًا شبه مستحيل.

عام 1994 أرسلت الولايات المتحدة باخرة محملة بالذرة إلى البرتغال، غير أن البلد رفض استقبالها بعدما وجد أن معدل السموم فيها مرتفع بما أن الكثير من الدول تضع حدًا معينًا لنسبة السموم في المواد الغذائية الأولية التي يتم استيرادها من الخارج، اتجهت السفينة بعد ذلك إلى المغرب، حيث استُقبلت دون أيّ مشكل، ليستهلك المغاربة منتجات لحيوانات تناولت ذرة تحتوي على نسبة غير مقبولة من السموم الفطرية. القول هنا لأفراد من الجمعية المغربية لعلم السموم الفطرية، متحدثين أن تخزين الذرة في الولايات المتحدة قد يصل إلى عشر سنوات، ممّا يجعل هذه المنتجات مليئة بالسموم.

حسب تأكيدات الجمعية المذكورة، فإن هناك سببًا ثالثًا لتكوّن هذه السموم، هو ارتفاع الرطوبة في الحقول إثر تساقط الأمطار على محاصيل القمح إبّان فترات ارتفاع درجة الحرارة، وهو ما وقع بالمغرب قبل سنتين، غير أنها حالة تبقى قليلة الحدوث، إذ إن الاشتباه الأكبر في وجود هذه السموم يعود إلى السببين الأولين، زيادة على سبب رابع يبقى خاصًا بالمغرب، وهو انتشار ظاهرة "الخبز الكارم" الذي يقدم لتغذية الدواجن والحيوانات، إذ إن هذا الخبز يتشبع بالفطريات السامة، ومع ذلك يُعطى للحيوان، ممّا يؤثر على جهازه الصحي.

خطر يترّبص بأكلنا اليومي

يؤكد البروفيسور عبد الغفور الطنطاوي العراقي، من الجمعية المغربية لعلم سموم الفطريات، أن استهلاك كميات ضئيلة من هذه الملوّثات الكيماوية لمدة زمنية واسعة يتسبب في القصور الكلوي، والعقم، والإصابة بسرطان الكبد، وسرطان المريء، وسرطان الكلي. والخطير أن المستهلك لا يستشعر أيّ خطر آني عندما يتناول هذه السموم التي تنتشر في مواد نباتية ومواد من أصل حيواني".

الشعير والذرة والقطاني والفواكه الجافة والشريحة والزيتون.. كلها مواد غذائية معرّضة لهذه السموم بسبب النقل والتخزين وقلة المختبرات المغربية القادرة على كشف هذه السموم. كما أن تناول الحيوانات والدواجن لأعلاف مرّكبة لم يتم التأكد من سلامة مكوّناتها، يجعل هذه السموم تسري في دمائها، ممّا يتسبّب في تسمم بعض المواد الغذائية من أصل حيواني التي يتناولها المواطن يوميًا، ومن ذلك البيض والحليب وأحيانًا اللحم" يقول عبد الغفور الطنطاوي.

يؤكد الدكتور بوعزة الخراطي، من الجمعية المغربية لحماية وتوجيه المستهلك، أن طبيعة الطقس الحار في المغرب وعدم احترام شروط التخزين والنقل في معدات غير صالحة، كلها عوامل تجعل تلوث المواد الغذائية أمرًا واردًا، معتبرًا أن أخطر ما في السموم الفطرية، هو أن التبريد عند الحفظ أو درجة الحرارة عند الطهي لا يقضيان عليها، مشيرًا إلى أن الجامعة أثارت انتباه المسؤولين إلى خطورة هذه الظاهرة أكثر من مرة، إلّا أن الوصول إلى قانون يشدّد المراقبة على مستويات الملوثات الكيماوية بالمغرب، لم يخرج إلى العلن بعد.

البروفيسور عبد الله زين الدين، أستاذ علم الأحياء بكلية العلوم بالجديدة، يؤكد أن هذه السموم يمكن أن تمسّ عدة منتجات نتناولها بشكل يومي، منها الخبز، والقهوة، والتوابل، زيادة على الحليب ومشتقاته، كما أن خطورتها لا تتوقف في الجانب الصحي، بل تصل إلى ما هو مادي، إذ تصل نسبة الخسائر المادية في الولايات المتحدة بسبب تلوث المواد الأولية إلى خمسة مليارات دولار.

دراسات تؤكد وجود السم بالمغرب

أكدت جمعية علم السموم الفطرية أنها اكتشفت وجود نسبة عالية من هذه السموم عبر تحليلات قام بها خبراء على مواد غذائية تباع بالمغرب، خاصة فيما يتعلّق بمواد تباع بشكل غير مهيكل كالشريحة والزيتون، وما يزيد من نسبة الخطر وفق ما يؤكده بوعزة الخراطي، هو وجود مختبر وحيد للكشف عن هذه السموم في الدار البيضاء لوحدها، بينما من المفترض أن يتم إنشاء مختبرات أخرى في كافة الموانئ المغربية، فضلًا عن غياب مراقبة ظروف تخزين الفلاحين لمنتجاتهم.

دراسات قام بها عبد الله زين الدين، مع مؤسسات أوروبية، أظهرت أن "الأفلاتوكسين"، أخطر أنواع السموم الفطرية، يوجد في أزيد من 80 % من الحليب المبستر الذي يسوّق بالمغرب، والسبب هو وجود هذا السم في الأعلاف المرّكبة التي تتناولها الأبقار، كما بيّنت كيف أن الخبز الذي يباع بالكثير من المخابز المغربية، يحتوي على نسبة كبيرة من "الأكراتوكسين"، وهو نوع آخر خطير من السموم الفطرية، بسبب عدم قدرة نيران الفرن على إزالته، وهناك دراسة أخرى أكدت كيف أن الكسكس والعجائن التي تباع بالمغرب تحتوي على نسب خطيرة من هذه السموم (دراسة في طور النشر)، والخطر ذاته ينطبق على 68% من عينات أخذت لحبوب القمح بالمغرب، بل يصل الخطر إلى بعض المنتجات الغذائية الخاصة بالأطفال الرضع، فضلًا عن دراسة أخرى أشارت إلى 30% من لحوم الدواجن تحتوي بدورها على هذه السموم.

قانون غير موجود

منظمات عالمية كثيرة تطلب من جميع الدول تحديد نسب الملوثات الكيماوية التي لا يجب تعديها بما أنها تمثل خطرًا على صحة الإنسان. في الولايات المتحدة الأمريكية، البلد الذي يصدّر أطنانًا من المواد الأولية المليئة بالسموم الفطرية، هناك قانون وطني لا يسمح باستيراد مواد غذائية تتضمن مستويات معيّنة من الملوثات، بل إن بلاد أوباما، تجعل من قانونها سلاحًا سياسيًا تمنع بموجبه استقبال بعض المواد القادمة من دول لا تبادلها الود، إذ كثيرًا ما يتم منع الفستق الإيراني من الدخول إلى أراضيها بمبرّر احتوائه على سموم فطرية، حتى ولو كان مستواها غير خطير.

بينما في المغرب، أصدر الدولة المكتب الوطني للسلامة الغذائية "ONSSA" عام 2011 ، أي سنة بعد إنشائه، قانون 28.07، وهو القانون الذي يشير في أحد بنوده إلى ضرورة إصدار نص تنظيمي يحدد شروط "مستويات الملوثات الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية" لأجل صحة وسلامة المنتجات الأولية والمنتجات الغذائية والمواد المعدة لتغذية الحيوانات، غير أنه لحد الآن، لم يعرف المغرب إصدار هذا النص التنظيمي، ممّا يعني إمكانية استقبال المغرب لمواد غذائية من الخارج أو إمكانية بيع مواد غذائية داخل المغرب تتوّفر على كميات عالية من السموم الفطرية.

تؤكد لنا مصادر من الجمعية المغربية لعلم السموم الفطرية أن هناك لوبيات لا ترغب بإخراج قانون يراقب المواد الأوّلية ونسبة الملوثات التي تحتويها، ويدفع نحو إصدار نص تنظيمي يراقب فقط الأعلاف المرّكبة التي يبيعها، بما أنه يقوم بخلط المواد الأولية التي تحتوي على نسبة سموم عالية مع مواد غير متسممة، ممّا يتيح تخفيض نسبة السموم في الأعلاف المركبة، زيادة على عدم وجود قانون مغربي يزجر بائعي الخبز الكارم، رغم اعتراف الجميع بخطره الكبير على الحيوانات والإنسان.

يتفق بوعزة الخراطي مع فكرة وجود لوبيات تمنع إصدار هذا النص التنظيمي الذي يحدد نسبة الملوّثات الكيماوية، وهو ما ينسحب على مجموعة من القوانين التي تحمي صحة المستهلك: "لم يصدر النص التنظيمي الخاص بقانون صادر عام 1977 يتعلّق بمراقبة المنتجات من أصل حيواني إلّا عام 1999، وقانون حماية المستهلك أخذ 11 سنة من أجل إصداره"، يقول الخراطي، مضيفًا أن هناك الكثير من القوانين الأخرى التي لم تخرج نصوصها التنظيمية بعد، منها مثلًا ما يخصّ المبيدات.

ويعترف المكتب الوطني للسلامة الغذائية بأن قرار تحديد مستويات الملوّثات لم يصدر بعد، نظرًا لصعوبة هذا التحديد، وهو ما جعل المغرب يطلب خبرة من الاتحاد الأوروبي لمساعدة المكتب في اعتماد مقاربة علمية، مشيرًا في حديث لهسبريس إلى أنه استفاد من خبراء قاموا بهذه المهمة شهر ماي 2015، وأن مشروع قرار وزاري بين وزارة الفلاحة ووزارة الصحة يوجد في طور المشاورة مع المهنيين والقطاعات المعنية.

شركات الإعلاف تدافع عن نفسها

ينزّه نور الدين كريم، رئيس جمعية مصنعي الأعلاف المركبة AFAC، شركات الأعلاف عن تساهلها في تسويق مواد تحتوي على هذه السموم: "من مصلحتنا أن تكون المواد الأولية خالية من الملوثات لأن ذلك يجعل أعلافنا جيدة"، قبل أن ينتقد خبراء السموم الفطرية:" جميعهم يتحدثون عن أن الأعلاف المركبة التي تتناولها الحيوانات تسبّب السرطان للإنسان، لكن لا يوجد أيّ بحث ميداني أو دراسة تؤكد ذلك، كل هذه تخمينات غير صحيحة، وإذا كان لديهم شك، فلم لا يقومون بدراسات يكشفون لنا من خلالها وجود نسب عالية من السموم الفطرية في أعلاف شركاتنا؟ وعلاقة ذلك بأمراض السرطان؟".

ويضيف كريم أن الحبوب التي يستوردها المغرب لا تحتوي على نسب خطيرة من هذه الملوثات، غير أن ظروف التخزين هي ما قد ينمي هذه السموم على حد تعبيره، متحدثًا أن زبناء شركات الأعلاف المغربية لم يسبق لهم أن اشتكوا من وجود مواد سامة تؤثر على الحيوانات، بما أن القانون المغربي يحتّم على هذه الشركات اتباع طرف خاصة في الحماية، تضمن سلامة ما يتم إنتاجه. كلام يرّد عليه الخبراء بأن المختبر الوحيد الكشف عن السموم الفطرية غير متاح للجميع، كما أن ظهور أعراض المرض على الحيوان الذي يتناول أعلافًا "سامة"، يأخذ الكثير من الوقت، وكثيرًا ما يُذبح قبل اكتشاف ذلك.

أي مجهود لمحاربة السموم الفطرية؟

ينفي ONSSA استيراد المغرب لمواد غذائية غير سليمة، إذ يقول في ردّ على أسئلة هسبريس إنه يُخضع كل المواد الغذائية المستوردة لاختبارات مخبرية لغرض التأكد من "مطابقتها للمعايير المكروبيولوجية والكميائية ومستويات التلوّث خصوصًا التوكسينات والافلاتوكسينات، زيادة على ضرورة أن تكون هذه المواد مصحوبة بوثائق صحية تشهد على سلامتها ومطابقتها"، متحدثًا أنه يسهر على استيفاء كل المواد المستوردة أو المنتجة محليًا طبقًا لشروط خاصة تحدد قائمة المواد غير المرغوب فيها ونسبها القصوى في تغذية الحيوانات.

غير أن عبد الله زين الدين يرّد على المكتب بالقول: "المغرب لا يقوم بفحص تلقائي لكل المواد التي يستوردها، وذلك بسبب غلاء تكاليف التحليل ووجود مختبر واحد، كما إن الوثائق الصحية التي تطلبها السلطات المغربية، تبقى مجرّد إجراء إداري دون التدقيق فيها، إذ لا تحمل هذه الوثائق أيّ قيمة علمية".

وفيما يخصّ المنتجات التقليدية التي يقبل عليها المغاربة، والتي لا تحترم شروط التخزين والنقل، فقد أشار المكتب إلى أن مصالحه تقوم بمراقبة كل المواد الغذائية المعروضة للبيع في الأسواق وأحيانًا أخذ عيّنات قصد التحليل المختبري للتأكد من مطابقتها القانونية، مشيرًا إلى مصالحه أتلفت عام 2014 حوالي 854 لترًا من زيت الزيتون و161 طنًا من الفواكه الجافة غير الصالحة لللاستهلاك، كما أحالت 43 ملفًا على المحاكم المختصة، مبرزًا أن أعوان المراقبة، أنجزوا برنامجًا لرصد السموم الفطرية في الفواكه الجافة، أسفرت تحاليله المخبرية عن نتائج مطمئنة، كما وضع مخططًا لمراقبة هذه السموم في الحليب.

واتفق المكتب مع تنبيهات الخبراء حول خطورة "الخبز الكارم"، مؤكدًا أنه غير صالح لتغذية الحيوانات، متحدثًا أن الأعلاف الموجهة للقطيع يجب أن تكون منتجة من طرف وحدات مختصة في هذا العمل، لذلك يقوم بحملات توعوية لفائدة مربي المواشي للتعريف بمزايا استعمال أعلاف سليمة.

في انتظار صدور النص التنظيمي الذي سيسمح بوضع حد أقصى للملوثات الكيميائية الموجودة في المواد الأولية المسموح بولوجها إلى المغرب، وفي انتظار تقديم إحصائيات دقيقة تبيّن حجم ضرر هذه السموم بشكل مباشر على صحة المغاربة، وكم من حالات السرطان تسبّبت فيها، يظهر أن مصالح الدولة ينتظرها الكثير من العمل لإبعاد الموت المنتشر في الطرقات والأسواق الممتازة والمجازر والمخابز.. فالمرض لم يعد يختبئ بالضرورة في مأكولات مطعم لا يحترم شروط النظافة، بل يختبئ في منتجات غذائية تُباع في المطاعم الفاخرة ومحلّات الجودة، ويختبئ كذلك في منتوجاتنا الطبيعية التي طالما تباهينا بقيمتها الغذائية العالية.