انتشار التسوّل يثير نقاشا قانونيا واجتماعيا بـ"عاصمة الفوسفاط"

انتشار التسوّل يثير نقاشا قانونيا واجتماعيا بـ"عاصمة الفوسفاط"

ما إن يُجري المرء جولة بشوارع وأزقة مدينة خريبكة، سواء كان من أبناء المنطقة أو مجرّد زائر عابر، حتى يلاحظ انتشار المتسولين بشكل ملفت، خاصة في الشوارع الكبرى، وقرب المحلات التجارية والمقابر والمساجد والأسواق والساحات العمومية وإشارات المرور وملتقيات الطرق الرئيسية وسط المدينة، مع تزايد أعداد المتسولين يوما بعد يوم بمختلف الأحياء السكنية.

وفي جولة وسط مدينة خريبكة يلاحظ تواجد متسولين من مختلف الأعمار، ذكورا وإناثا، من بينهم مجموعة من الشبّان الأفارقة القادمين من دول جنوب الصحراء الكبرى، إلى جانب عدد من الأسر السورية التي قرّرت الاستقرار بعاصمة الفوسفاط، هربا من الأوضاع التي تعرفها بلادها، وامتهان التسول لضمان لقمة عيش لها ولأطفالها.

عز الدين فدني، المحامي ورئيس المرصد الوطني للعدالة بخريبكة، أوضح أن "بعض الأفراد يضطرون بحكم وضعهم الاجتماعي أو الصحي إلى طلب المعونة والمساعدة من الغير"، وزاد: "إن كانت هذه الظروف استثناء حتى في إطارها الديني، فقد تحولت عند البعض إلى قاعدة، وأصبحت سلوكا معتادا إلى درجة أنها تحولت إلى ظاهرة"، مضيفا أن "دورها السلبي اجتماعيا واقتصاديا دفع المشرع المغربي إلى التدخل، واعتبارها بمثابة جريمة، وسن لها مقتضيات خاصة من المجموعة الجنائية".

وأضاف المتحدث ذاته أن "المتسول حسب القانون هو كل فرد أو مجموعة من الأفراد، رجلا أو امرأة، طفلا أو شيخا، يملك وسائل العيش أو كان بإمكانه الحصول عليها بالعمل أو بأي وسائل مشروعة، لكنه يفضل الخروج إلى الشارع وفي أي مكان لطلب المساعدة المالية بشكل خاص"، مؤكّدا أن "عقوبة هذا النوع من الجرائم تبدأ من شهر كحد أدنى، وتصل إلى خمس سنوات كحد أقصى، بتوافر مجموعة من الشروط كظروف تشديد".

وأوضح فدني أن "البعض يلجأ إلى التسول، مع توافر سبل العيش أو مع القدرة على العمل، والتظاهر بالمرض أو العاهة، واصطحاب طفل أو تسليمه للغير بمقابل أو بدونه، من أجل الاستعانة به، واستعمال العنف وحمل السلاح أثناء التسول"، مشيرا إلى أنه "حسب المادة 333، فقد تضاف إلى العقوبة الأصلية عقوبة بتوافر الظرفين الأخيرين، وتتمثل في الحكم على المتسول بالمنع من الإقامة لمدة 5 سنوات".

ونظرا لما يعيشه المغرب من فقر وانتشار للبطالة وكثرة الاتّكال، يضيف عز الدين فدني، "فإن ظاهرة التسوّل في البلاد عامة ومدينة خريبكة بشكل خاص تزداد استفحالا يوما بعد يوم، ونادرا ما تلجأ السلطات العمومية إلى المقاربة الأمنية والقضائية لمواجهتها لاعتبارات سياسية، ما دفع العديد من المهاجرين، خاصة السوريون والأفارقة من جنوب الصحراء، إلى اتخاذ المملكة بصفة عامة مجالا أرحب لممارسة التسول".

وأورد فدني في تصريح لهسبريس أن "المجتمع المغربي يقبل هذا الوضع، ويجد في المصدر الديني مبررا له، إلا أن للظاهرة تبعات خطيرة على المستويين الاجتماعي والأمني، إذ إن العديد من الجرائم عجزت الدوائر الأمنية عن الوصول إلى مرتكبيها"، مشيرا إلى أن "الظاهرة تحتاج إلى مقاربة شمولية لمعالجتها، أو على الأقل الحد منها، من خلال استحضار الجانب التوعوي والاقتصادي، وتوفير فرص الشغل والعناية الصحية بالمحتاجين وغيرها، إلى جانب استحضار البعد القانوني بتفعيل المقتضيات الزجرية في حق المتسولين، خاصة أولئك الذين جعلوا التسول مهنة لهم".

وفي محاولة لتحليل ظاهرة التسوّل بمدينة خريبكة من حيث الجانب الاجتماعي، أوضح عز الدين حليمي، بصفته أستاذا للفلسفة وأحد المهتمين بالشأن المحلي بالمدينة، أن "التسوّل ظاهرة معقّدة، ويتداخل فيها البعد الفلسفي مع الاجتماعي والحقوقي وغيرها من الجوانب"، مشيرا إلى أن "لغة التسول تحمل أبعاد التمويه والقلب والتضليل، ما يحيل على طرح سؤال جذري حول مستوى اقتران العلل بالمعلولات".

وأكّد المتحدث ذاته، في تصريح لهسبريس، أن "جسد المتسول يبحث عن لذة الإحساس بالذات في ممارسة التسول بواسطة أبعاد القلب والكذب والزيف، وبذلك فتجربة التسول تترجم العلاقة بين الوعي والعالم، في وقت اتسعت وتكاثفت وتعقدت فيه تلك العلاقة"، مشدّدا على أن "التسول ليس مجرد انعكاس للواقع، بل الواقع نفسه كثمرة علاقات وتشكيلات المدرسة والمستشفى والسجن بلغة ميشيل فوكو".

وبناء على كل ما ذُكر، يضيف عز الدين حليمي، "أصبحت الأخلاق مشروعا يبتكر من أجل التضليل، ما يعني أن ذات المتسول المستسلم للأهواء والميول التي جرى تطويعها وقولبتها بواسطة أخلاق التمويه، هي ذات كلية تنسحب على باقي الذوات التي تطبعت بالتمويه، كالإفريقي والبدوي والحضري والرجل والمرأة والطفل..."، خاتما تصريحه بالتأكيد أن "مقاربة فلسفة اجتماعية وسياسية وحقوقية ونفسية كفيلة بالحد من انتشار هذه الآفة داخل مدينة خريبكة وخارجها".