التهميش والتمييز يضاعفان محنة ذوي الاحتياجات الخاصة بتنغير

التهميش والتمييز يضاعفان محنة ذوي الاحتياجات الخاصة بتنغير

تعاني فئة من ذوي الاحتياجات الخاصة بمدينة تنغير عدة مشاكل وإكراهات، تقف عائقا أمام طموحاتهم، وتكبل نشاطاتهم اليومية، وتحول بينهم وبين المحيط الذي يعيشون فيه، في ظل غياب برامج رسمية محلية لتوعيتهم ودعمهم لمساعدتهم على الاندماج في الحياة العامة، حيث إن أغلب هؤلاء الأشخاص يجد نفسه عاجزا كل العجز من الناحية المادية؛ وهو ما يحوّل حياته إلى جحيم كبير.

جريدة هسبريس الإلكترونية التقت، خلال إعدادها لهذا الربورتاج، بمجموعة من الأشخاص من مختلف الأعمار، ممن يعانون الإعاقة، تحدثوا عن الجهود التي يقومون بها بالرغم من إعاقتهم من أجل إثبات الذات وسط المجتمع من جهة وتحقيق حاجياتهم من جهة أخرى، بالعزيمة والأمل وتحدّ.

أصبحت هذه الفئة في السنوات الأخيرة، خصوصا بتنغير، تعتمد على نفسها، بعيدا عن اهتمامات الجهات الوصية، باستثناء بعض الدعم والتتبع الذي تقوم به بعض الجمعيات المدنية، بتعبير، عبد العزيز أوسعيد مدير مركز الإدماج الاجتماعي بمركز تنغير.

وفي هذا الإطار، يقول مولاي رشيد الإدريسي، فاعل جمعوي حقوقي، في تصريح لهسبريس، "يمكن أن نقول بأن المعاق فكريا هو من أعاقته أفكاره عن معرفة الحق بسبب الاعتقادات الخاطئة"، مشيرا إلى أن "المعاقين عاديون في نظر من لا يعرف هؤلاء الأشخاص، مغرورون في نظر من يكرههم، جيدون في نظر من يعرفهم، رائعون في نظر من يحبهم"، مستطردا: "نتمنى روح العطاء وحب العمل لإدماج الأشخاص في وضعية إعاقة في مختلف الإعاقات والمشاركة المجتمعية والمساهمة الإيجابية في تطوير مختلف أمور حياتهم"، وفق تعبيره.

نظرة المجتمع

وفاء بطاشي، شابة من مركز مدينة تنغير من ذوي الاحتياجات الخاصة، أكدت أن "فئة الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة تعاني الأمرّين، ليس فقط بسبب غياب الدعم المادي أو مرض الإعاقة، بل بسبب عقلية المجتمع في التعامل مع هذه الفئة من قبل الأشخاص الطبيعيين، الذين يعانون من إعاقة في التفكير، ويرفضون التعامل معهم متناسين أن الدور قد يكون عليهم أو على أبنائهم غدا والممكن أن يعانوا من نفس المصير"، وفق تعبيرها.

وشددت المتحدثة، في تصريح لهسبريس، على أن "نظرة المجتمع السلبية اتجاه ذوي الاحتياجات الخاصة تؤدي إلى زيادة إعاقة الأفراد؛ لأنهم يشكلون اتجاهات ومشاعر خاصة إزاء أنفسهم، ما يؤدي إلى إحباطات واضطرابات انفعالية تؤدي إلى ازدواجية في الإعاقة"، مشيرة إلى أن "نظرة المجتمع السلبية تمثل عائقا يحول دون تمكين ذوي الاحتياجات الخاصة من التكييف، وبالتالي قد تظهر انحرافات عن العادات والتقاليد وعدم الشعور بالاحترام".

غياب الولوجيات تعمق معاناتهم

"مشكل الولوجيات إلى داخل المؤسسات العمومية وشبه العمومية يعد من بين المشاكل التي يواجهها الشخص المعاق بمدينة تنغير، حيث إن أغلب تلك المؤسسات تفتقر إلى هذه الولوجيات، ناهيك عن كون أغلب هذه المؤسسات بالمدينة توجد بالطابق العلوي"، تقول فاطمة أعلوش، أستاذة بمدينة تنغير، وهي من ذوي الاحتياجات الخاصة.

وذكرت المتحدثة أن مردفة: "البارحة مثلا زرت الخزينة العامة بمركز تنغير ووجدت صعوبة للوصول إليها، فما بالك بأصحاب الكراسي المتحركة؟"، لافتة إلى أن "جميع العيادات الخاصة بأطباء القطاع الخصوصي توجد في أماكن عالية، وكذلك أخصائية الترويض"، مشددة على أن "الشخص المعاق لم يحصل على حقه للولوج إلى المؤسسات العمومية، مثله مثل باقي الأشخاص"، بتعبيرها.

وأوضحت المتحدثة، في تصريح لهسبريس، أن "مصالح كثيرة مكاتبها صعبة الوصول، مثل العمالة والتعاون الوطني مندوبية الصناعة التقليدية وغيرها من المصالح"، مستدركة " القائمون على هذه المصالح لم يهتموا بالأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، لذلك لم يفكروا في إيجاد مكان مخصص لهم في الولوج إليها"، ملتمسة من جميع رؤساء المصالح بالمدينة "ضرورة الإسراع في إيجاد حلول لهذه الإكراهات والمشاكل التي يعانيها الشخص المعاق بتنغير"، تضيف المتحدثة.

من جهته، طالب لحسن بن زايد، من ذوي الاحتياجات الخاصة، بضرورة تعميم الولوجيات من أجل كرامة ذوي الإعاقة، مشددا على أن المعاق يجد صعوبة كبيرة في الولوج الى المؤسسات العمومية والأبناك والصيدليات، مستطردا أنه "بالرغم من أن الفاعلين الجمعويين بمدينة تنغير يطالبون بالولوجيات منذ زمن، فإن التهيئة الحديثة والمشاريع الكبرى التي تشهدها المدينة تعرف غيابا تاما للولوجيات"، وفق تعبيره.

مطالب المعاق

"مدينة تنغير، كباقي المدن بالمملكة، تتوفر على عدد كبير من الأشخاص في وضعية إعاقة تختلف إعاقتهم حسب الأحوال والظروف؛ فهناك معاناة وهناك تفاؤل تختلف حسب شخصية الشخص"، يقول لحسن بن زايد، الفاعل الجمعوي بالمدينة، وزاد: "الإعاقة قوية؛ لكن الإرادة أقوى.. فالحمد لله إذا أحب الله عبدا ابتلاه، أو يصب منه"، مردفا: "نحن أشخاص بالإرادة والتحدي لن نركع للإعاقة"، وفق تعبيره.

ومن بين المطالب التي تنتظر هذه الفئة تحقيقها، يقول الجمعوي ذاته، هو توفير مراكز للترويض الطبي الخاص بذوي الاحتياجات الخاصة، والترافع من أجل بطاقة المعاق الخاصة بالوزارة لتخرج إلى حيز الوجود، والمطالبة بإسراع بتنفيذ قانون الإعاقة 97/13، بالإضافة إلى قانون الولوجيات الذي لم يحترم ولم يطبق على أرض الواقع.

وذكر المتحدث، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن "من بين المطالب المرفوعة من لدن ذوي الاحتياجات الخاصة بمدينة تنغير والإقليم بصفة عامة هو تقريب الإدارة للمعاق، وإحداث مكاتب خاصة لهم في الجماعات والمستشفيات لقضاء أغراضهم، وكذا مطالبة الجماعات المحلية بتوفير الجداريات والأرصفة في المحطات الطرقية وفي المرائب العمومية، وإعادة النظر في مشاريع التماسك الاجتماعي (تسهيل الوثائق) وتسريع وتيرة الاستفادة، وغيرها من المطالب الحقوقية والمشروعة"، بتعبيره.

وشدد الجمعوي ذاته على أن "الأطفال ذي الإعاقة يمتلكون حقوقا مثلهم مثل جميع الأطفال، ولكنهم غالبا ما يعانون من التهميش والإقصاء الاجتماعي، ولا يتوفرون على الدعم الكافي لتحقيق انتظاراتهم وطموحاتهم"، موضحا أن "إدماج الأطفال ذوي الإعاقة في المجتمع ليس مستحيلا، لكنه يتطلب تغييرا في التصور والرؤية، وهو الاعتراف بأن الأطفال ذوي الإعاقة لهم نفس الحقوق التي يتمتع بها غيرهم، وإنهم يمكن أن يكونوا أحد عوامل التغيير، وإن أصواتهم يجب أن تلقى آذانا صاغية في وضع سياساتنا وبرامجنا".

"الشخص المعاق يعاني من التهميش والتمييز، خصوصا في الوظائف"، تؤكد فاطمة اعلوش، مشيرة إلى أن "التمييز يقع أيضا في الحصول على وظيفةّ، مشددة على أنه "عندما يكون هناك اختيار بين شخص "سوي" وشخص في وضعية إعاقة غالبا يحسم الموقف لصالح الأول"، وفق تعبيرها.

جمعية مهتمة

بمركز مدينة تنغير، يوجد مقر جمعية إغير لأصدقاء الأشخاص في وضعية إعاقة، والتي تأسست منذ سنة 1999، بمبادرة من مجموعة من الفاعلين الجمعويين والمتطوعين والمهتمين برعاية الأشخاص في وضعية إعاقة من الناحية الصحية والتربوية والتعليمية من أجل إدماجهم في المجتمع، وفق ما أكده عبد العزيز أوسعيد مدير مركز الإدماج الاجتماعي، التابع الجمعية ذاتها.

ومن بين الأهداف المسطرة في القانون الأساسي لهذه الجمعية، يضيف المصدر ذاته، هو العمل من أجل الإدماج الاجتماعي للأشخاص في وضعية إعاقة من خلال التحسيس والتوعية والتعبئة، وخلق مشاريع تنموية من أجل تقوية قدرات هذه الفئة، وكذا الاهتمام بقضايا الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة محليا ووطنيا، وتقديم المساعدات لهم، بالإضافة إلى أهداف أخرى مرتبطة بالمجال التعليمي والتربوي والصحي والرياضي والثقافي.

وذكر المتحدث أن ما ين 40 و50 مستفيدا يتوجهون يوميا إلى هذه الجمعية، ويستفيدون من دروس الدعم في مجموعة من المجالات، كورشة الشمع الملون والحدادة الفنية والفخار والحدادة والخياطة والفصالة والحلويات والكسكس، بالإضافة إلى الإدماج الاجتماعي والتعليم الدامج، مستدركا "أن عدد المنخرطين من ذوي الاحتياجات الخاصة في الجمعية بلغ حوالي 1282 منخرطا"، وفق تعبيره.

وعن الإكراهات التي تواجه هذه الفئة، قال عبد العزيز أوسعيد، في تصريح لهسبريس، إن هناك ما هو مرتبط بالماديات "المنح"، وغياب الولوجيات، ونظرة المجتمع للمعاق، والمقاربة الإحسانية، غياب العناية والتتبع، ضعف الوعي الأسري، غياب ثقافة الإعاقة، وغياب الأهم هو القطاع الوصي، وفق تعبيره.

ولفت الجمعوي ذاته إلى أن جمعية إغير لأصدقاء الأشخاص في وضعية إعاقة تعمل جاهدة من أجل تكوين هذه الفئة في مجموعة من المجالات لإدماجهم في المجتمع، مشيرا إلى أن مجموعة من الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة نجحوا في رسم معالم طريق مستقبلهم، موضحا أن عددا منهم يصنعون الحلويات ويبيعونها للعموم ويعرضون منتجاتهم في الصناعة التقليدية، بالإضافة إلى فئة أخرى التي تتعلم بعض الصناعات، وفق تعبيره.

وأبرز المتحدث أن هذه الفئة تحتاج إلى دعم الجهات المسؤولة وتوفير الدعم أيضا للجمعيات المهتمة من أجل تتبع ومواكبة وضعية هؤلاء الأشخاص لإدماجهم في الحياة العامة، مشيرا إلى أن "على مندوبية التعاون الوطني أن تقدم الدعم للجمعيات المهتمة وأن لا تكتفي بتقديم الدعم المباشر لذوي الاحتياجات الخاصة"، يضيف المتحدث.

ومن أجل نيل تعليق مصالح المندوبية الإقليمية للتعاون الوطني بتنغير، باعتبارها الجهة الرسمية الوصية على هذه الفئة، زارت هسبريس مقر المندوبية، ولم تجد المسؤول المكلف، حيث كان في مهمة خارج المدينة، حسب ما أكده حارس المندوبية ذاتها.